التعميم كأداة للتضليل السياسي: نماذج من النقاش الرقمي السوري
يعد التعميم السياسي من أكثر أدوات التضليل شيوعًا، إذ يحوّل سلوكًا فرديًا إلى صفة جامعة تُلصق بجماعة كاملة. استُخدم تاريخيًا لترسيخ صورة "العدو الداخلي". اليوم، لم يعد مقتصرًا على الأنظمة الشمولية، بل صار جزءًا من الخطاب الشعبوي على وسائل التواصل الاجتماعي. خطورة هذه التعميمات أنها لم تعد تصدر عن الجهات السياسية فحسب، بل يكررها مواطنون عاديون، لتتحول بالتداول والتكرار إلى ما يشبه "الحقيقة" غير القابلة للنقاش.
في السياق السوري، تُختزل مواقف فردية لتصبح صفات مناطقية أو طائفية، مثل وصم محافظات بأكملها بأنها "خائنة" أو "متطرفة". ورغم بساطة هذه العبارات، فإنها تعيد إنتاج خطاب الإقصاء وتشوه صورة جماعات بعينها، ما يجعل فهم آليات التعميم ضروريًا لتتبّع أساليب التضليل الشعبوي والسلطوي معًا.
يرصد "مسبار" هذه الظاهرة في الفضاء السوري، حيث تتحول التعميمات اليومية المتداولة عبر منصات التواصل إلى أدوات تضليلية تشكل تصورات مشوهة عن المجتمع.
التعميم في النقاش السوري
في الفضاء السوري، يظهر التعميم السياسي بشكل واضح على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تُختزل أفعال أو مواقف محددة لفئة صغيرة لتُلصق بجماعة كاملة. على سبيل المثال، خلال مظاهرات السويداء، وثقت وسائل الإعلام قيام بعض المشاركين برفع العلم الإسرائيلي.
هذا الأمر انعكس سريعًا في فضاء التواصل الاجتماعي عبر منشورات عمّمت صفة "التحالف مع أعداء الدولة"، على جميع أبناء المحافظة.
في المقابل، رصد "مسبار" منشورات أخرى تناولت المجتمع الدرزي ككل، عبر تعميمات مرتبطة بانتماء طائفي، ما يُظهر كيف يتحرك الخطاب بين مستوى مناطقي (سكان السويداء)، ومستوى طائفي (الدروز). ما يعكس انتقال التعميم من حدث جزئي إلى خطاب شامل يختزل الهوية كلها في موقف سياسي واحد.
في موازاة ذلك، برزت أيضًا أصوات من داخل السويداء نفسها، شملت ناشطين وشخصيات محلية، عبّرت عن رفضها لرفع العلم الإسرائيلي واستنكارها للربط بين الحراك الشعبي وأي رمزية خارجية. هذه المواقف، رغم وضوحها، لم تمنع استمرار التعميمات التي تعاملت مع الواقعة باعتبارها سمة جامعة لأبناء المحافظة. وتُظهر هذه الحالة كيف يتم تجاهل الأصوات الناقدة داخل المجتمعات لصالح سردية شمولية أكثر انسجامًا مع خطاب التخوين.
في الساحل السوري، التعميمات اتخذت بعدين متوازيين أيضًا؛ الأول مناطقي، حيث صُوِّر جميع سكان الساحل باعتبارهم كتلة واحدة مرتبطة بنظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، من دون الالتفات إلى وجود مواقف معارضة أو حيادية داخل المنطقة.
أما البعد الثاني فطائفي، إذ جرى اختزال الطائفة العلوية بأكملها في صورة الولاء للنظام السابق، مع إغفال التنوع داخلها وتجاهل الأصوات الناقدة أو المعارضة. هذا الدمج بين الجغرافيا والطائفة يضاعف أثر التعميم، إذ يُغلق أي مساحة للاعتراف بالتعدد داخل المجموعات.
في السياق نفسه شهدت مدينة إدلب تعميمات ذات طبيعة مزدوجة أيضًا، فمن جهة مناطقية، جرى تصوير جميع سكان المحافظة على أنهم كتلة واحدة مرتبطة بالتنظيمات المتشددة، من دون تمييز بين من يعيشون تحت سلطة فصائل معينة، وبين فئات أخرى لا تتبنى هذه المرجعيات.
ومن جهة طائفية، انسحب الوصف ذاته على "السُنّة" بوصفهم جماعة دينية واحدة، ما جعل الخطاب يتجاهل التنوع الكبير داخل هذه الهوية، ويُسقط أصواتًا مدنية وسياسية واجتماعية لطالما عبّرت عن مواقف مختلفة، بعضها معارض بوضوح للتنظيمات المتشددة.
