رغم الاعتراف الرسمي الإسرائيلي.. حسابات تشكك في فيديو اعتداء مستوطن على مسنة فلسطينية
تحوّل موسم قطف الزيتون في الضفة الغربية مجددًا إلى مشهد من العنف والاعتداءات المنظمة من قبل المستوطنين. فقد أثار مقطع فيديو وثّقه الصحفي الأميركي جاسبر ناثانييل في بلدة ترمسعيا شمال شرقي رام الله، بتاريخ 19 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، موجة جدل واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما أظهر لحظات اعتداء مستوطنين على مزارعين فلسطينيين ومتضامنين أجانب، ما أسفر عن إصابات من بينها إصابة امرأة مسنة.
ورغم وضوح المشاهد وتوثيق الأضرار الميدانية، شنت حسابات مؤيدة لإسرائيل حملة تشكيك منسقة، زعمت أن الفيديو "مفبرك" ويدخل ضمن ما تسميه "باليود الضفة"، في إشارة إلى اتهامات متكررة تزعم أن الفلسطينيين "يفبركون مشاهد تمثيلية للتحريض ضد إسرائيل".
في المقال التالي، يستعرض مسبار تفاصيل الاعتداء كما وثقها الفيديو وشهادات الميدان، ويحلل حملة التشكيك التي أعقبت انتشارها، بوصفها جزءًا من نمط متكرر لتقويض صدقية الرواية الفلسطينية والتقليل من شأن اعتداءات المستوطنين، في ظل تصاعد خطاب دعائي يبرر العنف أو يغطي عليه.
حسابات مؤيدة لإسرائيل تزعم فبركة فيديو اعتداء مستوطن على مسنة فلسطينية
نشرت حسابات إسرائيلية ومؤيدة لإسرائيل على موقع إكس في أكتوبر الجاري، مقطع فيديو يُظهر مستوطنًا إسرائيليًا يعتدي على امرأة فلسطينية مسنة في بلدة ترمسعيا شرقي رام الله.
وزعمت تلك الحسابات أن المقطع "مفبرك"، وأن منفّذ الاعتداء ليس مستوطنًا بل فلسطينيًّا انتحل صفة مستوطن بهدف تصوير مشهد دعائي لإثارة الرأي العام ضد إسرائيل.
واستندت بعض الحسابات في مزاعمها إلى أن ملامح المهاجم وطريقة لباسه تُظهر أنه لا ينتمي إلى اليهود المتشددين دينيًا، إذ يرتدي بنطال جينز ضيقًا ويُبقي ذراعيه عاريتين، وهي تفاصيل قالت إنها لا تتوافق مع المظهر التقليدي للمستوطنين المتدينين.
كما ادعت تلك الحسابات أن الفيديو جزء مما تصفه بـ "باليود الضفة"، في إشارة إلى مصطلح تستخدمه جهات إسرائيلية للتشكيك في المقاطع المصورة الفلسطينية، واتهامها بأنها مشاهد مفبركة تهدف إلى تضليل المشاهد وإثارة الكراهية ضد إسرائيل.
المستوطنون يهاجمون قاطفي الزيتون في بلدة ترمسعيا
قال ناشط محلي في اللجان الشعبية ببلدة ترمسعيا، فضل عدم ذكر اسمه لدواع أمنية، لمسبار، إن الاعتداء وقع في أرض زراعية تابعة للبلدة وقريبة من بؤرة أور نحمان الاستيطانية، موضحًا أن المنطقة مصنفة (ب) وفق اتفاقية أوسلو، ما يمنح الفلسطينيين الحق في الوجود والعمل فيها.
وأوضح الناشط، الذي شهد الاعتداء كشاهد عيان، أن عائلة أم صالح أبو عليا من قرية المغير كانت تقطف الزيتون بالتعاون مع عائلة من ترمسعيا، مشيرًا إلى أن المستوطنين يشنون منذ بداية الموسم اعتداءات يومية على المزارعين.
ووفق شهادته، ففي الأحد 19 أكتوبر الجاري، هاجم المستوطنون المزارعين أثناء عملهم، واعتدى أحدهم على أم صالح بالعصا موجهًا ضربات إلى رأسها حتى أُغمي عليها، كما اعتدوا على اثنين من المتضامنين الأجانب في المكان، ما أسفر عن كسر يد أحدهما.
