الباراسيتامول والتوحد.. ما الخلفية العلمية لتحذير ترامب للنساء الحوامل؟
في سياق النقاش المستمر عن قضايا الصحة العامة، أثارت تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترامب، حول احتمال وجود علاقة بين استخدام الباراسيتامول أثناء الحمل، وزيادة خطر إصابة الأطفال بالتوحد جدلًا واسعًا.
يُعد الباراسيتامول من الأدوية الشائعة التي توصي الهيئات الصحية العالمية باستخدامها عند الحاجة خلال الحمل، باعتباره خيارًا آمنًا نسبيًا. غير أن هذه التصريحات أعادت طرح إشكالية الخلط بين الارتباط الإحصائي والسببية الطبية، وهو ما قد ينعكس سلبًا على القرارات الصحية لدى بعض النساء الحوامل، خاصة إذا أدى ذلك إلى التردد في استخدام علاجات ضرورية خلال فترات حساسة من الحمل.
تصريحات ترامب عن الباراسيتامول: حقيقة أم ملاحظات رصدية؟
أحد أبرز الأخطاء المنهجية في تصريحات ترامب هو الخلط بين الارتباط والسببية، إذ تعامل مع بعض النتائج الرصدية التي أظهرت علاقة ضعيفة بين استخدام الباراسيتامول أثناء الحمل، وتشخيص اضطرابات النمو العصبي، على أنها دليل قاطع على وجود علاقة سببية مباشرة.
في علم الوبائيات، يُعد هذا خلطًا جوهريًا، إذ إن الارتباط يعني مجرد تكرار ظهور متغيرين معًا، بينما السببية تفترض أن أحدهما يؤدي مباشرة إلى الآخر. في حالة الباراسيتامول، يصعب عزل أثر الدواء عن عوامل مربكة أخرى مثل الحمى والالتهابات أثناء الحمل (المعروفة بارتباطها بزيادة مخاطر اضطرابات النمو العصبي)، أو العوامل الوراثية التي كشفت عنها دراسات مقارنة الأشقاء، أو حتى أنماط الحياة والعوامل الاجتماعية والاقتصادية.
ما يقدمه ترامب كـ"حقيقة" ليس سوى ملاحظات رصدية لم تُثبت سببيتها، لكن تجاهل هذه الفروق الدقيقة يفتح الباب أمام تفسيرات مضللة وقرارات صحية خاطئة. هذا الخلط بين الارتباط والسببية ليس جديدًا في النقاش العلمي. فقد حذر باحثون من الاعتماد على الترابطات الإحصائية وحدها في مجالات متعددة، بما في ذلك الصحة والقانون. في كتاب "البيانات الضخمة، قانون الصحة، والأخلاقيات البيولوجية"، (الصادر عن مطبعة جامعة كامبريدج عام 2018)، خصص الباحث زارسكي فصلًا بعنوان "الترابط مقابل السببية" يؤكد فيه أن الاعتماد على الترابطات الإحصائية وحدها في استنتاجات الصحة العامة أو السياسات الطبية، يقود إلى نتائج مضللة. يشير الفصل إلى أن البيانات الضخمة قد تكشف أنماطًا مثيرة، لكنها لا تكفي لإثبات السببية من دون تصميمات بحثية صارمة أو أدلة بيولوجية داعمة. ويقترح أن القانون والتنظيمات يجب أن تلعب دورًا في منع إساءة استخدام هذه الارتباطات، خاصة حين تكون لها تبعات اجتماعية أو صحية واسعة.
ورغم أن بعض الدراسات أثارت الشكوك حول وجود ارتباط بين استخدام الباراسيتامول أثناء الحمل، واضطرابات النمو العصبي، فإن نتائجها ما تزال محدودة. من أبرز هذه الدراسات المراجعة المنهجية التي أجراها Prada وزملاؤه، ونُشرت في أغسطس/آب 2025 في مجلة Environmental Health. فقد أشارت المراجعة إلى أن الأدلة المتاحة تميل إلى إظهار ارتباط متكرر يثير القلق، لكنها تظل بعيدة عن مستوى الإثبات السببي.
