سياسة

هل يصنع التضليل وخطاب الكراهية بيئة خصبة للعنف؟

محمود سمير حسنينمحمود سمير حسنين
date
٢٩ ربيع الأول ١٤٤٧ هـ
آخر تعديل
date
٤:١١ ص
١ ربيع الآخر ١٤٤٧ هـ
هل يصنع التضليل وخطاب الكراهية بيئة خصبة للعنف؟
ارتفع خطاب الكراهية ضد المسلمين بنسبة 335% منذ هجوم 7 أكتوبر | مسبار

نشرت وسائل إعلام عالمية عقب اغتيال الناشط السياسي اليميني تشارلي كيرك، في العاشر من سبتمبر/أيلول الجاري، تقارير عن انتشار معلومات مضللة وزائفة طاولت العملية ومنفذها وتوجهاته السياسية، وذهبت تقارير أخرى لأبعد من ذلك، إذ أفادت بأن هناك قوى خارجية عملت على ترويج نظريات مؤامرة وتضليل معلوماتي متعمّد حول عملية الاغتيال، ما صعّب مهمة الوصول للمعلومات الموثوقة. 

تقارير صحفية تشير إلى وجود قوى أجنبية ساعدت في انتشار معلومات مضللة بعد مقتل كيرك

وعلى ضوء ثنائية التضليل المعلوماتي ودوائر العنف المعتمدة على خطاب الكراهية، كشفت دراسات رائدة في مجال التضليل المعلوماتي، أن السرديات الزائفة والمضللة التي تنتشر على الإنترنت يمكن أن تؤثر على سلوكيات الأفراد وتسرّع عمليات العنف، ما يضيف بعدًا جديدًا للطريقة التي تفهم فيها المجتمعات العلاقة بين الخطاب الرقمي والأذى الجسدي.

وتشير الدراسات عبر نتائجها، إلى أنّ هذا الخطاب يمثل محفزًا مباشرًا لجرائم الكراهية، العنف المسلح، والهجمات المتطرفة. فباستخدام خوارزميات تعلم آلي متطورة، وقواعد بيانات عابرة للحدود، وأنظمة تتبع لحظية، تمكن علماء وباحثين من توثيق مسارات قابلة للقياس تبدأ من التضليل الرقمي وتنتهي بالعنف الواقعي، كاشفين آليات لم يكن يُعتقد بوجودها بهذا الحجم من قبل.

نظريات المؤامرة كمؤشرات للجريمة

تفيد دراسة نشرت في عام 2024 عن جامعة كورنيل الأميركية، اختصت بدراسة ولاية ميشيغان، معتمدة في دراستها على شبكات عصبية التفافية لمراقبة عمليات البحث على الإنترنت حول 36 نظرية مؤامرة منتشرة، منها حركة كيو أنون، نظرية الاستبدال العظيم، والتضليل المعلوماتي المتعلق بكوفيد-19. وأشارت النتائج إلى أن ارتفاع معدلات الاهتمام بنظريات تتسم بالعنصرية، سبق زيادة في بلاغات جرائم الكراهية، بفترة تراوحت بين أسبوعين وثلاثة أسابيع.

دراسة حديثة تربط بين نظريات مؤامرة وأعمال عنف بمشيشغان الأميركية

أظهرت ثماني سرديات مؤامراتية قامت الورقة بدراستها، قدرة تنبؤية ثابتة بخصوص ارتفاع معدلات العنف. وأوضح الباحث الرئيسي العامل على الدراسة أن "وسائل التواصل الاجتماعي تتحول من سوق للأفكار إلى قناة تؤدي إلى العنف"، مضيفًا أن بعض السرديات المضللة لا تعكس فقط توترات قائمة، بل تصنع المبرر الأيديولوجي للفعل المباشر.

وكشفت الدراسة مسارًا واضحًا من الفضاء الرقمي إلى الواقع، إذ تبدأ السرديات المضللة بالانتشار داخل مجتمعات إلكترونية هامشية، ثم تتوسع عبر المنصات الكبرى بفضل الخوارزميات، لتصل في النهاية إلى أفراد لديهم قابلية للتأثر بالرسائل المتطرفة. هذا التطور، كما أثبت الباحثون، يسير وفق أنماط يمكن تتبعها وربما تعطيلها.

دراسات ترسم خريطة الكراهية في الزمن الفعلي

في دراسة موازية، نُشرت على مجلة نيتشر العلمية في أكتوبر/تشرين الأول عام 2024، أجرى باحثون إسبان تحليلًا لسجلات الشرطة إلى جانب بيانات مواقع التواصل الاجتماعي، ليثبتوا وجود ترابط مباشر بين خطاب الكراهية عبر الإنترنت وجرائم الكراهية المبلّغ عنها. وأظهرت النتائج ارتباطات إيجابية قوية على المستويات اليومية، الأسبوعية، والشهرية. كما تمكنت النماذج المعتمدة على التعلم الآلي من التنبؤ بنسبة تصل إلى 64% من موجات جرائم الكراهية بالاعتماد على مؤشرات لغوية مثيرة للانفعال مأخوذة من مواقع مثل إكس، وفيسبوك.

كما أشارت الدراسة إلى أن سمات اللغة السامّة كانت أكثر قدرة على التنبؤ من مجرد تكرار عبارات الكراهية، ما يعني أن حدة المحتوى وطابعه اللاإنساني أكثر تأثيرًا من الدعوات المباشرة للعنف. كما تبيّن أن منشورات فيسبوك تحمل قوة تنبؤية أكبر من منشورات إكس، ربما بسبب طبيعة المحتوى الأطول والأكثر خصوصية في المشاركة. وقد تم اعتماد النموذج الإسباني لاحقًا في عدة دول أوروبية باعتباره "نظام إنذار مبكر" للعنف ضد الأقليات.

