ما حقيقة الادعاءات المتداولة عن تغيّرات غير طبيعية في البحر الأبيض المتوسط؟
بعد تداول مقاطع فيديو وتصريحات تناولت ما وُصف بـ"كارثة وشيكة" ستضرب البحر الأبيض المتوسط والمناطق المحيطة به، سادت حالة من القلق والذعر على مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة في مصر وعدد من الدول المطلة على البحر الأبيض المتوسط.
كانت البداية بعد انتشار مقطع فيديو في حساب يُدعى "القبطان نور" في شهر يونيو/حزيران الفائت، حذر فيه من "أمور غير طبيعية" تحدث في البحر، مشيرًا إلى "ترددات مجهولة المصدر" و"موجة مدفونة"، وزاعمًا أن ما يحدث هو نتيجة لتجارب أو أسلحة متقدمة تُستخدم في أعماق البحر.
رغم أن هذه التصريحات لم تستند إلى أي بيانات علمية منشورة أو تقارير فنية موثقة، إلا أنها انتشرت على نطاق واسع، وترافقت مع حالة من القلق الشعبي، خاصة في ظل إغلاق بعض الشواطئ المصرية نتيجة سوء الأحوال الجوية.
في هذا السياق، راجع "مسبار" تلك الادعاءات، وحلّل محتواها في ضوء البيانات المناخية ورصد الأوضاع البحرية، واستنادًا إلى المصادر العلمية المتخصصة لفهم حقيقة ما يجري في البحر المتوسط.
موجات مدفونة وترددات غامضة في البحر تشير إلى تدخل بشري وتجارب سرية
تداولت حسابات وصفحات على مواقع التواصل مقطع فيديو لشخصية تُدعى "القبطان محمد نور"، قال فيه إنّ البحر يشهد في الوقت الحالي "موجات مدفونة" وترددات غامضة لا ترتبط بأي مصدر معروف. وادعى أن زوايا حركة الأمواج "تغيّرت فجأة"، مشيرًا إلى أن هذا التغيير ليس طبيعيًا، بل ناجم عن "تدخل بشري".
وأضاف أن هناك احتمالًا لوجود تجارب سرية، أو تكنولوجيا غير معلنة، أو حتى سلاح غير معروف يُستخدم في أعماق البحر. محذرًا من أن هذه الظواهر قد تكون مقدمة لكارثة وشيكة، مثل بركان، أو زلزال، أو تسونامي.
بعد البحث، تبيّن أن البحر الأبيض المتوسط يشهد بالفعل تغيرات حرارية غير مسبوقة خلال صيف 2025. ووفقًا لبيانات خدمة كوبرنيكوس لتغير المناخ التابعة للاتحاد الأوروبي، فقد تجاوزت درجات حرارة سطح البحر، في 22 يونيو/حزيران الفائت، المتوسط الموسمي بأكثر من خمس درجات مئوية، في ارتفاع يُعد رقمًا قياسيًا.
وذكر الباحث في مركز أبحاث الفيزياء الجوية بأكاديمية أثينا، كريستوس سبيرو، أن درجات الحرارة المسجلة في يونيو كانت عادة ما تُرصد في منتصف أغسطس/آب، ما يجعل صيف هذا العام من بين الأشد حرارة في تاريخ المنطقة.
وتشير البيانات إلى أن متوسط درجات حرارة البحر فاق المعدلات المرجعية للفترة بين عامي 1982 و2023 بفارق يتراوح بين ثلاث إلى ست درجات مئوية.
ادعاءات بوجود موجات مدفونة في البحر الأبيض المتوسط ونفي رسمي
أمّا الادعاءات بوجود "موجات مدفونة ومجهولة الاتجاه"، فلا تتوافق مع أي رصد علمي في الوقت الراهن. إذ تتغير حركة الأمواج البحرية باستمرار نتيجة عوامل جوية مثل اختلاف الضغط الجوي، والتغيرات في درجة حرارة المياه، واتجاه الرياح. إضافة إلى ذلك، لم تُسجل أي مراكز للرصد الزلزالي أو الجيوفيزيائي في مصر أو أوروبا أو منطقة البحر المتوسط إشارات غير مألوفة أو ترددات غامضة تدعم هذه الادعاءات.
وفي السياق ذاته، نفى رئيس المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيائية في مصر، الدكتور طه رابح، صحة ما يُتداول على لسان "القبطان نور"، مؤكّدًا عدم وجود أي مؤشرات على خطر زلزالي أو احتمال لوقوع تسونامي. وأوضح أن ارتفاع الأمواج الملحوظ في الآونة الأخيرة يُعد أمرًا طبيعيًا في هذا الوقت من العام.