وبناءً على ذلك، أوصى الباحثون بالاستخدام الحذر للباراسيتامول خلال الحمل، والاكتفاء بأقل جرعة ممكنة عند الحاجة. ومع ذلك، اعترفوا بأن التباين الكبير بين نتائج الدراسات، ومخاطر الانحياز في طرق جمع البيانات، إلى جانب العوامل المربكة مثل الحمى، فضلًا عن غياب آلية بيولوجية واضحة، جميعها تحد من قوة هذه النتائج وتضع علامات استفهام حول موثوقيتها.
أما عند النظر إلى الأدلة الأوسع والأكثر صرامة، فيتضح أن العلاقة السببية المزعومة لا تجد ما يثبتها. فقد أظهرت الدراسة السويدية الضخمة المنشورة عام 2024، والتي تابعت أكثر من 2.5 مليون طفل، أن الارتباط المبدئي يختفي تمامًا عند تحليل بيانات الأشقاء، ما يشير إلى أن العوامل الأسرية، لا الباراسيتامول، هي المفسر الحقيقي للنتائج.
كما أكدت التحليلات التلوية التي جمعت نتائج عشرات الدراسات أن الارتباط ضعيف وغير سببي، وأن الحاجة ما تزال قائمة لمزيد من البحوث المصممة بدقة أكبر. وهذه الخلاصات تتوافق مع تقييمات الهيئات التنظيمية الكبرى، التي ما زالت تعد الباراسيتامول الخيار الأكثر أمانًا للحوامل عند الالتزام بالجرعات الموصى بها.
هذا الربط يفتقر أيضًا إلى أي دليل بيولوجي قاطع. فبينما طرحت بعض الدراسات التجريبية فرضيات حول تأثير الدواء على التوازن الهرموني للجنين، أو زيادته للإجهاد التأكسدي، أو تداخله مع النواقل العصبية، فإن معظم هذه النتائج اعتمدت على تجارب مخبرية أو جرعات عالية لا تعكس الاستخدام السريري المعتاد. وحتى الدراسات البشرية الأكثر صرامة، مثل بحث Ji وزملائه عام 2020 في JAMA Psychiatry، الذي فحص مستقلبات الباراسيتامول في دم الحبل السري، لم تتمكن من استبعاد العوامل المربكة مثل الحمى.
أصوات الخبراء والهيئات الطبية حول علاقة الباراسيتامول بالتوحد
تتناقض الادعاءات حول علاقة الباراسيتامول بالتوحد مع الموقف العلمي الرسمي للهيئات الصحية العالمية التي تملك صلاحيات تقييم الأدوية بعد مراجعة آلاف الدراسات. فقد أكدت وكالة الأدوية الأوروبية (EMA) ووكالة تنظيم الأدوية البريطانية (MHRA)، أن الباراسيتامول يظل الخيار الأكثر أمانًا وفعالية لتخفيف الألم وخفض الحرارة أثناء الحمل، شريطة الالتزام بالجرعات الموصى بها ولأقصر فترة ممكنة.
الموقف ذاته تبنته منظمة الصحة العالمية (WHO) ، مشددة على أن الباراسيتامول هو الخيار الأول للحوامل مقارنةً بمضادات الالتهاب غير الستيرويدية، التي قد تحمل مخاطر أكبر على الجنين.
خطورة الادعاءات لا تكمن في تناقضها مع هذا الإجماع فقط، بل في أثرها العملي المحتمل على النساء الحوامل. فقد حذر الأطباء من أن مثل هذه الادعاءات قد تدفع النساء إلى تجنب علاج الحمى، رغم أن الحمى الشديدة نفسها تمثل خطرًا مثبتًا على الجنين وترتبط بزيادة خطر التشوهات واضطرابات النمو العصبي. وهنا تكمن المفارقة: ما يقدمه ترامب على أنه حماية قد يتحول في الواقع إلى تهديد مباشر لصحة الأمهات وأطفالهن. هذا التباين بين الخطاب السياسي والحقائق الطبية دفع العديد من الشخصيات البارزة إلى الرد علنًا. فقد وصف وزير الصحة البريطاني ويس ستريتينغ تصريحات ترامب بأنها مضللة، داعيًا الحوامل إلى "تجاهلها تمامًا"، والالتزام بنصائح أطبائهن.