وبهذا، تحوّل التعميم إلى أداة مزدوجة تعكس في آن، نزعة مناطقية وأخرى طائفية، تعيد إنتاج الانقسام وتشوّه صورة مجتمع متنوع ومعقد. وبالتالي يصبح التعميم هنا أداة لمحو التعقيد الاجتماعي، وإحلال صورة مبسطة لكنها مشوهة تسهل تداولها وتثبيتها في المخيلة العامة. ولا تكمن خطورة هذه العملية في تشويه صورة الآخر فقط، بل في خلق قطيعة معرفية بين المكونات السورية، تجعل الحوار والاعتراف المتبادل أكثر صعوبة.
الجذور النظرية للتعميم
ما جرى رصده في السويداء والساحل وإدلب، لا يقتصر على حالات فردية، بل يعكس نمطًا متجذرًا من التعميم السياسي، إذ أشارت الدراسات النظرية إلى أن التعميم السياسي ليس اختراعًا حديثًا، بل هو أداة تعود جذورها إلى الممارسات الدعائية للأنظمة الشمولية. إذ بينت حنة أرندت في كتابها أصول التوتاليتارية أن هذه الأنظمة تمحو الحدود بين الحقيقة والخيال، وتخلق "عدوًا مشتركًا" من خلال اختزال سلوكيات فردية أو مواقف محددة إلى سمات جامعة تُلصَق بمجموعات كاملة.
بالموازاة، يوضح كل من ليو لوينثال ونوربرت غوترمان في كتابهما أنبياء الخداع، أن الداعية الشعبي يعتمد على التعميم لتفعيل الأحاسيس لدى الجمهور، متجاوزًا في كثير من الأحيان الحقائق الواقعية لصالح سردية عن "عدو داخلي".
غير أن هذه الآليات لم تعد محصورة في نطاق النخب السياسية أو الدعائية. فمع انتشار وسائل التواصل الرقمي، بدأت التعميمات تنتقل تدريجيًا إلى مستوى الجمهور العادي، حيث يعيد المستخدمون إنتاج الخطاب ذاته عبر تعميم صفات أو سلوكيات محددة على جماعات كاملة. وعلى الرغم من أن هذه الممارسات قد تبدو عفوية، إلا أنها تساهم عمليًا في صناعة صورة زائفة تشبه الدعاية السلطوية، لكنها تُنطق بلسان الجمهور نفسه. بهذا الشكل، يصبح التعميم الشعبي امتدادًا عمليًا لأساليب التضليل التقليدية، مع فارق أنه يُنتج ويُعاد إنتاجه يوميًا ضمن النقاش الرقمي العام، ما يعزز دوره في تشكيل تصورات مشوهة عن جماعات معينة.
ومع أن التعميم الشعبي يبدو أحيانًا صادرًا عن الجمهور العادي، إلا أن السلطة تتحمل جزءًا من المسؤولية، إذ تخلق سرديات مسبقة وتسيطر على الإعلام وتترك فراغًا معلوماتيًا، ما يمهد الطريق لانتشار التعميمات الرقمية بين الناس.
في السياق السوري، يوضح هذا التحول كيف يمكن لحدث فردي، مثل رفع العلم الإسرائيلي في مظاهرات السويداء، أو تصرف محدود لفئة من السكان، أن يُعمم على كامل المجتمع أو الطائفة، رغم وجود أصوات محلية تنتقد أو ترفض هذا التعميم. كما يتجلى ذلك في الساحل وإدلب، حيث تُعمم الصفات السياسية أو الطائفية على السكان جميعًا، متجاهلة التباين في المواقف الفردية والتنوع الاجتماعي والسياسي داخل هذه المجتمعات. هذه الأمثلة تظهر أن الانتقال من آليات التضليل التقليدية إلى مستوى الجمهور العادي، يعزز انتشار التعميم ويحوّله إلى أداة يومية في تشكيل الانطباعات الجماعية، سواء أكانت صحيحة أم مضللة.
التعميم الشعبي: التضليل من الأسفل (Bottom-Up)
إذا كانت الجذور النظرية قد أظهرت كيف استُخدم التعميم كأداة بيد الأنظمة والنخب الدعائية، فإن المشهد المعاصر يكشف عن تحول مختلف: انتقال هذه الآليات إلى يد الجمهور نفسه، رقميًا، إذ يصبح تداول التعميمات جزءًا من سلوك يومي شبه آلي. وتوضح الدراسات العلمية كيف يحدث ذلك: فدراسة نُشرت في مجلة PNAS عام 2023 بينت أن مشاركة الأخبار المضللة غالبًا لا ترتبط بضعف التفكير التحليلي، بل باعتياد المستخدم على المنصة، حيث يضغط زر "مشاركة" انعكاسيًا ضمن روتينه اليومي حتى لو لم يقتنع بالمحتوى.
