سياسة

دعوة محمد السادس الجزائر للحوار.. تفاعل واسع ومشاهد مضللة

فريق تحرير مسبارفريق تحرير مسبار
date
٢٥ صفر ١٤٤٧ هـ
آخر تعديل
date
٤:٥٧ ص
٢٦ صفر ١٤٤٧ هـ
دعوة محمد السادس الجزائر للحوار.. تفاعل واسع ومشاهد مضللة
محمد السادس يدعو الجزائر إلى الحوار | مسبار

في أواخر يوليو/تموز الفائت، بمناسبة الذكرى السادسة والعشرين لاعتلائه العرش، جدد محمد السادس، ملك المغرب، دعوته للجزائر إلى "حوار صريح ومسؤول"، مؤكدًا تمسك المغرب بالحل التوافقي لقضية الصحراء الغربية، ومشيرًا إلى اعتزازه بالدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي. وخلال كلمته، شدد الملك على أن المغرب دائمًا ما يبادر بمد اليد للجزائر، معربًا عن استعداد المملكة للدخول في حوار جاد ومسؤول، قائلًا إن هذا النهج يستند إلى "إيمان راسخ بوحدة الشعوب وقدرتها على تجاوز الظروف الصعبة"، ومجددًا التأكيد على التزام المغرب بمواصلة هذا المسار.

ويأتي تجديد الدعوة في وقت ما تزال فيه العلاقات بين المغرب والجزائر متوترة، بعد أن قطعت الجزائر علاقاتها الدبلوماسية مع المغرب عام 2021، فيما لم تُثمر المساعي المغربية السابقة عن أي استجابة حتى الآن.

من جهة أخرى، أكدت جبهة البوليساريو استعدادها للدخول في مفاوضات مع المغرب بشأن حل قضية "الصحراء الغربية"، مشددة على أن "الحل الوحيد هو الحل الديمقراطي وفق الشرعية الدولية، الذي يضمن للشعب الصحراوي حقه في تقرير المصير والاستقلال".

تحليل تفاعل منصات التواصل مع دعوة محمد السادس للحوار مع الجزائر

في أعقاب دعوة الملك محمد السادس للحوار مع الجزائر، شهدت منصات التواصل الاجتماعي تفاعلًا ملحوظًا، إذ رُصد انتشار واسع للمنشورات المتعلقة بهذه الدعوة. وفقًا لبيانات جُمعت باستخدام أدوات تحليل وتتبع المنشورات على مواقع التواصل، بلغ عدد المنشورات المتعلقة بالدعوة باستخدام الكلمات المفتاحية نحو 400,000 منشور، يوم 29 يوليو الفائت، ما عكس حجم الاهتمام الكبير والمتابعة المكثفة من قبل المستخدمين المغربيين والجزائريين على حد سواء.

تفاعل واسع على منصات التواصل بعد دعوة الملك محمد السادس للحوار مع الجزائر

أما بالنسبة لطبيعة المنشورات، فقد أظهرت أدوات تحليل مواقع التواصل الاجتماعي تباينًا في النبرة، إذ حملت بعض المنشورات طابعًا إيجابيًا مرحبًا بالدعوة، في حين اتسمت أخرى بنبرة سلبية، بينما برزت منشورات محايدة اكتفت بنقل الخبر أو التعليق عليه دون تبني موقف محدد.

تنوع نبرة المنشورات بعد دعوة الملك محمد السادس للحوار مع الجزائر

وكانت تلك المنشورات، في جانب كبير منها، صادرة عن حسابات جزائرية وأخرى مغربية تنشط على منصات التواصل الاجتماعي، وتحديدًا على منصة إكس. 

الحملات الرقمية بين المغرب والجزائر: التضليل الإعلامي وتأثيره على الاستقطاب السياسي

عقب الدعوة الأخيرة التي وجهتها المغرب للجزائر، لم يقتصر الاهتمام على مجرد التفاعل مع الحدث نفسه، بل جاء هذا التطور كجزء من نمط طويل ومستمر من النشاط الرقمي الذي سبق تلك الدعوة وما يزال مستمرًا حتى اليوم.

منذ سنوات، تشهد منصات التواصل الاجتماعي تداول محتوى متنوعًا بين منشورات، آراء، صور ومقاطع فيديو، يتفاوت بين المضلل والزائف، ويحمل في بعض الأحيان روايات متناقضة وسخرية متبادلة بين حسابات جزائرية ومغربية. 

