بالاستناد إلى روايات مضللة: كيف رد الإسرائيلي بن هيلتون على تصريحات الأم أغابيا؟
في 11 أغسطس/آب الجاري، استضاف المعلق السياسي الأميركي تاكر كارلسون الأم أغابيا ستيفانوبولوس، وهي راهبة أرثوذكسية مقيمة في بيت عنيا بالضفة الغربية المحتلة، في برنامجه. سلطت الحلقة الضوء على روايات حول التحديات التي يواجهها المسيحيون الفلسطينيون تحت الاحتلال الإسرائيلي، وانتشرت بشكل واسع على وسائل التواصل الاجتماعي. بعض المتابعين أشادوا بها واعتبروها مهمة للمسيحيين الأميركيين، بينما وجه آخرون انتقادات لاذعة لها.

انتشر مقطع فيديو على قناة The Israel Guys على يوتيوب، زعم فيه المقدم بن هيلتون، أن أغابيا أدلت بعدة ادعاءات مضللة. وبالتدقيق وجد "مسبار" أنّه اعتمد روايات مضللة في تفنيد تصريحاتها.
تلميع ممارسات إسرائيل بشأن جدار الفصل
في محاولته تفنيد تصريح أغابيا بأن إسرائيل بنت الجدار لتوسيع حدودها، ادعى هيلتون أن الحاجز الفاصل بين إسرائيل والأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية كان نتيجة لاتفاق أوسلو، وأن إسرائيل أقامت سياجًا حدوديًّا ونقاط تفتيش لـ"تطبيق قومية" فلسطين.
إلا أن مزاعم هيلتون مضللة ومجتزأة من السياق. فقد بنت إسرائيل 85 في المئة من الحاجز داخل الضفة الغربية، وليس على طول خط الهدنة الأخضر لعام 1949، الذي يُعد الحدود الفعلية لدولة إسرائيل ويفصلها عن الأراضي الفلسطينية. وهذا يعني أن إسرائيل لم تحترم قومية الفلسطينيين بهذا الحاجز.

كما تجاهل هيلتون أن للحاجز أهدافًا غير معلنة، إذ أصبح أداة سياسية لتعزيز أهداف الضم الإسرائيلي، فقد مكن إسرائيل من الاستيلاء على نحو 10 في المئة من الضفة الغربية، وقلل عدد الفلسطينيين في المنطقة الواقعة بين الجدار والخط الأخضر.
يمتد مسار الجدار في بعض المناطق إلى 18–22 كيلومترًا داخل الضفة، ليحيط بعدة مستوطنات إسرائيلية ويضم أراضيها الزراعية. يخدم الحاجز وظيفة أمنية من جهة، ومن جهة أخرى يمثل أداة ضم فعلية تسمح لإسرائيل بتوسيع المستوطنات والسيطرة على الأراضي الخصبة الغنية بالمياه، دون منح الفلسطينيين حقوق الإقامة.
تراجع عدد المسيحيين في فلسطين بسبب الممارسات الإسرائيلية
عندما قالت أغابيا إن عدد المسيحيين في فلسطين تراجع بشكل كبير منذ عام 1948، نتيجة لهيمنة إسرائيل على المناطق المسيحية، حاول هيلتون الرد بالقول إن عدد المسيحيين في إسرائيل في تزايد، وأن التراجع في فلسطين سببه القيادة الفلسطينية لا الممارسات الإسرائيلية.
غير أن شهادات المسيحيين الفلسطينيين وبيانات الاستطلاعات تناقض أقواله. ففي استطلاع للرأي أجراه "المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية" عام 2020 على 995 مسيحيًا في الضفة وغزة، قال 64 في المئة منهم إنهم لا يفكرون بالهجرة.
في المقابل، الذين فكروا بالهجرة أشاروا إلى أسباب مرتبطة بالممارسات الإسرائيلية، مثل الصعوبات الاقتصادية التي تفاقمها سياسات الاحتلال، والعقبات اليومية مثل الحواجز ومصادرة الأراضي وهجمات المستوطنين. وأكدت غالبية المستطلعين أن الاحتلال الإسرائيلي يستهدف تهجير المسيحيين.
كما أظهر الاستطلاع أن 3 في المئة من المسيحيين تعرضت منازلهم للهدم، و14 في المئة صودرت أراضيهم، و17 في المئة تعرضوا لإطلاق نار من الجيش، و42 في المئة يعبرون بانتظام نقاط التفتيش الإسرائيلية، و6 في المئة منعوا من السفر، بينما يعيش 28 في المئة قرب مستوطنات إسرائيلية.

