كيف غزت الأخبار الكاذبة العالم؟
حوار مع بيتر بوميرانتسيف عن التقنيات الحديثة في الدعاية السياسيةبات انتشار الأخبار والمعلومات المضللة في وسائل الإعلام وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، من العوامل المؤثرة في المشهد السياسي في عالمنا اليوم، وبسبب التكنولوجيا الرقمية يبدو الفضاء المعلوماتي خارج نطاق السيطرة أكثر من أيّ وقت مضى.
كتابٌ جديد لــ بيتر بوميرانتسيف Peter Pomerantsev، اـلصحفي والأكاديمي الإنكليزي من أصول أوكرانية، بعنوان "هذه ليست دعاية: مغامرات في الحرب على الحقيقة". يدّعي فيه أن روسيا انتهجت سياسة مجافية للحقيقة منذ سقوط الاتحاد السوفييتي، وتبنت أشكال متقدمة من البروباغاندا هدفها تشويش الرأي العام وليس العمل على كسبه بواسطة الإقناع. يقول بوميرانتسيف إن هدف الدعاية السياسية التي تبثها الحكومة الروسية ليس بيع أيديولوجيا ما أو الترويج لرؤية معينة للمستقبل، إنّما جعل الناس يعتقدون أنّه من غير الممكن معرفة الحقيقة، والسبيل الوحيد للتقدّم هو "السير خلف قائدٍ قوي".
في الحوار الذي أجراه الصحفي الأمريكي شون للينغ Sean llling على موقع فوكس Vox مع بوميرانتسيف، تحدث الأخير عن غرابة السياسات ما بعد الحداثية، ولماذا بدأت في روسيا أولًا؛ وكيف صُدّرت إلى الولايات المتحدة لاحقاً، وما تأثير هذا النمط من الدعاية على الثقافة السياسية داخل روسيا، وما إذا كان مستقبل أميركا يشبه إلى حدٍّ كبير حاضر روسيا!
بدايةً أودّ أن تخبرني كيف أثّرت خلفيتك كمنتجٍ لبرامج تلفزيون الواقع على مقارباتك السياسية؟
يمكنني القول إنها ساعدتني إلى حدٍّ ما، فمنذ التسعينيات بات السياسيون يتصرفون على شاشة التلفاز وكأنهم نجوم استعراض، وفي مرحلة لاحقة أصبحت السياسة أشبه ببرامج تلفزيون الواقع. في الثمانينات على سبيل المثال، كان الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان يلعب دور رئيس الولايات المتحدة، أمّا اليوم شخصٌ مثل ترامب لا يلعب دور الرئيس، إنّه مجرد ممثل استعراضي، وذلك تبدلٌ يجب الوقوف عنده. لذا فإني أعتقد أنّه بات من الضروري تغيير الطريقة التي ننظر فيها إلى السياسة.
تدّعي أنّ هذا النوع من السياسة هو أشبه بعلامة تجارية جديدة لدعاية ما بعد حداثية، ولدت في روسيا في التسعينيات وبعد عام 2000. ماذا حصل؟
نعم بدأت هذه السياسة في روسيا قبل أن تنتقل إلى الغرب. فبعد انهيار الشيوعية في الاتحاد السوفيتي أوائل التسعينيات، تبنّت روسيا الرأسمالية الديمقراطية، لكن بعد بضعة سنوات بدأ الإيمان بالديمقراطية والرأسمالية يتلاشى، ولم يعد ثمّة أهمية للأفكار الكبرى.
انهارت الهويات الاجتماعية والمهن التقليدية والأدوار الاجتماعية التي سادت في الاتحاد السوفييتي، ولم يعد هنالك فكرة عن المستقبل. فبدلاً من محاولة الجدال بعقلانية أصبح السياسيون ممثلين من طرازٍ رفيع، دون أدنى اهتمامٍ بالحقيقة، فالسياسة اليوم ترتكز على المشاعر أكثر بكثير من على الأفكار. يمكنك رؤية الشخصيات التي تستخدم "استراتيجيات بلاغية" كتلك التي يستخدمها ترامب، يقولون أشياء سخيفة تماماً وأنت تتساءل إن كانت جادة بالفعل أم لا. أحياناً يكون الأمر مضحكاً، وأحياناً أخرى يكون مروّعاً.
وهو دائمًا مسلٍّ...
صحيح، إنّه استعراضي! أود الإشارة إلى أنّ الساسة في الاتحاد السوفييتي كذبوا كثيراً، لكنهم حرصوا أن تبدو أكاذيبهم محترمة نوعاً ما، فتصرفوا كأنهم يقولون الحقيقة، وتبنّوا خطاباً واقعياً يمثّل أيديولوجيا تُقدّر اللغة التي تستخدم الأدلة. بخلاف السياسيين الروس الجدد الذين لم يمارسوا هذه "اللعبة الواقعية" على الإطلاق، ولم يهتموا بالحقائق فعلاً حتى أنهم لم يتظاهروا بإبداء الاهتمام بها. وفق هذه المقاربة لا يمكن تسمية ادعاءاتهم بالأكاذيب بالمعنى المباشر لهذه الكلمة، لأنها لا تصدر عمّن يتلاعب بالواقع، وهذا ينطبق على ما يفعله دونالد ترامب.