أما الدكتورة سوميا سواميناثان، كبيرة العلماء السابقة في منظمة الصحة العالمية، فأكدت أن الباراسيتامول دواء "آمن ومثبت"، وأنه لا يوجد أي دليل علمي قاطع يربطه بالتوحد. وذهبت أبعد من ذلك حين وصفت تصريحات ترامب بأنها "غريبة" و"لا تدعمها أي أدلة علمية"، محذرة من أن البحث عن النصائح الطبية عبر الإنترنت بدلًا من استشارة الأطباء، قد يفتح الباب لمخاطر صحية حقيقية.
الرسالة نفسها جاءت من أوروبا، إذ أكد كبير المسؤولين الطبيين في وكالة الأدوية الأوروبية، ستيفن ثيرستروب، أن مراجعة بيانات ملايين الحوامل لم تكشف عن أي علاقة بين الباراسيتامول وتشوهات الجنين أو الاضطرابات العصبية النمائية. وفي مراجعة أجرتها الوكالة عام 2019 خلصت إلى أن الدراسات المتاحة "غير حاسمة" وأنه لا يوجد أساس لتغيير التوصيات الحالية. التوصية الرسمية تظل واضحة: يمكن استخدام الباراسيتامول أثناء الحمل عند الحاجة، لكن بأقل جرعة فعالة ولأقصر فترة ممكنة.
حتى في الولايات المتحدة، حيث أعلنت إدارة الغذاء والدواء الأميركية (FDA) في سبتمبر 2025، عن نيتها مراجعة ملصقات الأسيتامينوفين لتحذير من "مخاطر محتملة"، لم تصل الوكالة إلى الجزم بوجود علاقة سببية. فقد استشهدت بدراسات محدودة وصغيرة الحجم، بينما تجاهلت الأبحاث الأوسع والأكثر صرامة مثل الدراسة السويدية على 2.5 مليون طفل التي أظهرت غياب أي صلة سببية عند التحكم بالعوامل العائلية. هذا ما دفع الجمعيات الطبية الأميركية الكبرى، بما في ذلك الكلية الأميركية لأطباء النساء والتوليد، إلى انتقاد خطوة الـ FDA واعتبارها "مقلقة وغير مسؤولة"، لأنها قد تزرع الذعر بلا مبرر علمي.
ترامب والعلم
ليست المرة الأولى التي يتبنى فيها دونالد ترامب مواقف تتعارض مع الأدلة العلمية والممارسات الطبية. فقد سبق أن اعتبر التغير المناخي "خدعة"، وروّج مرارًا لفكرة وجود صلة بين لقاح الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية (MMR) والتوحد، رغم أن هذه المزاعم نُقضت بأكثر من 25 دراسة واسعة النطاق شملت ملايين الأطفال وأكدت عدم وجود أي ارتباط.
التداعيات الصحية والاجتماعية
لا تكمن خطورة تصريحات ترامب في مضمونها العلمي الهش فقط، بل في التداعيات الاجتماعية والصحية المباشرة التي قد تخلفها على النساء الحوامل وأسرهن والمجتمع ككل. فعندما تُدفع الحوامل إلى تجنب الباراسيتامول حتى عند الضرورة، فإنهن لا يواجهن مجرد نقص في الراحة، بل خطرًا طبيًا حقيقيًا. الحمى غير المعالجة أثناء الحمل ليست عرضًا بسيطًا، بل ترتبط بزيادة احتمالات الولادة المبكرة، وضعف نمو الجنين، وبعض التشوهات الخلقية، واضطرابات النمو العصبي، أي أن تفادي الباراسيتامول بدافع الخوف قد يكون أشد ضررًا من الدواء نفسه. وبذلك يتحول الامتناع عن العلاج، بدافع الخوف من خطاب سياسي غير دقيق، إلى تهديد مباشر لصحة الأم والطفل معًا.
اقرأ/ي أيضًا
تفسيرات غير دقيقة ومضللة على إكس حول الطفيليات ومخاطرها
نصائح وعلاجات مضللة على تيك توك قد تؤثر على مرضى الغدة الدرقية


























