تكنولوجيا

اللقاحات مثالًا: هل يمكن للألعاب أن تساعد في مكافحة التضليل المعلوماتي عبر الإنترنت؟

date
20 أغسطس 2025
آخر تعديل
date
11:34 ص
20 أغسطس 2025
ترجمة:
فريق تحرير مسبار
اللقاحات مثالًا: هل يمكن للألعاب أن تساعد في مكافحة التضليل المعلوماتي عبر الإنترنت؟
الادعاءات الزائفة عن اللقاحات أدت إلى انخفاض معدلات التطعيم في أميركا | مسبار

دخلت معركة مكافحة المعلومات المضللة عن اللقاحات مرحلة جديدة، فلم تعد تعتمد فقط على دحض الادعاءات الزائفة بعد انتشارها، بل تسعى إلى تدريب الأفراد للتعرّف إلى الحيل التضليلية قبل أن تترسخ لديهم. 

وفي هذا السياق، نُشرت دراسة محكمة في دورية "Scientific Reports" في أغسطس/آب 2025، تقدم أدلة تفيد بأن "التطعيم النفسي"، إذا قُدّم عبر لعبة إلكترونية قصيرة، يمكن أن يجعل الناس أكثر مقاومة للمعلومات المضللة عن اللقاحات وأقل ميلًا إلى مشاركتها.

تعاون فريق البحث المكوّن من علماء في جامعة ستانفورد، وكلية كينغز لندن، وجامعة كامبريدج، وجامعة ديوك، لاختبار أثر لعبة إلكترونية مدتها 15 دقيقة تحمل اسم باد فاكس "bad vaxx"، وتشير النتائج إلى أن تجربة قصيرة ومسلية كهذه قادرة على صقل قدرة الأفراد في تمييز أساليب التضليل، وتحسين نوعية قراراتهم عند مواجهة المحتوى عبر الإنترنت.

لعبة جديدة لمكافحة التضليل المعلوماتي عبر التوعية باللقاحات

خطورة المعلومات المضللة حول اللقاحات

لفهم أهمية هذا البحث، يجب إدراك حجم المخاطر الناجمة عن المعلومات المضللة في هذا المجال. فقد ثبُت أن الادعاءات الزائفة والمضللة بشأن اللقاحات أدت إلى انخفاض معدلات التطعيم في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، قدّرت الدراسات أنها خفضت الإقبال على لقاحات "كوفيد-19" بما يزيد على 2%. وكانت الكلفة الاقتصادية هائلة، إذ قدّر اقتصاديون أن التضليل بشأن لقاحات الجائحة كبد الولايات المتحدة ما بين 50 إلى 300 مليون دولار يوميًا. ولم تقتصر الأضرار على الجانب المادي، بل ساهمت المعلومات المضللة في تقويض الالتزام بالإجراءات الصحية، وتعميق الاستقطاب الاجتماعي، وزعزعة الثقة العامة بالعلم.

على مدى سنوات، حاول المدققون وخبراء الصحة العامة مجاراة سيل متجدّد من الشائعات، لكن غالبًا ما يكون التصحيح متأخرًا، بعد أن تكون الإشاعة قد انتشرت بالفعل. هذه المعضلة، التي تُعرف بـ"مطاردة الكذبة"، دفعت الباحثين إلى التركيز على استراتيجية بديلة تُسمى التطعيم المسبق "Prebunking"، والتي تهدف إلى حماية الجمهور بشكل استباقي عبر توعيتهم بالأساليب الخادعة التي تلجأ إليها حملات التضليل.

تكمن أهمية الألعاب التوعيوية فيما يسمى بالتطعيم المسبق

ما هو منطق التطعيم النفسي؟

يقوم مبدأ "التطعيم النفسي" على قياس مباشر بالتطعيم الطبي، فكما يعرّض اللقاح الجسم لنسخة ضعيفة من الميكروب ليبني مناعة، يُعرِّض التطعيم النفسي الأفراد لنسخ مُخفَّفة من الحجج المضللة، حتى يتمكنوا من مقاومتها لاحقًا في بيئات الإعلام الرقمي.

التطعيم النفسي يعد نوع من التطعيمات الطبية النفسية التي تحمي المواطنون من التعرض للتضليل المعلوماتي الطبي

وتكمن الفكرة في التركيز على الأساليب، أكثر من التركيز على الحقائق. فمن غير الواقعي توقّع أن يحفظ الناس الردود على كل أسطورة جديدة حول اللقاحات، بينما من الممكن تدريبهم على التعرّف إلى الأنماط المتكرّرة للتضليل، مثل نظريات المؤامرة، أو الاستعطاف العاطفي، أو الاعتماد على "خبراء زائفين"، أو مغالطة "العودة إلى الطبيعة". ومتى ما تمكّن الأفراد من رؤية هذه التقنيات بوضوح، يصبحون أقدر على تقييم المحتوى نقديًا، مهما كان الادعاء.

من جهتها، تجسّد لعبة Bad Vaxx هذا النهج في تجربة رقمية تعليمية. إذ يلتقي اللاعبون بأربع شخصيات خيالية تمثل أنماط التضليل المعروفة حول اللقاحات: الراوي العاطفي، الخبير الزائف، المؤمن بنظريات المؤامرة، والمدافع عن البدائل الطبيعية.

وتتميّز اللعبة بوجود نسختين، في النسخة "الطيبة"، يؤدي اللاعب دور المدافع الذي يحارب المعلومات المضللة ويحدّ من انتشارها، بينما في النسخة "الشريرة"، ينضم اللاعب إلى صفوف المضلّلين ويتعلّم حيلهم من الداخل. وفي كلا الحالتين، يتعرض اللاعب لأمثلة "ضعيفة" من التضليل، ما يعزز قدرته لاحقًا على التعرف إلى هذه الأساليب عند مصادفتها في البيئات الرقمية الحقيقية.