أوّد أن توضح أكثر هذه النقطة، فما زال الكثير من الناس يعتقدون أنّ البروباغاندا هي فن صنع الأكاذيب بطريقة تبدو معها "صحيحة"، لكن ذلك ليس بالضبط ما يفعله ترامب أو بوتين، هم يريدون أن تكون "الحقيقة" تصنيفاً غير موجود أصلاً.
لا يتعلق الأمر بإثبات شيء بل بإثارة الشك حوله. لطالما كان هنالك وظيفة للدعاية، مثل شركات التبغ التي تحاول دفع الناس إلى الشك أنّ منتجاتهم تسبب الإصابة بالسرطان. لكن بشكل عام لم تسعَ معظم الأيديولوجيات السياسية إلى إثارة الشك، إنّما زعمت أنها تقول الحقيقة حول ما هو العالم، وكيف يجب أن يكون.
اليوم نحن أمام بروباغاندا مختلفة، فبوتين لا "يبيع" مستقبل شيوعي رائع، بل يقول إننا نعيش في عالم مظلم حيث لا يمكن معرفة الحقيقة، فهي دائماً ما تكون ذاتية وأنت غير قادرٍ على فهم كل شيء، لذا عليك أن تتبع قائداً قوياً. هذه هي الطريقة التي تعمل بها الدعاية الآن، والتي انتشرت حول العالم انطلاقاً من روسيا.
انهيار الإيمان بالأيديولوجيات الكبرى كالشيوعية والرأسمالية الديمقراطية سبب رئيس لهذه الظاهرة، فلم تعد التصنيفات والهويات السياسية التقليدية تعني للناس شيئاً، وهذا خلق فراغاً ملأه "الجحيم" الذي نتعامل معه اليوم.
بالتأكيد وصلتْ روسيا إلى هذه النقطة أولاً، ووجد السياسيون ومروّجو الدعاية استراتيجياتٍ للتعامل معها. أتذكر أنني تساءلت عقب صدور كتابي الأخير عن روسيا، هل نحن أمام طريق مسدود؟ أم أنّ ما يجري هو إشارة لما هو قادم؟ وبالطبع كان كذلك. السياسة نفسها التي رأيتها في روسيا منذ سنوات هي السياسة التي أراها الآن في بريطانيا والبرازيل والفلبين والولايات المتحدة.
تبدو في كتابك متشائماً حول إيجاد حلول لهذه المشكلة، هل ترى أي طريقة للخروج من هذا الكابوس ما بعد الحداثي؟
حاولت ألّا أبدو يائساً، ولم أشأ أن أترك انطباعاً بعدم وجود خطواتٍ يمكن اتخاذها في هذا الصدد. فإضافة إلى الجانب التنظيمي نحن بحاجة إلى إعادة النظر في مبادئ حريّة التعبير وفهم ما تعنيه في العصر الرقمي.
فمكان المعركة لم يعد داخل حيّز المحتوى المنشور، بقدر ما يتعلق بحملات التضليل ونقص الشفافية على الإنترنت. أعتقد أننا نشهد نوعاً جديداً من الرقابة لا يتيح لنا فهم كيف تتشكل بيئة المعلومات حولنا. لا نعرف لماذا اُنشئت الخوارزميات لإظهار هذا المحتوى دون غيره، لا نعرف إن كان جزء من بياناتنا يمكن أن يستخدم ضدنا ولماذا! ولا ندري بالأصل إن كنّا أمام حملةٍ منظمة جرى الإعداد لها، كل ذلك غير معلوم.
نحن بحاجة لكشف الستار عن كواليس الإنترنت كي نتمكن من معرفة كيفية إنشاء المعلومات، ولماذا ومن يقوم بذلك؟ كذلك من الضروري سنُّ تشريعاتٍ لتجريم حملات الخداع والتضليل، بالتأكيد لا أقصد أنّه يجب سجن الأشخاص، إنمّا يجب أن تُتخذ إجراءات قانونية بحق الشركات والهيئات والحكومات التي تُطلق حملاتٍ لتضليل الرأي العام.
وأخيراً علينا أن ندرك على الأقل حجم المشكلة. منذ عدّة سنوات قال لي النّاس مراراً "حسناً، هذا ليس أمراً جديداً، الناس يكذبون دائماً، ولطالما كذب السياسيون". حقيقةً إنّ الاستمرار بالتفكير بهذه الطريقة دليلٌ على سوء فهمٍ تامٍ لما تعنيه التكنولوجيا اليوم؛ نحن أمام شيءٍ جديد، ويجب مواجهته.
المصدر: Vox

















