سياسة

بين العنف والتضليل: كيف يحرّف المستوطنون حقيقة الهجوم على دير جرير؟

فريق تحرير مسبارفريق تحرير مسبار
date
٢ ربيع الآخر ١٤٤٧ هـ
آخر تعديل
date
٦:٥٣ ص
٣ ربيع الآخر ١٤٤٧ هـ
بين العنف والتضليل: كيف يحرّف المستوطنون حقيقة الهجوم على دير جرير؟
تصاعد اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين وممتلكاتهم | مسبار

في صباح يوم 21 سبتمبر/أيلول الجاري، شهدت قرية دير جرير شمال شرقي محافظة رام الله، حادثة جديدة تضاف إلى سلسلة طويلة من اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية، إلا أن ما يميز هذا الاعتداء ليس عنفه المباشر بحق السكان فحسب، بل أيضًا ما تبعَه من محاولات محمومة لتحريف الواقع وتشويه الحقائق. فبينما تداولت وسائل إعلام إسرائيلية وحسابات تابعة للمستوطنين رواية تزعم أن "عربًا هاجموا راعيًا يهوديًا"، كشفت الشهادات الميدانية من سكان القرية، والتفاصيل الموثقة من موقع الحدث، صورة مختلفة تمامًا، ما هو إلا اعتداء منظّم نفذه مستوطنون ضد عائلة فلسطينية، في إطار سياسة متكررة للهيمنة على الأراضي الزراعية.

في المقال التالي يعرض مسبار تفاصيل ما جرى في دير جرير، ويُفكّك الرواية الإسرائيلية من خلال التحقق في تناقضاتها، وعرض الشهادات الميدانية، وربط الحادثة بسياق أوسع من الممارسات الاستيطانية المنهجة التي تعتمد التضليل الإعلامي كأداة لتبرير العنف وسرقة الأرض.

المزاعم الإسرائيلية حول الهجوم على دير جرير

نشر موقع 0404 الإسرائيلي في 21 سبتمبر الجاري، تقريرًا زعم فيه أن "عشرات العرب هاجموا راعي أغنام يهوديًا وسرقوا جزءًا من قطيعه"، في قرية دير جرير في الضفة الغربية. وذكر أن "عشرات الإرهابيين العرب" نفذوا الهجوم، وأن السكان اليهود الذين استُدعوا إلى المكان تعرضوا أيضًا للرشق بالحجارة من قبل العرب.

وأضاف التقرير أن "إصابة يهودي بجروح طفيفة" سجلت في الموقع، وأن مركبة "رينجر" تابعة للمزرعة القريبة تعرضت لأضرار. وأكدت أن قوات كبيرة توجهت إلى المكان، وأجرت عمليات تمشيط للبحث عن القطيع المسروق والمهاجمين.

كما نشرت حسابات لمستوطنين على منصّة إكس في التاريخ ذاته، مزاعم مشابهة، أكدت فيها أن الاعتداء بدأ من قبل فلسطينيين اعتدوا على "راعي يهودي" وسرقة قطيعه، مشيرة إلى أن القوات الإسرائيلية باشرت بعمليات تفتيش في محيط القرية عقب الحادث.

سكان دير جرير يروون تفاصيل اعتداء مستوطنين وسرقة عشرات الأغنام

تواصل  "مسبار" مع رئيس مجلس قروي دير جرير، فتحي حمدان، الذي نقل رواية أهالي القرية بشأن اعتداء نفذه مستوطنون إسرائيليون صباح الأحد، 21 سبتمبر الجاري، واستهدف عددًا من سكان القرية وممتلكاتهم.

وبحسب إفادته التي نقلها عن المواطن صادق فراخنة، وهو من سكان أطراف القرية، فقد تعرض منزله ومحيطه لاعتداء مباشر من قبل مجموعة مستوطنين. وأوضح فراخنة أن لديه منزلًا يقع في أطراف دير جرير، يستخدمه أولاده لرعي الأغنام، بينما يقيم هو في منزل آخر داخل البلدة.

