ادعاءات مضللة رافقت رفع الجزائر التحفظ على فقرة من اتفاقية "سيداو"
في الرابع من أغسطس/آب الجاري، رفعت الجزائر رسميًا التحفظ على الفقرة الرابعة من المادة 15 من اتفاقية "القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة" (سيداو)، التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1979، وصادقت عليها الجزائر في عام 1996.
تبعت هذه الخطوةَ موجةُ جدلٍ واسعة في أوساط الجزائريين، الذين انقسموا بين مؤيدٍ ومعارض للاتفاقية ولقرار رفع التحفظ. وانتشرت في الأثناء ادعاءات مضللة، يرصد مسبار في هذا المقال أهمها.
هل رفعت الجزائر التحفظ على اتفاقية "سيداو" بأكملها؟
ادعت بعض الحسابات والصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، أن رفع التحفظ يعني تطبيق اتفاقية "سيداو" "بحذافيرها"، دون أيّ استثناءات.
لكن المرسوم الرئاسي أشار بوضوح إلى أن الجزائر رفعت فقط التحفظ على الفقرة 4 من المادة 15 من الاتفاقية، ويتعلق بحق المرأة في اختيار مكان الإقامة والتنقل بحرية، فيما أبقت على تحفظات أخرى.
فالجزائر، عندما وقعت اتفاقية "سيداو" عام 1996، أبدت تحفظها على المواد 2 و9 و15 و16، المرتبطة بقانون الأسرة، بالإضافة إلى المادة 29. وقبل رفعها التحفظ عن الفقرة الرابعة من المادة 15، عدلت في عام 2005 قانون الجنسية لتمنح النساء الجزائريات حق نقل الجنسية إلى أطفالهن من أب أجنبي، وهو حق كان يتمتع به سلفًا الرجال الجزائريون المتزوجون من نساء أجنبيات.
رَفع ذلك التحفظ تلقائيًا عن المادة 9، التي تنص على وجوب منح المرأة حقوقًا مساوية للرجل فيما تعلق بجنسية أطفالهما، لكن تحفظ الجزائر بشأن المواد 2 و16 و29، لا يزال قائمًا إلى اليوم، رغم تعبيرها عن استعدادها لتطبيق أحكام المادتين 2 و16، شرط ألّا تتعارض مع أحكام قانون الأسرة الجزائري.
وتُعدّ المادة 2 مادة أساسية، إذ تنص على ضرورة التزام الدول الأطراف في دساتيرها وتشريعاتها بمبدأ المساواة بين الرجل والمرأة، وإلغاء جميع القوانين والأعراف التي تشكل تمييزًا ضد المرأة.
أما المادة 16 فتطلب من الدول الأطراف أن تُعامل المرأة والرجل بالتساوي التام في الأسرة والزواج.
وتثير كلا المادتين تحفظات بسبب تعارضهما مع بعض القوانين المستمدة من الشريعة الإسلامية، التي تُقر أحكامًا مختلفة للرجل والمرأة، في التعدد والطلاق والولاية والميراث والنسب.
أما المادة 29، فترى الجزائر نفسها غير ملزمة بها. وتنص المادة "على أن أي نزاع بين دولتين أو أكثر بشأن تفسير أو تطبيق الاتفاقية، إذا لم تتم تسويته عن طريق التفاوض، يُحال ــ بناءً على طلب إحداها ــ إلى التحكيم أو إلى محكمة العدل الدولية. في حين تشير حكومة الجمهورية أن أي نزاع من هذا النوع لا يمكن إحالته إلى التحكيم أو إلى محكمة العدل الدولية إلا بموافقة جميع أطراف النزاع."
كيف أسيء فهم رفع الحظر عن المادة 15 من اتفاقية "سيداو"؟
أجرت بعض الحسابات والصفحات مقارنة بين بنود اتفاقية سيداو وبين أحكامٍ وردت في القرآن، لكن معظم ما نُسب إلى الاتفاقية في تلك المقارنات كان مضللًا ولا أساس له من الصحة. فبمراجعة نص الاتفاقية، التي تتكون من 30 مادة، لاحظ مسبار أنها لم تشر إطلاقًا إلى مواضيعِ زواج المثليين أو الإجهاض أو إلغاء تجريم العلاقات خارج إطار الزواج.
كما لم تتطرق صراحةً إلى مواضيع التعدد أو الميراث أو النسب أو عِدّة المرأة، رغم إمكانية استنتاج ذلك من خلال نصي المادتين 2 و16، اللتين تلزمان الدول الأطراف بإلغاء أي تشريعات أو أعراف لا تقوم على مساواة تامة بين المرأة والرجل، وهما المادتان اللتان أبقت الجزائر على تحفظها بشأنهما.