أما دراسة أخرى في مجلة Cognitive Research: Principles and Implications عام 2021، فتكشف أن تكرار المعلومات، حتى لو كانت مضللة، يعزز تصديقها تدريجيًا، مع تأثير أقوى عند التكرار الثاني، ويزداد تدريجيًا مع كل تكرار لاحق. هكذا، تتحول الآلية الرقمية إلى قوة مضاعفة في إعادة إنتاج التعميمات وإضفاء مصداقية زائفة عليها.
توضح الدراسات المذكورة كيف أن تكرار المعلومات ومشاركة المحتوى بشكل شبه انعكاسي يعزز تصديق الجمهور لها، وهو ما يفسر انتشار التعميمات الطائفية والمناطقية في السياق السوري الرقمي. في السويداء والساحل وإدلب، لا يقتصر تأثير التعميم على مجرد تداول الصفات النمطية، بل يُظهر البحث العلمي أن هذه الممارسات الرقمية تعزز إحساس المستخدمين بصحة ما يُشاع، حتى لو كانوا على علم بالاستثناءات والتنوع داخل المجتمع. بمعنى آخر، تكشف الدراسات أن المنطق الرقمي نفسه يضخم الانطباعات المبسطة ويحول الحوادث الفردية أو المواقف الجزئية إلى "حقيقة متداولة"، ما يجعل الخطاب العام السوري أكثر ميولًا لتثبيت الصور النمطية وإعادة إنتاج سرديات التضليل الشعبي.
أثر المنصات الرقمية في تضخيم التعميم
تُبرز الدراسات الحديثة كيف تعزز المنصات الرقمية ميل المستخدمين لتصديق المحتوى المتكرر. فالتصميم البنيوي لهذه المنصات يشجع على تداول محتوى متكرر ومتضارب بكثافة، ما يؤدي إلى إرهاق المستخدم وتقليل قدرته على التحقق من دقة المعلومات، كما يوضح تقرير مؤسسة RAND المعروف بـ "خرطوم التضليل" (Firehose of Falsehood). في هذه البيئة، يصبح التكرار ذاته مؤشرًا على الصدق، بغض النظر عن الحقيقة الواقعية، ما يضاعف تأثير التعميم ويزيد من قدرة الخطاب على تشكيل تصورات عامة مبسطة عن جماعات كاملة.
بالإضافة إلى ذلك، تلعب مؤشرات التفاعل الرقمي مثل عدد الإعجابات والمشاركات دورًا أساسيًا في تعزيز تصديق المحتوى. فقد أظهرت دراسة بعنوان Exposure to Social Engagement Metrics Increases Vulnerability to Misinformation، أن المستخدمين الذين يشاهدون محتوى يحظى بتفاعل مرتفع يصبحون أكثر ميلًا لتصديقه، حتى مع غياب التأكد من صحته، ما يعكس كيفية تفاعل سلوك الأفراد مع خصائص المنصة لتكريس التعميم ونشره على نطاق واسع.
بهذا الشكل، تتفاعل المنصات الرقمية مع العادات والسلوكيات اليومية للمستخدمين لتُحوّل التعميمات العفوية إلى أدوات تضليلية أكثر فاعلية، حيث يُعاد إنتاج الخطاب المبسط عن جماعات كاملة بشكل مستمر ويصبح جزءًا من التجربة الرقمية اليومية.
آليات المواجهة: من الوعي الفردي إلى الجماعي
آليات مواجهة التعميم الشعبي تتطلب مزيجًا من الوعي الفردي والمشاركة الجماعية. لا يمكن عزله عن مسؤولية الأفراد الذين يتلقون ويعيدون تداول المحتوى، ولا عن المجتمعات التي تشكل فضاءات للنقاش، ولا عن المنصات الرقمية المصممة لتعزيز التفاعل. تشير الدراسات إلى أن التثقيف بالصدقية يمثل خطوة أولى مهمة، إذ يتيح تدريب الأفراد على التمييز بين الحوادث المنعزلة والسرديات العامة المبنية على أساسها. إلى جانب ذلك، يظهر التصحيح الجماعي كأداة فعالة، عبر ما يُعرف بـ"حكمة الجماعة" (Wisdom of Crowds)، أي الاعتماد على مجموعات واسعة ومتنوعة لتقييم المحتوى ومراجعة دقته قبل اعتماده أو تداوله. هذا النهج يُقدّم بديلًا عمليًا للتصدي للتضليل على نطاق واسع، مؤكدًا أن التعميم الشعبي ليس مشكلة تقنية أو اجتماعية منفردة، بل مسؤولية مشتركة بين الأفراد والمجتمعات والمنصات الرقمية على حد سواء.
اقرأ/ي أيضًا
السويداء بين المعاناة والسخرية: كيف تصاعدت موجة الشماتة عبر الشبكات؟
السويداء مثالًا.. كيف تُؤجج وسائل التواصل الاستقطاب في الأزمات؟

