في صباح يوم الحادثة، أبلغه أحد أبنائه بأن مستوطنًا وصل إلى المنطقة برفقة قطيع أغنام، ثم فتح خزان المياه التابع للعائلة، وسقى أغنامه منه، كما سمح لها بالرعي في منطقة مخصصة لأغنام العائلة. وعندما وصل فراخنة إلى المكان برفقة أحد أبنائه، وجد المستوطن يستخدم المياه ويطعم أغنامه من علف مخصص لقطيع العائلة.

بحسب روايته، حذر الأب أبناءه من التفاعل مع المستوطن، وطلب منهم التريث حتى يتضح الموقف، وجلسوا يراقبون الوضع. وبعد فترة وجيزة، وصلت مركبة زراعية (تركترون) تحمل عددًا من المستوطنين، الذين بدؤوا بالهجوم على العائلة دون سابق إنذار، واعتدوا عليهم بالضرب. وخلال العراك، أصيب صادق فراخنة (80 عامًا) بكدمات، كما كُسرت إحدى يديه وتعرضت الأخرى للرضوض، في حين أصيب أحد أحفاده بضربة على رأسه.

وأضاف حمدان أن عددًا من سكان القرية القريبين من المكان هرعوا إلى الموقع بعد سماعهم الصراخ، وتطور الموقف إلى اشتباك أوسع مع المستوطنين، الذين شرعوا بإطلاق النار. وخلال الفوضى، سرق المستوطنون نحو 25 رأس غنم من عائلة فراخنة.

لاحقًا، وأثناء عودة سكان القرية إلى وسط البلدة، لاحظوا وجود ما لا يقل عن 30 مستوطنًا يتبعونهم، أخذوا يطلقون النار باتجاه السكان مجددًا، وتوجهوا نحو منزل المواطن جهاد أبو مخو، الذي يملك حظيرة أغنام داخل منزله.

ووفقًا للرواية، خلع المستوطنون باب الحظيرة وسرقوا عددًا من رؤوس الأغنام من داخلها، كما اعتدوا على أغنام شقيقه شريف أبو مخو. وأفاد جهاد أنه حاول الدفاع عن نفسه أثناء إطلاق النار، لكنه فضّل الانسحاب حفاظًا على سلامته.

وبحسب الأهالي، فإن قوات من جيش الاحتلال وصلت إلى المكان خلال الاعتداء، إلا أن المستوطنين تمكنوا من الفرار بالأغنام المسروقة التي قًدر عددها بـ 230 رأس غنم، نحو نقطة رعوية مقابلة للبلدة.

في حديث خاص لـ"مسبار"، أفاد جهاد أبو مخو، من سكان قرية دير جرير شرق رام الله، أن مجموعة كبيرة من المستوطنين الإسرائيليين اقتحموا منزله الذي يضم مزرعته الخاصة بالأغنام، رغم أن المنزل يقع داخل حدود القرية، وذلك تحت حماية مباشرة من جيش الاحتلال الإسرائيلي.

وأوضح أبو مخو أن الاقتحام جرى بعد أن بدأ المستوطنون بسرقة أغنام من المواطن صادق فراخنة في منطقة تبعد نحو كيلومترين عن منزله. وأضاف أنه كان داخل مركبته برفقة أطفاله عندما بدأ الأطفال في البكاء نتيجة الرعب، فحاول إبعادهم عن المكان، إلا أن المستوطنين أطلقوا النار عليه أثناء وجوده داخل السيارة.

وتابع قائلًا إن المستوطنين، والذين قُدّر عددهم بأكثر من 60 شخصًا، انتزعوا باب الحظيرة "البركس" واقتحموها، وسرقوا الأغنام التي كانت بداخلها، والتي تعود ملكيتها له ولشقيقه شريف أبو مخو.