أم صالح تروي تفاصيل اعتداء المستوطنين أثناء قطف الزيتون
روت عفاف صالح أبو عليا، البالغة من العمر 55 عامًا، والمعروفة بأم صالح، في حديث لوسائل إعلام محلية، أنها كانت مع عائلتها في أرضهم ببلدة ترمسعيا لقطف الزيتون، حين لاحظت اقتراب سيارة من المنطقة وسمعت أحدهم يقول إن القادمين مستوطنون، ما دفع العائلة إلى الهرب.
وأضافت أن المستوطنين أفرغوا الهواء من عجلات مركبة العائلة وحطموا زجاجها، ما اضطرهم لإكمال الطريق سيرًا على الأقدام، قبل أن يحتجزوا شقيق زوجها ويطلقوا قنابل الغاز المسيل للدموع، ما تسبب لها في الدوخة وصعوبة التنفس نتيجة استنشاق الغاز.
وأوضحت أن ناشطين أجانب وسكانًا من القرى المجاورة حضروا للمساعدة، فتعرض المستوطنون للرشق بالحجارة، قبل أن يهاجمها أحد المستوطنين بالعصي ويضربها على رأسها وظهرها مرات عدة أثناء وقوفها بجانب شجرة زيتون، مشيرة إلى أن عدد المهاجمين بلغ نحو 20 شخصًا، ما صعب عليها الفرار.
وأكدت أن المستوطنين اعتدوا كذلك على أبنائها وأحرقوا مركبة العائلة خلال موسم تنتظره عائلتها طوال العام، مضيفة أنها ما تزال تعاني من إصابات في الرأس جراء الضرب بالعصي والأدوات الحادة.
فيما قال أحد أقاربها، في حديث لوكالة الأناضول، إنهم بدأوا بقطف الزيتون بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي من الموقع ظنًّا منهم أن الوضع أصبح آمنًا، قبل أن تهاجمهم مجموعة من المستوطنين وتعتدي على المزارعين في المكان.
وأوضح أحد أقارب أم صالح أبو عليا أنه توجه إلى مركبته لمحاولة إنقاذها من الحرق، إلا أن المستوطنين هاجموها وأعطبوا عجلاتها وحطموا زجاجها.
وأضاف أن نحو 50 مستوطنًا هاجموه ولاحقوا مركبته، واعتدوا عليه بالضرب محاولين سحبه منها، لكنه تمكن من الفرار عبر الباب الخلفي رغم إصابته برضوض، فيما أحرق المستوطنون المركبة بالكامل.
وأكد أن الأرض تعود لعائلتهم، قائلًا "هذه أرضنا، والأرض كالعرض. لا نتخلى عنها رغم هذا العنف والاعتداء، سنعود إليها ونقطف ثمارها ولن نتركها للمستوطنين".
وبشأن الاعتداء على قريبته عفاف أبو عليا، أوضح أنها حاولت الفرار للاطمئنان على أبنائها، إلا أن المستوطنين هاجموها بالعصي وأدوات حادة، ما تسبب لها بإصابات بالغة. وأضاف "نجت من الموت، شباب ينهالون على سيدة مسنة بالضرب على رأسها بقصد القتل".
تقارير طبية اطلع عليها مسبار تؤكد إصابة أم صالح
زود شقيق زوجها، حمدي أبو عليا، مسبار بالملف الطبي الخاص بعفاف صالح أبو عليا، والذي يُظهر الإصابات التي تعرّضت لها جراء الاعتداء.
وبحسب الصور والفحوصات الطبية التي اطلع عليها الأطباء، فإن أم صالح أصيبت بضربتين في الرأس، إحداهما خلف الأذن اليمنى، والأخرى في الجزء العلوي من الرأس، إضافة إلى كدمات متفرقة في أنحاء الجسم.
كما أُجري لها تقطيب في اليد اليمنى بسبب جرح، مع وجود كدمات في الساق، وأشار التقرير إلى وجود نقطتين دمويتين على الدماغ، يرجح أنهما ناتجتان عن مسمار في رأس العصا المستخدمة في الاعتداء، وهو ما أدى، وفق التقرير، إلى ثقب في الجمجمة.