نظام لوحات المركبات المنفصل لم يُنشأ لمنح الفلسطينيين الحكم الذاتي
عند حديث أغابيا عن نظام لوحات المركبات المنفصل واصفة إياه بأنه "نظام فصل عنصري"، قال هيلتون إن هذا النظام جاء ضمن اتفاقيات أوسلو في محاولة لمنح الفلسطينيين حكمًا ذاتيًا.
يقوم نظام لوحات المركبات الملونة (يقود الإسرائيليون سيارات بلوحات صفراء في حين يقود الفلسطينيون سيارات بلوحات خضراء وبيضاء) نتيجة أوامر عسكرية وإدارية إسرائيلية، وليس نتيجة مطالب فلسطينية.
ورغم ادّعاء السلطات الإسرائيلية أن الألوان تساعد في منع الهجمات عبر تسهيل ضبط حركة الفلسطينيين، إلا أن النظام يرسخ التمييز وينتهك حقوقهم. فالمركبات الفلسطينية ممنوعة من دخول الطرق الإسرائيلية حتى لو كان السائق يحمل هوية مختلفة، وتواجه قيودًا داخل الأراضي الفلسطينية نفسها، مع حواجز وتأخيرات متكررة. في المقابل، لا تواجه المركبات الإسرائيلية هذه القيود.
وقد أدانت منظمات حقوقية وزعماء فلسطينيون هذا النظام باعتباره تمييزًا مؤسسيًا، إذ صرح السياسي الفلسطيني صائب عريقات بأنه "المقدمة الرسمية لنظام فصل عنصري".

خلال الفيديو، روج هيلتون لفكرة أن فرض السيادة الإسرائيلية الكاملة على الضفة سيحل مشكلات الحواجز والجدار ونظام اللوحات، زاعمًا أن هذه الإجراءات جاءت وفق "مطالب فلسطينية" في أوسلو. لكنه تجاهل أن هذه الأنظمة فرضتها إسرائيل بشكل أحادي، وعززت عبرها السيطرة العسكرية ومصادرة الأراضي وترسيخ التمييز، وهو ما يتناقض مع "روح" أوسلو التي كانت تهدف لتمهيد الطريق نحو استقلال فلسطيني تدريجي، لا استمرار الخضوع.
قناة The Israel Guys ملك لمنظمة تدعم الاستيطان غير القانوني
تتماشى هذه الادعاءات مع رؤية منظمة أميركية غير ربحية تُدعى HaYovel، وهي الجهة المؤسسة لقناة The Israel Guys. إذ كشفت تقارير أن المنظمة ضالعة منذ سنوات في الاستيلاء على أراضٍ بالضفة.
ففي عام 2022، نشرت صحيفة هآرتس تقريرًا يؤكد أن HaYovel تقف وراء مشروع غرس غابة قبالة مستوطنة "هار براخا"، على أراضٍ يملكها مزارعون فلسطينيون من قرية بورين. ورغم اعتراف المنظمة بأنها لا تملك الأراضي المزروعة، زعمت أن "معظم مواقع مشروع تخضير إسرائيل تقع على أراضٍ تملكها وتسيطر عليها الدولة".
وبحسب شهادات فلسطينية، لا تزيد مساحة الأراضي المزروعة التي تعود ملكيتها للفلسطينيين عن 10 في المئة.

ومنذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، تقود المنظمة حملة لجمع التبرعات تحت اسم عملية إيتاي، لشراء وتوزيع معدات أمنية، مثل مناظير للرؤية الليلية، وسترات واقية، وطائرات مسيّرة للمراقبة الجوية، وخوذ، ومصابيح.
اقرأ/ي أيضًا
التبرع لغزة بين الموثوقية والاحتيال: كيف نتحقق من صدق الحملة قبل أن ندفع؟
انحياز وتضليل: كيف روّجت صحيفة بيلد للرواية الإسرائيلية وتجاهلت المعاناة في غزة؟


