كما نفى جهاد أبو مخو المزاعم التي تداولها الإعلام العبري، والتي تفيد أن سكان القرية اعتدوا على مستوطن، مؤكدًا أن "المستوطنين هم من اعتدوا على الأهالي وهاجموا ممتلكاتهم".

في مقابلة مع التلفزيون العربي، كشف المواطن شريف أبو مخو، من قرية دير جرير، أن مجموعة من المستوطنين كانت قد وصلت إلى أطراف القرية قبل نحو أسبوع من الاعتداء الأخير، حيث قاموا بمعاينة المنطقة بحماية من جيش الاحتلال الإسرائيلي، في خطوة اعتبرها تمهيدًا لما جرى لاحقًا من اقتحام وسرقة.

وأوضح أبو مخو أن الهجوم لم يكن عشوائيًا، بل منسقًا ومخططًا مسبقًا، مشيرًا إلى أن قيمة الخسائر التي لحقت به وشقيقه جهاد جرّاء سرقة الأغنام وتخريب الحظائر لا تقل عن 80 ألف دينار أردني.

وأضاف أن هذه الاعتداءات التي ينفذها المستوطنون داخل حدود القرية، خصوصًا ضد أصحاب المزارع والرعاة، تهدف إلى تجفيف مصادر الرزق الفلسطيني، ووضع حد لقطاع الرعي، الذي يُعتبر أحد أعمدة الاقتصاد المحلي في المنطقة.

كما وثّقت وسائل إعلام محلية وعربية، وصفحات تابعة لقرية دير جرير وناشطون ميدانيون، مقاطع فيديو تُظهر مستوطنين إسرائيليين وهم يسرقون الأغنام من داخل قرية، تحت حماية جنود من جيش الاحتلال.

اعتداءات مستمرة بحق سكان دير جرير 

شهدت قرية دير جرير شرق رام الله خلال الشهرين الفائتين تصعيدًا في اعتداءات المستوطنين المدعومين من قوات الاحتلال الإسرائيلي، وفقًا لتوثيقات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان. تضمنت الاعتداءات هجمات متكررة على السكان، وإغلاق مداخل القرية، وإطلاق نار أدى إلى إصابة عدد من الشبان، بينهم من وصفت جروحهم بالمتوسطة، وراح ضحيتها الشاب محمد علوي متأثرًا بإصابته. كما تعرض الأهالي للاعتداءات الجسدية، وتدمير الممتلكات، وإطلاق مواشي المستوطنين على الأراضي الزراعية، ما تسبب بأضرار كبيرة للمحاصيل والأشجار. في جميع هذه الحوادث، وفرت قوات الاحتلال الحماية للمستوطنين، ومنعت المواطنين من التحرك بحرية، وأطلقت قنابل الغاز والرصاص لتفريقهم، دون اتخاذ إجراءات لحمايتهم أو محاسبة المعتدين.

أوضح فتحي حمدان، رئيس مجلس قروي دير جرير، لمسبار، أن اعتداءات المستوطنين على القرية تصاعدت بشكل ملحوظ بعد أن أبلغت سلطات الاحتلال المجلس رسميًا بنيّتها شق شارع عسكري يربط بين قريتي دير جرير وسلود والعاصور، بزعم استخدامه لأغراض عسكرية. غير أن الواقع، بحسب حمدان، كشف عن استخدام المستوطنين لهذا الطريق بشكل شبه يومي، ما جعله بؤرة توتر دائمة، يتخللها استفزازات للمواطنين، واعتداءات متكررة، شملت إطلاق نار مباشر واعتداءات جسدية بحق الأهالي وممتلكاتهم.

تصعيد غير مسبوق لاعتداءات المستوطنين

أفادت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان في تقريرها الشهري عن شهر آب الصادر في الثاني من سبتمبر الجاري بأن الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنين نفذوا 1613 اعتداءً خلال أغسطس الفائت، شملت انتهاكات ممنهجة بحق الفلسطينيين وممتلكاتهم في مختلف محافظات الضفة الغربية، كان أكثرها في رام الله (321 اعتداء)، تلتها نابلس (274)، ثم الخليل (220).