مقطع فيديو اعتداء المستوطن على المسنة وثقه صحفي أجنبي
يُشار إلى أن مقطع الفيديو الذي تداولته الحسابات المؤيدة لإسرائيل، وثقه الصحفي الأميركي جاسبر ناثانيال، الذي كان في الموقع لحظة الاعتداء.ويُظهر المقطع تفاصيل الهجوم منذ بدايته، بما في ذلك لحظات اقتراب المستوطنين من المزارعين، والاعتداء على المتضامنين الأجانب، ثم ضرب المسنة بالعصا على رأسها، كما تضمن الفيديو مشاهد لاحقة نقلت فيها أم صالح بسيارة بعد إصابتها، إلى جانب لقطات أخرى تُظهر استمرار اعتداء المستوطنين على من حاول مساعدتها.
نشر ناثانيال الفيديو عبر حسابه على موقع إكس، موضحًا أن الجيش الإسرائيلي قاد المزارعين الفلسطينيين في اليوم الأول من موسم قطف الزيتون إلى كمين وحشي نصبه مستوطنون مسلحون، وكتب في منشور مرفق أنه شاهد بنفسه تفاصيل الاعتداء ودونه بالصوت والصورة.
وكان الصحفي الأميركي جاسبر قد نشر صورًا للمستوطن، إلى جانب تغريدة قال فيها إن المستوطنين شنوا هجومًا وحشيًا في حقول الزيتون بترمسعيا، ما أسفر عن إصابات عدة، من بينها امرأة تعرضت لصدمة بعد ضربها مرارًا بهراوة (كما يظهر في الصورة الثانية). وأضاف ناثانيال أن الجيش الإسرائيلي قاد المزارعين إلى كمين نصبه المستوطنون.
إسرائيل تعترف بالهجوم: مستوطن اعتدى على امرأة مسنة في ترمسعيا
ذكر تقرير لصحيفة تايمز أوف إسرائيل بتاريخ 21 أكتوبر الجاري، أن قائد شرطة الاحتلال في الضفة الغربية، نائب المفوض موشيه فينتشي، وجه القادة في منطقته بالتحرك لإلقاء القبض على مستوطن ملثم اعتدى على امرأة فلسطينية مسنة بعصا أثناء قطف الزيتون في بلدة ترمسعيا صباح الأحد.
ويُبرز الاعتراف التناقض في الروايات الإسرائيلية، إذ على الرغم من الإقرار الرسمي بعد انتشار التوثيق الكامل للهجوم الذي نشره الصحفي الأميركي جاسبر ناثانييل، واصلت الحسابات الداعمة لإسرائيل ترويج روايات مضللة تنكر أن الفاعل مستوطن، في محاولة لنفي الاعتداء وتضليل الرأي العام.
ونقل التقرير عن متحدث باسم الجيش الإسرائيلي قوله إن قوات من الجيش والشرطة أُرسلت إلى ترمسعيا بعد تلقي بلاغات عن الهجوم للتعامل مع العنف، بينما أكد شهود عيان أن أي قوة أمنية لم تكن حاضرة أثناء وقوع الاعتداء.
كما أشار التقرير إلى أن الشرطة فتحت تحقيقًا في الحادث، وزار المحققون الموقع لجمع الأدلة، وتمت مصادرة مقاطع فيديو توثق الاعتداء، وأُفيد باعتقال رجل واحد على صلة بالهجوم.
غير أنه حتى لحظة إعداد المادة، لم يصدر أي إعلان رسمي أو صور تؤكد اعتقال المعتدي الذي ظهر في الفيديو.
158 اعتداء نفذها جيش الاحتلال والمستوطنون على قاطفي الزيتون
أكدت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية، في بيان صدر بتاريخ 21 أكتوبر الجاري، أن جيش الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنين نفذوا ما مجموعه 158 اعتداء على قاطفي الزيتون في الضفة الغربية منذ بداية الموسم الحالي.
وأوضح رئيس الهيئة، مؤيد شعبان، أن طواقم الهيئة رصدت 17 اعتداءً نفذه الجيش الإسرائيلي، و141 اعتداء ارتكبه المستوطنون. وأضاف أن هذه الاعتداءات تنوعت بين الضرب والاعتقال وتقييد الحركة ومنع الوصول، إضافة إلى الترهيب وإطلاق النار المباشر كما حدث في محافظة طوباس.