هذا المحتوى الموجّه يهدف بشكل واضح إلى تشويه صورة الطرفين وزعزعة الاستقرار الداخلي، من خلال نشر أخبار كاذبة وتحريض مستمر، ما أدى إلى تفاعل مرتفع بين المستخدمين عبر التعليقات والمشاركات والنقاشات الحادة.

يترافق ذلك مع تبادل اتهامات متبادلة بين البلدين، إذ يُتهم كل طرف بشنّ حرب رقمية ممنهجة ضد الآخر، تهدف إلى الإساءة والتأثير السلبي على الاستقرار السياسي والاجتماعي. يشمل هذا التراشق استخدام حسابات وهمية وذباب إلكتروني، بالإضافة إلى نشر وثائق مزورة لتأجيج التوترات.

ومن المعروف أن هذه الحملات المنظمة عبر حسابات متعددة للتشويه ليست ظاهرة جديدة، بل تعاود الظهور مع كل تصعيد سياسي أو توتر بين المغرب والجزائر. وتتنوع الادعاءات بين مزاعم سياسية تتصل بالخلافات الدبلوماسية المتجذرة، وادعاءات اقتصادية مضللة تمس الأوضاع الداخلية لكل دولة، إضافة إلى اتهامات متبادلة بشأن قضايا إقليمية حساسة، من أبرزها ملف الصحراء الغربية الذي يُعد من أهم المحاور في العلاقات الثنائية.

هذا النشاط الرقمي المستمر لم يسهم في تعزيز الاستقطاب السياسي بين الجانبين فقط، بل تعدى ذلك إلى خطاب عدائي متبادل ترافق مع كثير من السخرية والتهكم، فحوّل منصات التواصل الاجتماعي من مجرد فضاء لنقل الأخبار إلى امتداد للخلافات السياسية.

يُستغل في هذا السياق الكم الكبير من المعلومات المضللة لتغذية الانقسامات وتعميق حالة الاستقطاب بين المجتمعات الشعبية، بما يؤثر بشكل مباشر على توجهات الرأي العام، ويحول التوترات بين الحكومات إلى صدامات رمزية وثقافية بين المواطنين، مع ما يصاحب ذلك من تبعات على الاستقرار الاجتماعي والسياسي في المنطقة.

مشاهد مضللة عقب دعوة المغرب الجزائر للحوار

في حين أن جبهة البوليساريو أكدت استعدادها للدخول في مفاوضات مع المغرب على حل مسألة "الصحراء الغربية" بوصفها "قضية تصفية استعمار"، عقب خطاب ملك المغرب الأخير، تداول مستخدمون على مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو، زُعم أنه يُظهر رد الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، على دعوة المغرب للجزائر لإجراء حوار صريح ومسؤول. 

إلا أنه بعد التحقق، تبين أن الادعاء مضلل، إذ يعود الفيديو إلى التاسع من أغسطس 2021، ويُظهر رد تبون خلال لقائه الدوري مع الصحافة الجزائرية على دعوة الملك محمد السادس في خطاب عيد العرش، بتاريخ 30 يوليو 2021.

صرّح تبون، حينها، بأن الجزائر لم تتلقَّ أي استجابة من المغرب بشأن التوضيحات التي طلبتها من الرباط حول ما قام به السفير المغربي لدى الأمم المتحدة، مشددًا على أن المشكلة الظرفية الحالية هي الأهم، خصوصًا بعد تصريحات وصفها بـ"الخطيرة جدًا" أدلى بها الدبلوماسي المغربي، عمر هلال، والتي دفعت الجزائر إلى سحب سفيرها من الرباط.

وأوضح تبون أن قضية الصحراء الغربية هي من اختصاص الأمم المتحدة ولجنة تصفية الاستعمار، مؤكدًا أن دور الجزائر يقتصر على "المراقب النزيه فقط"، مشددًا على استعداد بلاده للمساهمة في حل المشاكل بين الطرفين واستضافة لقاء يجمعهما على الأراضي الجزائرية، شريطة أن يكون ذلك بما يرضي كلا الجانبين.

كما نشر مستخدمون مقطع فيديو ادعوا أنه يُظهر طلب البرلمان المغربي من الجزائر العفو والصفح، عقب تجاهل الأخيرة دعوة محمد السادس، لإجراء حوار صريح ومسؤول.