وأوضح التقرير أن جيش الاحتلال نفّذ 1182 اعتداء، بينما ارتكب المستوطنون 431 اعتداء، تراوحت بين إعدامات ميدانية، وهجمات مسلحة على قرى فلسطينية، إلى جانب تخريب الأراضي، واقتلاع الأشجار، والاستيلاء على الممتلكات.

ووثقت الهيئة استشهاد مواطنين اثنين في نابلس، في عمليتي إطلاق نار مباشر نفذها مستوطنون. كما تسببت الاعتداءات بتخريب واقتلاع 11700 شجرة، معظمها من الزيتون، بينها أكثر من 10 آلاف شجرة في محافظة رام الله وحدها.

وأشار التقرير إلى محاولات لإقامة 19 بؤرة استعمارية جديدة، أغلبها ذات طابع زراعي ورعوي، تركزت في رام الله (6 محاولات)، ونابلس (4)، والخليل (3). واعتبر رئيس الهيئة، الوزير مؤيد شعبان، أن هذا التصعيد "يأتي بتعليمات سياسية من أعلى مستويات حكومة الاحتلال بهدف فرض وقائع ميدانية تمهيدًا لتشريعها رسميًا".

توظيف التحريض لتبرير اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية

في ظل تصاعد اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية، كشف تحقيق أجراه مسبار في آب/أغسطس الفائت عن استغلال واسع للتحريض والتضليل من قبل المستوطنين وحساباتهم الإعلامية لتبرير العنف ضد الفلسطينيين. من خلال نشر روايات ملفقة وتشويه الحقائق، يُحوّل المستوطنون الضحايا الفلسطينيين إلى "معتدين"، ما يسهم في تصعيد الاعتداءات ويغطي عليها بحماية سياسية وأمنية، في ظل غياب المحاسبة.

على سبيل المثال،في قرية كفر مالك، تبين أن الاعتداء بدأ باقتحام مستوطنين للقرية وإحراق منازل أثناء مشاركة الأهالي في بيت عزاء، بينما حاول الجيش قمع التصدي للمهاجمين ووجه الاتهامات للشبان الفلسطينيين. في سنجل، جرى تشويه احتجاج سلمي ضد بؤرة استيطانية بوصفه "أعمال شغب"، وتقديم الفلسطينيين بعد مقتل اثنين منهم كـ"مهاجمين" رغم وجودهم في أراضيهم للدفاع عنها.

في منطقة سوسيا ويطا، نفت التحقيقات إشعال الفلسطينيين للحرائق، وكشفت أن المستوطنين هم من اقتحموا وهاجموا السكان، مع تبرير إطلاق النار عبر رواية "الدفاع عن النفس" رغم أدلة فيديو معاكسة. كما شملت الحملات التحريضية استهداف قرى مثل سلواد والمغير باتهامات "احتضان الإرهاب" ودعوات لهدم مدارس بزعم أسباب أمنية في قرية اللبن.

توضح هذه الوقائع كيف تُستخدم الحملات الإعلامية المضللة للتحريض وتبرير اعتداءات المستوطنين والتوسع الاستيطاني، وسط غياب محاسبة حقيقية.

اقرأ/ي أيضًا

كيف يوظّف المستوطنون التحريض والتضليل لتصعيد الاعتداءات ضد الفلسطينيين؟

شهود عيان يكشفون لمسبار تفاصيل مقتل شابين فلسطينيين على يد مستوطنين في الضفة الغربية

المصادر

اقرأ/ي أيضًا

الأكثر قراءة

مؤشر مسبار
سلّم قياس مستوى الصدقيّة للمواقع وترتيبها
مواقع تم ضبطها مؤخرًا
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
عرض المواقع
bannar