عملية معبر الكرامة.. ذريعة جديدة للاحتلال لعرقلة دخول المساعدات إلى قطاع غزة
يوم 18 سبتمبر/أيلول الجاري، نفذ مواطن أردني يدعى عبد المطلب القيسي عملية على جسر الملك حسين، أو ما يُعرف بمعبر الكرامة، أسفرت عن مقتل جندي وضابط في الجيش الإسرائيلي.
كان القيسي يقود إحدى الشاحنات الاثنتين والعشرين المحملة بالمساعدات التي عبرت الحدود الأردنية الفلسطينية، متجهة إلى قطاع غزة. ووفقًا لما أوردته وسائل الإعلام الأردنية، فإن القيسي أوقف الشاحنة على الجانب الآخر من المعبر عند إحدى نقاط التفتيش الإسرائيلية، ثم ترجّل منها، وأطلق النار من مسدس بحوزته تجاه قوات الأمن الإسرائيلية في المكان، فأصاب جنديين إسرائيليين اثنين بجروح بالغة، ثم طعنهما، ليعلن عن مقتلهما في المكان نفسه.
أدانت وزارة الخارجية الأردنية في بيان العملية بوصفها "خرقًا للقانون وتعريضًا لمصالح المملكة وقدرتها على إيصال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة للأذى"، مشيرة إلى أن منفذ العملية هو عبد المطلب القيسي، من مواليد عام 1968، وهو مدني بدأ منذ ثلاثة أشهر العمل سائقًا لإيصال المساعدات إلى غزة.
إسرائيل تستخدم عملية الكرامة ذريعة لعرقلة دخول المساعدات
بعد العملية، تصاعدت حملة من التضليل والتحريض الإعلامي الإسرائيلي، ففي منشور لوزارة الخارجية الإسرائيلية على منصة إكس، ادعت الوزارة أنها "تُسهّل وصول المساعدات الإنسانية إلى غزة، فيما يستغلها الإرهابيون لقتل الإسرائيليين"، داعية إلى ضرورة وقفه.

من جهته، طالب زعيم حزب "إسرائيل بيتنا" اليميني المتطرف، أفيغدور ليبرمان، إلى وقف المساعدات وإغلاق جميع المعابر، قائلًا في منشور له أن "عندما نُغذي العدو بالمساعدات، يثور ويقتلنا".
استُغلت عملية معبر الكرامة من الجانب الإسرائيلي لترويج حملة دعائية لتبرير سياسة الاحتلال في عرقلة دخول المساعدات إلى قطاع غزة، التي عمد على نهجها منذ بداية الحرب في السابع من أكتوبر/تشرين الأول عام 2023. إذ أعلنت إذاعة الجيش الإسرائيلي أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمر بإغلاق المعبر بشكل كامل حتى إشعار آخر.
ويأتي هذا الربط المباشر بين العملية ووقف المساعدات، كمحاولة لشرعنة الحصار والتجويع وتجاهل المطالب الدولية برفع القيود. في ظل هذا الواقع، تظل الدعاية الإسرائيلية حول "تسهيل دخول المساعدات"، مجرد غطاء لتبرير التجويع، ما يحول دون معالجة الأزمة الإنسانية المتفاقمة في غزة.

مطالب محلية ودولية لإسرائيل من أجل تسهيل عبور المساعدات
منذ بداية الحرب على قطاع غزة، تروج الأدوات الإعلامية للاحتلال إلى دعاية مفادها أن الحكومة الإسرائيلية "تسهل" دخول المساعدات الإنسانية إلى القطاع، فيما تعرقل حماس وصولها إلى المدنيين بالاستيلاء على المساعدات واستهداف الشاحنات الناقلة لها، مؤخرًا نشر الحساب الرسمي لدولة الاحتلال على منصة إكس، يوم 21 سبتمتبر الجاري، منشورًا جاء فيه: "إسرائيل تسهّل دخول المساعدات الإنسانية، حماس تمنعها".