 لعبة Bad Vaxx

وقد اختبر الباحثون اللعبة في ثلاث تجارب مضبوطة عشوائية، شملت أكثر من ألفي مشارك. وأظهرت النتائج اتساقًا لافتًا، فقد أصبح من مارسوا اللعبة أكثر قدرة على تمييز المحتوى التضليلي المتعلق باللقاحات من المعلومات الصحيحة، وزادت ثقتهم في قدرتهم على الحكم، وتراجعت رغبتهم في مشاركة الأخبار المضللة، خصوصًا بين من لعبوا النسخة الطيبة.

وكانت من أبرز النتائج أن اللعبة لم تجعل المشاركين أكثر تشككًا بالمعلومات عمومًا، بل حسّنت قدرتهم على التعرّف إلى أساليب التلاعب المحدّدة المستخدمة في مثل هذه الحالات.

أي أنهم لم يرفضوا كل ما يواجهونه بشكل أعمى، وإنما أصبحوا أكثر تمييزًا، متشككين في الزيف دون المساس بالمحتوى الصحيح. وهذه نقطة محورية، إذ لطالما خشي بعض الباحثين أن يقود "التطعيم النفسي" إلى حالة من عدم الثقة الشامل، إلا أن الأدلة هنا تشير إلى العكس.

هل يمكن للألعاب أن تكافح التضليل؟

تبرز تجربة Bad Vaxx  قوة التلعيب أي "gamification"، في إيصال رسائل الصحة العامة، فبينما تكافح حملات التدقيق المعلوماتي التقليدية لجذب الانتباه وسط بيئات رقمية مُشَبَّعة بالترفيه، تقدّم الألعاب وسيلة تفاعلية وملهمة وممتعة.

يتيح التلعيب ما يسمّيه الباحثون "التطعيم النشط"، فبدلًا من أن يكتفي الأفراد بقراءة تصحيح أو مشاهدة مقطع، يخوضون تجربة عملية يتخذون فيها قرارات ويبتكرون حتى محتوى مضللًا في بيئة آمنة، وهو ما يعمّق عملية التعلّم ويزيد مناعة الأفراد أمام التضليل. 

ألعاب سابقة مثل Bad News وغيرها، أظهرت نتائج مشابهة، مما يعزز جدوى هذه المقاربة.

مع ذلك، تبقى هناك حدود واضحة، فقد قيس أثر اللعبة مباشرة بعد الانتهاء من اللعب، ما يترك سؤالًا مفتوحًا حول استمرارية تأثيرها. كما أن التجارب جرت في بيئة استطلاعية مضبوطة، لا في العالم المتقلب لمواقع التواصل الاجتماعي حيث ينتشر التضليل بصورة أعقد.

إلى جانب ذلك، اقتصرت العينة على مشاركين من الولايات المتحدة، في حين أن السياق الثقافي قد يلعب دورًا حاسمًا في مدى فاعلية التدخل. كما ركزت الدراسة على "النية في المشاركة" لا على السلوك الفعلي على مواقع مثل "فيسبوك" أو "تيك توك"، حيث تتدخل خوارزميات المنصات وضغوطها الاجتماعية.

لا تُضعف هذه المحددات من القيمة الجوهرية للدراسة، لكنها تؤكد الحاجة إلى مزيد من البحث قبل الجزم بقدرة لعبة قصيرة على حل أزمة التضليل حول اللقاحات.

ومع ذلك، فإن دلالات النتائج واسعة، فإذا كانت تجربة مدتها 15 دقيقة قادرة على تعزيز مقاومة الأفراد للتضليل، فيمكن دمجها في المناهج الدراسية، وحملات الصحة العامة، والمبادرات المجتمعية. وبدلًا من الانشغال المستمر بدحض الشائعات، يمكن للجهات المعنية التركيز على التطعيم المسبق، عبر تزويد المواطنين بالأدوات المعرفية اللازمة للتعرف إلى التضليل من جذوره.

النموذج أيضًا قابل للتكيّف؛ فبينما يركّز Bad Vaxx على اللقاحات، يمكن تطبيق النهج ذاته على التضليل المتعلق بالتغير المناخي، أو الانتخابات، أو الأيديولوجيات المتطرفة. فالتركيز على استراتيجيات التلاعب بدلًا من تفنيد كل ادعاء على حدة، يوفّر وسيلة دفاعية مرنة وقابلة للتوسع.

وقد أتاح الباحثون اللعبة للعامة عبر موقع badvaxx.com، ودعوا الجميع لتجربتها، مشددين على أن التحسين -حتى ولو بمقدار ضئيل- يمكن أن يُحدث فارقُا كبيرُا عند إيصاله إلى ملايين المستخدمين. وتبقى الأسئلة المستقبلية مفتوحة حول ما إذا كان تكرار اللعب أو "جرعات تعزيزية" قد يطيل أثر التدخل، وهل يعمل بنفس الكفاءة عبر الفئات السكانية المختلفة، وكيف يمكن أن يكمل جهود التدقيق التقليدية وبرامج محو الأمية الإعلامية.

اقرأ/ي أيضًا

لعبة لمكافحة التضليل السياسي على الإنترنت

ألعاب تعتمد السرد القصصي: نموذج جديد لمحاربة التضليل بأساليب ممتعة وعميقة

المصادر

اقرأ/ي أيضًا

الأكثر قراءة

مؤشر مسبار
سلّم قياس مستوى الصدقيّة للمواقع وترتيبها
مواقع تم ضبطها مؤخرًا
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
عرض المواقع
bannar