لكن، كشف تحقق لمسبار أن الادعاء مضلل، إذ يعود المقطع إلى مداخلة محمد وازين، نائب رئيس مجلس النواب ورئيس الوفد البرلماني المغربي، خلال مشاركته في أعمال المؤتمر السابع عشر لاتحاد مجالس الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي، الذي انعقد في الجزائر، في يناير/كانون الثاني 2023.

تأثير النزاع على الصحراء الغربية في الفضاء الرقمي


تُعد قضية الصحراء الغربية نزاعًا إقليميًا معقدًا، يقطن المنطقة المتنازع عليها نحو 600 ألف نسمة، وتُصنّفها الأمم المتحدة ضمن الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي. يسيطر المغرب على الجزء الأكبر من الإقليم، بينما تسيطر جبهة البوليساريو، المدعومة من الجزائر، على مناطق شرقية وتطالب بالاستقلال الكامل. 

يعود النزاع إلى عام 1975 مع انسحاب إسبانيا من مستعمرتها السابقة، ما فجّر صراعًا مسلحًا بين المغرب والبوليساريو. وفي عام 1991، أُبرم اتفاق لوقف إطلاق النار برعاية الأمم المتحدة، متضمنًا وعدًا بإجراء استفتاء لم يُنفّذ حتى اليوم. ومع تعثر المفاوضات، أعلنت البوليساريو عام 2020 إنهاء الهدنة متهمة المغرب بخرقها، لتعود التوترات مجددًا.

وعلى صعيد الفضاء الرقمي، شهدت منصات التواصل الاجتماعي سيلًا من المعلومات والمشاهد المضللة المرتبطة بالنزاع، وثّق مسبار العشرات منها. وبناءً على مسح للمنشورات باستخدام الكلمات المفتاحية، منذ العام الفائت وحتى اليوم 19 أغسطس الجاري، تبين أن المحتوى المتعلق بالصحراء الغربية حظي بوصول مرتفع بلغ نحو 14 مليون وصول، منها 12 مليونًا عبر مواقع التواصل وحدها.

أما فيما يتعلق بالمشاعر التي عكستها تلك المنشورات خلال الفترة ذاتها، فقد أظهر التحليل أن نحو 60% منها اتسمت بنبرة غاضبة.

انتشار واسع للمحتوى المتعلق بالصحراء الغربية يغلب عليه الغضب بنسبة 60%

وفي أعقاب دعوة العاهل المغربي الأخيرة للحوار مع الجزائر، وتأكيده على دعم دولي متنامٍ لمبادرة الحكم الذاتي المغربية كحل وحيد للنزاع، سجلت المنشورات المتعلقة بالصحراء الغربية في يومي 29 و30 يوليو وصولًا إجماليًا قُدّر بنحو 1.4 مليون.

تفاعل رقمي واسع حول الصحراء الغربية عقب دعوة الملك المغربي للحوار مع الجزائر

ومؤخرًا، تداول مستخدمون مقطع فيديو ادُّعي أنه يُظهر عبد المجيد تبون، وهو يقول إن بلاده أنفقت مبالغ طائلة على الصحراء الغربية، مضيفًا "أنا مع تقرير المصير تاع الصحراء الغربية.. ضيّعنا فيها مال قارون".

 مقطع فيديو ادُّعي أنه يُظهر عبد المجيد تبون، وهو يقول إن بلاده أنفقت مبالغ طائلة على الصحراء الغربية

التحقق كشف أن المقطع مضلل إذ اقتُطع من سياقه، وعند الرجوع إلى المقطع الأصلي الكامل الذي نُشر، في 19 يوليو الفائت، تبين أن تبون كان يتحدث، حينها، عن إنفاق الأموال الطائلة في قطاع تصنيع واستيراد السيارات في الجزائر.

تبون كان يتحدث، حينها، عن إنفاق الأموال الطائلة في قطاع تصنيع واستيراد السيارات في الجزائر.

اقرأ/ي أيضًا

المغرب والجزائر: استقطاب سياسي يغذي انتشار المعلومات المضللة

الفيديو من 2021 وليس لرد تبون على دعوة محمد السادس للحوار حديثًا

المصادر

اقرأ/ي أيضًا

الأكثر قراءة

مؤشر مسبار
سلّم قياس مستوى الصدقيّة للمواقع وترتيبها
مواقع تم ضبطها مؤخرًا
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
عرض المواقع
bannar