علاوة على ذلك، تتضمن بعض الادعاءات تأويلات خاطئة لمواد الاتفاقية، مثل الادعاء بأن المرأة "ترتبط بمن تشاء وتنفصل متى تشاء"، وهو ما يوحي بوجود حرية مطلقة غير خاضعة لأي ضوابط قانونية، في حين تنص الاتفاقية على حق المرأة في اختيار الزوج والمساواة في الحقوق عند فسخ الزواج.
ويذهب ادعاء آخر إلى أن "سيداو" حدّدت سن الزواج بـ 18 سنة، رغم عدم إدراجها مادة تلزم الدول بذلك، إذ تنص المادة 16 من الاتفاقية على ضرورة اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لتحديد سن أدنى للزواج، دون تحديد ذلك السن.
وأصدرت لجنة سيداو، وهي الهيئة الأممية التي تراقب تطبيق الاتفاقية، على مرّ السنوات توصيات عامة (General Recommendations) لتوضيح كيفية فهم وتطبيق مواد الاتفاقية.
ودعت توصيتها العامة رقم 21 إلى أن يكون السن الأدنى المسموح به للزواج 18 سنة، فيما حثّت التوصية العامة رقم 35، بشأن العنف القائم على النوع الاجتماعي ضد المرأة، على إلغاء التشريعات التي تجرّم الإجهاض والعلاقات المثلية. لكن هذه التوصيات تبقى غير ملزمةٍ قانونيًا، عكس المواد المنصوصِ عليها صراحةً في النص الأصلي للاتفاقية.
تكهنات بتغيرات اجتماعية ستترتب عن رفع التحفظ
ادعت العديد من الصفحات والحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي، أن رفع التحفظ سيترتب عليه واقع جديد يتنافى مع القيم الإسلامية ويشكّل خطرًا على الأسرة الجزائرية، باعتبار أن الفقرة الرابعة من المادة 15، تمنح المرأة الجزائرية هوامش حرية لم تكن تتمتع بها من قبل.
وفي هذا الصدد، أوضحت وكالة الأنباء الجزائرية أن رفع التحفظ جاء كإجراء شكلي متأخر، ليتوافق مع التشريعات والقوانين الجزائرية التي تكفل للمرأة أساسًا حق التنقل بحرية واختيار مكان الإقامة.
وبحسب المصدر ذاته، فقد تحفظت الجزائر على الفقرة الرابعة من المادة 15 من اتفاقية "سيداو"، عند توقيعها عام 1996، لأنها كانت تتعارض مع المادة 37 من قانون الأسرة الجزائري، التي كانت تنصّ على أن الزوج هو من يحدد مسكن الزوجية.
لكن المادة أُلغيت من قانون الأسرة في عام 2005، ومنذ ذلك التاريخ أصبحت المرأة الجزائرية حرّة في التنقّل واختيار مكان السكن بموجب القانون.
ورغم أن الأساس القانوني للتحفظ على الفقرة الرابعة من المادة 15 من اتفاقية "سيداو" انتفى منذ العام 2005، إلا أن الجزائر لم تُبلّغ الأمم المتحدة رسميًا برفع التحفظ إلا في أغسطس الجاري، بعد توقيع الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون مرسومًا رئاسيًا يرفع، تحفظًا ظلّ قائمًا على الورق فقط لقرابة 20 سنة.
يعني ذلك أن المرأة، بموجب القانون الجزائري، تتنقل بحرية وتختار مقر سكنها بالفعل، وأن رفع التحفظ عن الفقرة الرابعة من المادة 15 من اتفاقية "سيداو" لم يمحنها حقًا لا تتمتع به أساسًا.

مزاعم بشأن تعديلات إلزامية مفترضة على قانون الأسرة
تشير بعض الادعاءات إلى أن رفع التحفظ عن الفقرة الرابعة من المادة 15 من اتفاقية "سيداو"، يعني بالضرورة أن تعديلات ستُدخل على قانون الأسرة الجزائري.
لكن رفع التحفظ جاء كإجراء شكلي لمطابقة التشريعات الوطنية مع الالتزامات الدولية، وسبقه سن قوانين وطنية تكفل حرية المرأة في اختيار المسكن، ما يعني أنه لن يفضي بالضرورة إلى تعديل القوانين السارية.
وأكدت وكالة الأنباء الجزائرية أن رفع التحفظ لن ينجر عنه أي تعديلات على القوانين الوطنية، "باعتبار أن المقاربة الجزائرية بشأن هذا النوع من الاتفاقيات على وجه الخصوص تعتمد على تعديل التشريع الداخلي أولًا ثم رفع التحفظات المسجلة على الصعيد الدولي في مرحلة ثانية."
اقرأ/ي أيضًا
خبر وصول تبون إلى ألمانيا للعلاج من عام 2020 وليس حديثًا
الفيديو من 2018 وليس لمغاربة يطالبون بفتح الحدود مع الجزائر حديثًا


