ارتباط بين خطاب الكراهية والتضليل المعلوماتي وأعمال العنف

العنف المسلح واقتصاد التضليل

في السياق ذاته، حلل الكاتب الأميركي توماس غابور في كتابه المجزرة الأميركية، الرابط المباشر بين أزمة السلاح في الولايات المتحدة الأميركية وبين العنف الجسدي والمعلومات المضللة، إذ أوضح أن المعلومات المضللة التي تروجها جماعات الضغط المؤيدة للسلاح، مثل ادعاءاتهم بأن القوانين المتساهلة مع حمل السلاح تزيد من الأمان، تؤثر بشكل مباشر في الرأي العام وصياغة السياسات.

دارسين أميركيين يربطون بين المعلومات المضللة وبيت أعمال العنف المرتبطة باسلاح في أميركا

وتوضح الدراسة أن تصاعد حملات التضليل يؤدي إلى تراجع الدعم الشعبي لإصلاح قوانين السلاح، وزيادة شراء وتخزين الأسلحة في المنازل، وهو ما يرتبط بارتفاع ملحوظ في حوادث إطلاق النار والوفيات الناتجة عنها. وتشير البيانات إلى أن معدلات الوفيات الحالية تضاعفت مقارنة بعقد 2010 في الولايات المتحدة الأميركية.

وفي دراسة أخرى ركزت على فئة الشباب من مستخدمي الإنترنت، نُشرت في أكتوبر 2022 بدعم من "مراكز السيطرة على الأمراض"، قادها فريق من معهد جورجيا تك للتكنولوجيا، وجدت أن التعرض لمعلومات مضللة تحرض على العنف يؤدي إلى تغييرات سلوكية، خصوصًا لدى المراهقين والشباب. وتتبع الباحثون أكثر من 11 ألف حادثة عنف ضد الأميركيين من أصول آسيوية خلال جائحة كوفيد-19، وربطوها مباشرة بحملات تضليل صحية صورت الآسيويين كمصدر للمرض.

إذ جمعت الدراسة نحو 418,999 منشور على إكس مرتبط بكوفيد-19، ومفردات معادية للآسيويين بين الأول من يناير/كانون الأول 2020، والأول من فبراير/شباط 2023، ثم أنشأت حزمة "كلمات خطرة" مستلهمة من مشروع "الخطاب الخطر" لتكثيف عينة تحليلية تضم 4,076 تغريدة بها خطاب عنف. 

دراسة تختص بتقنيد العلاقة بين العنف الموجه والتضليل المعلوماتي

مسبار يكشف عن ارتباط ظاهرة الإسلاموفوبيا بخطاب الكراهية والتضليل المعلوماتي

نشر "مسبار" في إبريل/نيسان عام 2025، تقريرًا، عن تصاعد مظاهر الإسلاموفوبيا وخطاب الكراهية ضد المسلمين داخل المجتمعات الغربية، حيث تتداخل الحسابات الانتخابية مع التحريض الإعلامي والتلاعب بالمعلومات، لتصوير المسلمين كخطر يهدد الأمن والقيم الاجتماعية. وفي ظل غياب ضوابط صارمة للمحتوى الرقمي، تحولت مواقع التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها إكس، إلى ساحات مفتوحة لتداول روايات مشوّهة تُستخدم لتبرير سياسات متطرفة، وتغذية الانقسامات داخل المجتمعات.

في هذا السياق، رصد فريق مسبار خطاب الكراهية المعادي للمسلمين عبر الفضاء الرقمي في دول غربية عدة، مسلطًا الضوء على الدور الذي تلعبه شخصيات عامة ومؤثرة في ترسيخ الصور النمطية عن المسلمين، بما يشرعن العنف والتمييز ضدهم، كما يُظهر بوضوح في حالات مثل الهند وبريطانيا والولايات المتحدة.

مسبار يدرس ارتباط الإسلاموفوبيا بالتضليل

ويشير تقرير آخر نشر على موقع "مسبار"، في أغسطس/آب 2024، إلى ارتباط تصاعد أعمال العنف ضد المسلمين والمهاجرين ببريطانيا بخطاب العنف والكراهية، إذ وقعت حادثة طعن جماعي ضمن حفل للأطفال في مدينة ساوثبورت في ميرسيسايد، على بعد نحو 10 أميال شمالي ليفربول في المملكة المتحدة، أودت بحياة عدد من الأطفال كما أُصيب آخرون، آنذاك، وجرى تداول ادعاءات مضللة حول هوية المهاجم وانتمائه، ليتضح لاحقًا من بيان الشرطة أن هويته مختلفة عمّا ورد في الادعاءات التي انتشرت بُعيد الحادثة.

وكانت شوارع بريطانيا قد شهدت حينذاك، تصاعدًا في أعمال الشغب والعنف، بعدما انتشرت روايات ادعت أن "المنفذ قاصر مسلم أجنبي". وقد أضفت هذه المزاعم طابعًا معاديًا للمسلمين والمهاجرين، سرعان ما تجلّى في موجات من العنف وتخريب ممتلكات.

اقرأ/ي أيضًا

كيف ساهمت الأخبار المضللة بصعود خطاب الكراهية ضد المسلمين في بريطانيا؟

ما صحة تصدر جنسيات عربية ومسلمة قائمة المتهمين بارتكاب جرائم جنسية في لندن؟

المصادر

اقرأ/ي أيضًا

الأكثر قراءة

مؤشر مسبار
سلّم قياس مستوى الصدقيّة للمواقع وترتيبها
مواقع تم ضبطها مؤخرًا
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
عرض المواقع
bannar