قاع البحر يسخن بشكل جنوني ووجود ترددات غير طبيعية
كما نشر حساب "الدكتور سام يوسف"، على منصة إكس، مقطع فيديو تجاوز عدد مشاهداته 240 ألفًا، ادعى فيه أن ظاهرة غريبة تجري في أعماق البحر الأبيض المتوسط. وادعى في المقطع أن ما وصفه بـ"الترددات غير الطبيعية"، إلى جانب هيجان الأمواج والتحذيرات من السباحة وإغلاق الشواطئ، لا تعود إلى الرياح أو الأعاصير، بل إلى ما اعتبره "سخونة جنونية ومتسارعة في قاع البحر".
ويشهد البحر الأبيض المتوسط بالفعل، ارتفاعًا غير مسبوق في حرارة سطحه نتيجة موجة حر بحرية شديدة، إذ تُعد واحدة من أبرز مظاهر التغير المناخي في المنطقة. ووفقًا لتقارير شبكة خبراء البحر المتوسط في التغير المناخي والبيئي (MedECC)، التي تضم أكثر من 190 عالمًا من 25 دولة، فإنّ وتيرة ارتفاع حرارة مياه المتوسط تفوق المعدل العالمي بنسبة 20%، ما يجعله من بين أكثر البحار تأثرًا بالاحترار العالمي. وقد أكّد تقرير التقييم المتوسطي الكامل (MAR1)، الصادر بالتعاون مع الاتحاد من أجل المتوسط وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، هذا الاتجاه خلال اجتماع وزاري عُقد في القاهرة عام 2021.
تنعكس هذه الظاهرة على البيئة البحرية بوضوح، حيث تؤدي إلى زيادة التبخر وارتفاع مستويات الملوحة، إلى جانب اضطرابات حادة في النظم البيئية تهدد التنوع البيولوجي، والثروة السمكية، والشعاب المرجانية.
ورغم هذه التغيرات السطحية الملحوظة، إلا أنه لا وجود لمؤشرات تدل على نشاط جيولوجي غير طبيعي في قاع البحر. وتشير توقعات MedECC إلى احتمال ارتفاع درجات الحرارة بمقدار 2.2 درجة مئوية بحلول عام 2040 مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية، وهو ما قد يؤدي إلى معاناة نحو 250 مليون شخص من "فقر مائي" خلال العقدين المقبلين، إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة للتكيف والتخفيف من آثار هذه الأزمة البيئية المتفاقمة.
غليان مجهول السبب وسط البحر الأبيض المتوسط
في السياق ذاته، انتشر مقطع فيديو على موقع فيسبوك حاصدًا ثلاثة ملايين مشاهدة، يعرض مشهد حفرة في البحر تبتلع المياه من حولها ثم تقذفها مجددًا، مع ادعاء أن ذلك جاء نتيجة "غليان غامض" في مياه البحر الأبيض المتوسط لأسباب غير معروفة.
تحقق مسبار من المقطع المتداول من خلال تحليل عناصره البصرية، وتبيّن أنه مشهد مولّد باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، ولا يُظهر أي ظاهرة حقيقية أو غير معتادة في البحر الأبيض المتوسط تشير إلى احتمال وقوع حدث استثنائي.
ومن الناحية العلمية، لا توجد ظواهر طبيعية في المحيطات أو البحار يمكن أن تتسبب في تشكّل حفرة بهذا الشكل في بيئة مائية مفتوحة. فالمياه في المحيط تخضع لتوازن من الضغوط والقوى المتضادة، يمنع حدوث انهيار مركّز في نقطة واحدة بهذا الشكل. كما أن سلوك الماء الظاهر في المقطع لا يتفق مع أي من أنماط الحركة المعروفة في علم المحيطات.
وبالمقارنة مع بعض الظواهر المائية الحقيقية مثل الدوامات أو فتحات التصريف في السدود، يختلف هذا المشهد من حيث الشكل، والأسباب، والبيئة المحيطة. فالدوامات تنشأ من تداخل تيارات متضادة ولا تسبب انهيارًا عموديًا، أما فتحات التصريف فهي منشآت صناعية، ولا توجد في البحر المفتوح.
أمواج بارتفاع 6 أمتار في البحر المتوسط لأول مرة
كما نشر حساب آخر يحمل اسم رانيا أبو اليزيد مقطعًا عبر منصة فيسبوك، تجاوزت مشاهداته 800 ألف، ادعت فيه أن البحر الأبيض المتوسط شهد موجات بارتفاع ستة أمتار، ووصفتها بأنها "غير مسبوقة ولم يسبق لعلماء الأرصاد رؤيتها من قبل". وأضافت أن "خبراء جيولوجيا عالميين" يتوقعون أن تضرب هذه الأمواج الخطرة الساحل المصري، وخصوصًا مدينة الإسكندرية.
إلا أن بيانات الأقمار الصناعية وتقارير الأرصاد الجوية المحلية والدولية لم تسجل أي موجات غير طبيعية بارتفاع يصل إلى ستة أمتار قبالة السواحل المصرية خلال أواخر يونيو الفائت ومطلع يوليو الجاري.