جاء هذا بالتزامن مع إصدار 27 دولة بيانًا مشتركًا يطالب إسرائيل بتسهيل وصول المساعدات إلى غزة، في أغسطس الفائت، جاء فيه أن على إسرائيل تسهيل وصول آمن وواسع النطاق للمساعدات الإنسانية لغزة، مُضيفًا أنه يجب عدم استخدام القوة المميتة في مراكز توزيع المساعدات في غزة، مشيرًا إلى ضرورة منح إسرائيل التصاريح لإدخال المساعدات الدولية إلى غزة.
وفي السياق ذاته، كان قد صرّح وزير الاتصال الأردني، محمد المومني، أن "الحكومة الإسرائيلية قد بدأت منذ العاشر من شهر تموز الفائت، بفرض رسوم جمركية تتراوح بين 300 إلى 400 دولار على كل شاحنة مساعدات تعبر من الأردن إلى قطاع غزة"، مشيرًا إلى عبور أقل من 30 شاحنة محملة بالمساعدات إلى القطاع يوميًا بسبب القيود الإسرائيلية، فيما تراوح معدل عبور هذه الشاحنات يوميًا في فترات سابقة إلى القطاع بين 100-150 شاحنة يوميًا.
من جهته، نشر المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، يوم 16 سبتمبر الجاري، بيان صحفيًا، ذكر فيه أنه منذ أواخر شهر يوليو/تموز الفائت وحتى تاريخ نشر البيان، "لم يدخل إلى قطاع غزة سوى 4543 شاحنة مساعدات فقط من أصل 30 ألف شاحنة مساعدات كان من المفترض وصولها"، أي ما يعادل نحو 15% فقط من الاحتياجات الإنسانية الفعلية لأكثر من 2.4 مليون مواطن في القطاع، بينهم أكثر من مليون طفل.
هذا وكان قد أعلن المفوض العام لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" فيليب لازاريني، في مطلع شهر أغسطس الفائت، أن "الأونروا لديها 6 آلاف شاحنة محمّلة بالمساعدات عالقة خارج غزة وتنتظر الضوء الأخضر للدخول".
معابر المساعدات البرية: بين غزة والعالم
يربط بين الأردن وفلسطين، الضفة الغربية والأراضي المحتلة عام 1948، ثلاثة معابر برية، معبر الكرامة، معبر الشيخ حسين، ومعبر وادي عربة. واحد من هذه المعابر يعتبر بوابة الدخول المركزي الأولى لشاحنات المساعدات الإنسانية إلى غزة، وهو معبر "الملك حسين" كما يعرف أردنيًا أو معبر "الكرامة" كما يسميه الفلسطينيون، أو معبر "اللنبي" وفق تسمية الاحتلال الإسرائيلي.
أما بوابة الدخول المركزي الثانية فهي من الجهة المصرية، وتحديدًا معبر رفح. جميع شاحنات المساعدات المتجهة نحو غزة، يجب أولًا أن يسمح بدخولها نحو الأراضي المحتلة من قبل السلطات الإسرائيلية، والتي بدورها تتحكم فيما يدخل بعد ذلك الى قطاع غزة. وهنا يذكر أن الإحتلال الإسرائيلي قام بإغلاق معبر رفح لأكثر من 246 يومًا بشكل مستمرخلال الحرب الجارية قبل أن يتم السماح بدخول شاحنات المساعدات من خلاله يوم 27 من شهر يوليو الفائت.
على حدود قطاع غزة، هنالك ثمانية معابر برية، جلّها أغلقته سلطات الإحتلال الإسرائيلي بشكل تام، وبعضها يفتح بشكل متقطع، وهي: معبر بيت حانون/إيريز، معبر كرم أبو سالم، معبر زيكيم، معبر كيسوفيم. وانطلاقًا من سياسة التجويع التي ينتهجها الاحتلال، فقد أغلق معبر زيكيم منذ أكثر من عشرة أيام بشكل مستمر، فيما عمد إلى تقليص المساعدات عبر معبر كيسوفيم الذي أغلق لعدة أيام خلال الفترة الفائتة أيضًا، أما معبر كرم أبو سالم، فإن حالته تتغير مع توالي الأحداث في قطاع غزة، وسبق أن أُغلق لأكثر من شهر بشكل مستمر. ولقرابة ثمانية شهور متواصلة، ظلّ معبر بيت حانون/إيريز مغلقًا أمام شاحنات المساعدات.