وتوزعت الاعتداءات على المحافظات الفلسطينية، حيث سجلت محافظة نابلس العدد الأكبر بـ56 اعتداء، تلتها رام الله بـ51، ثم الخليل بـ15 اعتداء. كما وثقت الهيئة 57 حالة تقييد حركة وترويع، و22 حالة اعتداء وضرب بحق المزارعين.
وأشار شعبان إلى أن موسم الزيتون هذا العام يُعد من الأصعب والأخطر خلال العقود الأخيرة، نتيجة استغلال الجيش والمستوطنين لأنظمة الحرب وغياب المساءلة القانونية، إلى جانب الدعم السياسي والتشريعي الذي يعزز الاعتداءات والإرهاب بحق المزارعين، بما في ذلك إغلاق المحافظات، وتسليح مليشيات المستوطنين، وفرض مناطق عسكرية مغلقة على الأراضي الزراعية.
إسرائيل ترحل 32 ناشطًا أجنبيًا لدعمهم المزارعين الفلسطينيين
أعلن نائب رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي، ياريف ليفين، ووزير الأمن إيتمار بن غفير، ترحيل 32 ناشطًا أجنبيًا بزعم أنهم خرقوا أوامر عسكرية وارتبطوا بـاتحاد لجان العمل الزراعي، التي تصنفها إسرائيل "منظمة إرهابية". وجاء القرار بعد شكوى مقدمة من رئيس مستوطنات شمالي الضفة الغربية حول مشاركة هؤلاء في مظاهرة قرب مزرعة جنوبي مدينة نابلس خلال موسم قطف الزيتون.
ومن بين المرحلين، ناشط بريطاني حضر تضامنًا مع المزارعين الفلسطينيين، فيما أكدت وزارة الخارجية الفلسطينية أن هذه الإجراءات تهدف إلى إستهداف الأهالي الفلسطينيين وتوثيق ما وصفته بجرائم المستوطنين.
تحريض إسرائيلي وتصاعد اعتداءات المستوطنين في موسم الزيتون
كشف مقال موسع نشره مسبار في 10 أكتوبر الجاري، أن موسم قطف الزيتون في فلسطين تحوّل هذا العام إلى هدف لحملات تحريضية وسياسية تقودها سلطات الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنون، الذين يبررون قيودهم على المزارعين الفلسطينيين بادعاءات أمنية واتهامات باطلة بالانتماء إلى حركة حماس.
وأشار المقال إلى أن وسائل إعلام ومجموعات استيطانية إسرائيلية، مثل بودكاست "الصوت اليهودي" وحركة "إم ترتسو" (Im Tirtzu)، تروج لرواية مضللة تزعم أن موسم الزيتون يُستغل لأغراض عسكرية أو لتنفيذ "اعتداءات إرهابية"، في محاولة لتبرير القيود المفروضة على وصول الفلسطينيين إلى أراضيهم.
كما وثق المقال اعتداءات المستوطنين المتكرّرة على المزارعين الفلسطينيين وأراضيهم، والتي شملت اقتحام الأراضي الزراعية، ومنع المزارعين من الوصول إليها، واقتلاع وحرق أشجار الزيتون، والاعتداء الجسدي على المزارعين، وتخريب الممتلكات الزراعية، وسط تواطؤ وحماية من الجيش الإسرائيلي.
وأفاد المقال بأن الاعتداءات أدت إلى تراجع كبير في إنتاج الزيتون، إذ يُتوقع أن يكون موسم 2025 أحد أضعف المواسم خلال الخمسة عشر عامًا الأخيرة، مع إنتاج يتراوح بين 7 و9 آلاف طن فقط، مقارنة بعام 2024 الذي بلغ الإنتاج فيه 25 ألف طن.
وأكد التقرير أن نحو نصف مليون فلسطيني يعتمدون على الزيتون كمصدر رئيسي للدخل، ما يجعل هذه الاعتداءات تهديدًا مباشرًا للأمن الاقتصادي للأسر الفلسطينية.
اقرأ/ي أيضًا
كيف يوظّف المستوطنون التحريض والتضليل لتصعيد الاعتداءات ضد الفلسطينيين؟
بين العنف والتضليل: كيف يحرّف المستوطنون حقيقة الهجوم على دير جرير؟