وفي هذا السياق، أوضحت عضو المركز الإعلامي بهيئة الأرصاد الجوية، الدكتورة منار غانم، أن الأوضاع الجوية فوق البحر المتوسط كانت ضمن المعدلات الطبيعية. ورغم ارتفاع سرعات الرياح في بعض الأيام، ما تسبب في اضطراب الملاحة البحرية وارتفاع الأمواج إلى نحو 2.5 متر، فإن السلطات اتخذت إجراءات احترازية، مثل إغلاق بعض الشواطئ مؤقتًا، حرصًا على سلامة المواطنين.
أما الادعاء بأن "خبراء جيولوجيا عالميين" حذروا من أمواج خطرة ستضرب السواحل المصرية، فلا يستند إلى أي مصدر موثوق. إذ لم يتمكّن مسبار من التحقق من صحة هذا الادعاء أو العثور على أي جهة علمية رسمية أو موثوقة أصدرت تحذيرات بهذا الشأن، بما في ذلك المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية.
تشغيل برنامج هارب HAARP لإحداث تسونامي عبر الماسونية
بالتزامن مع انتشار مزاعم مضللة وزائفة حول اقتراب حدوث تسونامي يضرب سواحل دول البحر الأبيض المتوسط، ولا سيما مصر، تداول مستخدمون على موقع فيسبوك مقطع فيديو نشره حساب يُدعى "سفيان عبد الله"، حصد أكثر من أربعة آلاف مشاهدة. ادعى ناشر المقطع أنه يوثق مشاهد لطائرة مروحية ترصد موجات تشبه التسونامي في البحر، مدعيًا أن "الماسونية" فعّلت برنامج "هارب" في البحر الأبيض المتوسط.
أعادت بعض المنشورات ترويج نظريات المؤامرة المتعلقة ببرنامج HAARP، مدعية أن البرنامج يُفعَّل في البحر الأبيض المتوسط بهدف توليد موجات تسونامي بشكل مصطنع، وأن جهة سرية مثل "الماسونية" تقف وراء ذلك.
لكن في الواقع، فإن برنامج HAARP، الذي أُنشئ في الولايات المتحدة الأميركية لأغراض بحثية تتعلق بدراسة طبقات الغلاف الجوي العليا (الأيونوسفير)، لا علاقة له بسطح الأرض أو المحيطات، ولا يمتلك القدرة على إحداث كوارث طبيعية مثل الزلازل أو التسونامي.
وقد فند العلماء والمختصون مرارًا مثل هذه الادعاءات، التي لا تستند إلى أي دليل علمي موثوق. كما سبق لمسبار أن تحقق من هذه الادعاءات في مقال نُشر في نوفمبر 2024، وأثبت زيفها استنادًا إلى المصادر العلمية والتقارير الرسمية.
ما هو مشروع هارب أو برنامج الشفق القطبي؟
مشروع هارب، أو "برنامج الشفق القطبي النشط عالي التردد"، هو مبادرة علمية أميركية انطلقت في تسعينيات القرن الفائت، وتهدف إلى دراسة الطبقات العليا من الغلاف الجوي، وخصوصًا طبقة الأيونوسفير. يعتمد المشروع على إرسال موجات راديوية عالية التردد لتحليل كيفية تفاعلها مع هذه الطبقة وتأثيرها على أنظمة الاتصالات والملاحة.
منذ بدايته، أصبح هارب محورًا للعديد من نظريات المؤامرة التي تزعم أنه يمتلك قدرات خارقة، مثل التلاعب بالمناخ، وإثارة الزلازل، أو التسبب في موجات تسونامي. لكن هذه الادعاءات تفتقر إلى أي أساس علمي.
فوفقًا للإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي، لا يمكن أن يحدث تسونامي إلا نتيجة لتحرك ضخم ومفاجئ في كتل مائية كبيرة، وهو ما ينتج عادة عن زلازل قوية تقع تحت قاع البحر، أو نشاط بركاني عنيف، أو انهيارات أرضية ضخمة. هذه الظواهر تُطلق طاقة هائلة تُقدَّر بمليارات الجول (Joule) وهو وحدة قياس للطاقة في النظام الدولي للوحدات (SI)، ناتجة عن تحرك كتل صخرية عملاقة في أعماق المحيط.
في المقابل، الطاقة التي يطلقها مشروع هارب لا تتجاوز 3 ميغاواط، وهي كمية ضئيلة جدًا مقارنة بالطاقة المطلوبة لإحداث تسونامي. إضافة إلى ذلك، يعمل المشروع في طبقة الأيونوسفير التي تقع على ارتفاع يتراوح بين 80 و500 كيلومتر فوق سطح الأرض، وهي طبقة غير مرتبطة بالقشرة الأرضية أو المحيطات بطريقة تسمح بحدوث تحولات جيولوجية.
اقرأ/ي أيضًا
ادعاءات حول إمكانية وقوع تسونامي في البحر الأبيض المتوسط، ما حقيقتها؟
آلاف الحسابات روجت لمؤامرة تسبُّب برنامج هارب بزلزال تركيا وسوريا