تأتي هذه الإغلاقات المستمرة والمتكررة للمعابر البرية ضمن سياسية ممنهجة غير إنسانية، عبر عنها وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، في منشور سابق له في منصة إكس، قال فيه "وقف كامل للمساعدات الإنسانية، احتلال كامل للقطاع، تدمير كامل لحماس، تشجيع للهجرة، استيطان. هذا ليس الطريق البديل، بل هو الطريق الأمثل لتحرير الرهائن بسلام وتحقيق النصر في الحرب".
حركة "الأمر 9"
يضاف إلى إغلاق المعابر، الحدودية منها والمحيطة في قطاع غزة أيضًا، مزيدًا من العراقيل، تتمثل بالتظاهر والاعتداءات المتكررة على شاحنات المساعدات الإنسانية، من قبل جماعات المستوطنين، وعلى رأسها "حركة الأمر 9".
تأسست الحركة على يد الزوجين ريعوت ويوسف بن حاييم، وهما من مستوطنة نتيفوت في النقب. جاءت فكرة تأسيس الحركة خلال تظاهرة عند معبر كرم أبو سالم في 11 يناير/كانون الثاني 2024، بهدف وقف دخول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة. يرى أعضاء الحركة أن هذه المساعدات "تعزز قدرات العدو وتطيل أمد الصراع". وقد بدأ نشاط الحركة فعليًا عندما نشرت بن حاييم دعوة للتظاهر عند المعبر احتجاجًا على استمرار إرسال المساعدات.
وفي هذا السياق، كشف تقرير لصحيفة ذا غارديان البريطانية، نُشر بتاريخ 21 مايو/أيار 2024، عن تعاون بين أفراد من الجيش الإسرائيلي ومجموعات من المستوطنين والناشطين اليمينيين. وأفاد التقرير، بناء على رسائل من مجموعات تواصل عبر الإنترنت، بأن جنودًا إسرائيليين يبلغون المستوطنين بمواقع شاحنات المساعدات المتجهة إلى غزة، مما يسهل عليهم اعتراض تلك القوافل وتخريب حمولتها. وقد أكدت راحيل تويتو، المتحدثة باسم "حركة الأمر 9"، صحة هذه المعلومات، فيما رفض جيش الاحتلال تأكيد ما نشرته صحيفة ذا غارديان من أن الجنود ينقلون المعلومات للمستوطنين لمهاجمة شاحنات المساعدات المتجهة لغزة، مدعيًا أنه يحقق في عدم حماية الجنود للشاحنات خلال هجوم المستوطنين عليها.

تُظهر هذه المعطيات حجم العقبات التي تواجهها قوافل المساعدات الإنسانية وهي في طريقها نحو غزة. تبدأ هذه العقبات عند بوابتي رفح والكرامة، حيث تتحكم إسرائيل بعدد الشاحنات المسموح لها بالعبور أو تغلق المعابر بالكامل. وحتى عندما تُمنح الشاحنات الإذن بالمرور، فإنها تواجه خطر اعتراضها وتخريب حمولتها من قبل المستوطنين، الذين يعملون بدعم من الجيش الإسرائيلي، وفي حال تمكنت الشاحنات من الوصول إلى محيط القطاع، تتكرر الدوامة نفسها، حيث يعود القرار إلى سلطات الاحتلال بفتح المعابر أو إغلاقها.
اقرأ/ي أيضًَا
بين العنف والتضليل: كيف يحرّف المستوطنون حقيقة الهجوم على دير جرير؟
























