باليوود غزة.. ادعاءات إسرائيلية بأنّ المشاهد الإنسانية من غزة "تمثيلية"
في ظل استمرار حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، تحوّلت منصات التواصل الاجتماعي إلى مسرح رئيسي لتنازع الروايات المتعلقة بالأحداث الميدانية، لا سيما تلك التي توثّق آثار القصف على المدنيين. في هذا السياق، لعل أبرزها ما يُعرف بـ"حملة باليوود" التي رافقت الحرب منذ أيامها الأولى، والتي تقوم على وصف المشاهد الإنسانية المصورة بأنها "مُفتعلة" أو "تمثيلية"، في محاولة للتشكيك في رواية الضحايا الفلسطينيين واعتبارها جزءًا من حرب نفسية تهدف إلى التأثير على الرأي العام الدولي.
في هذا الإطار، نشرت حسابات إسرائيلية وأخرى مؤيدة لها، مقطعين مصورين حققا انتشارًا واسعًا. الأول يُظهر طفلًا يحمل جثمان طفل آخر خلال تشييع ضحايا مجزرة عائلة مسعود، التي أسفرت عن مقتل 33 فردًا من العائلة. أما الثاني، فيوثّق لحظة إنقاذ طفل من تحت أنقاض منزل مدمر في مخيم النصيرات، بعد استهداف عائلة وشاح. وقد وُصف كلا المقطعين بأنهما "تمثيليان" و"مفبركان"، دون تقديم أي أدلة تدعم تلك المزاعم.
في المقال التالي يفنّد "مسبار" المزاعم المرتبطة بالمقطعين، ويستند إلى شهادات موثوقة ومصادر ميدانية للتحقق من الحقائق وتقديم السياق الكامل، ضمن سلسلة من التحقيقات التي ترصد أنماط التضليل الإعلامي المصاحبة للعدوان على غزة، وأثرها في إعادة تشكيل الإدراك العام تجاه الضحايا والرواية الفلسطينية.
تشكيك إسرائيلي في المشاهد الخارجة من قطاع غزة
في 23 سبتمبر/أيلول الجاري، رصد "مسبار" تداول عدد من الحسابات الإسرائيلية وأخرى مؤيدة لها على منصة إكس، مقطع فيديو التُقطه المتحدث باسم الدفاع المدني في قطاع غزة، محمود بصل، يُظهر طفلًا يحمل جثمان طفل آخر خلال تشييع ضحايا قصف إسرائيلي. وقد زعمت هذه الحسابات أن المشهد "مفبرك"، ويأتي في إطار ما تصفه بـ"باليوود"، في إشارة إلى إنتاجات تمثيلية حسب ادعائها. واستندت المزاعم بشكل أساسي إلى أن الطفل الظاهر في المقطع يحمل الجثمان بذراع واحدة، ما اعتُبر "غير واقعي" من وجهة نظرهم.
في سياق موازٍ، تداولت الحسابات، بتاريخ 24 سبتمبر، مقطع فيديو صوّره الصحفي مؤمن القريناري، يُظهر لحظة إنقاذ طفل من تحت أنقاض منزل تعرض للقصف في قطاع غزة. وادّعت تلك الحسابات أن المقطع يُستخدم لأغراض "دعائية".
حظي هذا الادعاء بانتشار واسع، إذ أعيد تداوله على نطاق كبير، وتجاوزت مشاهدات الفيديو حاجز المليون مشاهدة خلال فترة وجيزة، ما يعكس مدى اتساع تأثير الحملات المنظمة التي تُروّج لمثل هذه المزاعم.
شهادات ميدانية ومقاطع موثقة تدحض مزاعم التزييف
تواصل "مسبار" مع المتحدث باسم الدفاع المدني في قطاع غزة، محمود بصل، الذي أوضح أن الطفل الذي يظهر في مقطع الفيديو هو أحد ضحايا القصف الإسرائيلي الذي استهدف حي الدرج في مدينة غزة، ضمن مجزرة أدّت إلى استشهاد أكثر من 30 شخصًا من ثلاث عائلات، أبرزها عائلتا طه ومسعود، والتي مُسحت بعض منازلها بالكامل نتيجة القصف.
وأضاف بصل أن جثمان الطفل بقي تحت الأنقاض لمدة خمسة أيام، قبل أن يتمكن عمه من انتشاله. وأشار إلى أن الجسد بعد هذه المدة يكون قد دخل في مرحلة التيبّس (التحلل الجاف)، ما يفسر الوضعية التي ظهر بها خلال التكفين والحمل. وأوضح أن الطفل نُقل بعد انتشاله إلى مستشفى المعمداني، حيث جرت محاولة لتكفينه، لكنها لم تكتمل بسبب تصلّب الجثمان، موضحًا أن تكفينه بشكل كامل كان سيتطلب كسر العظام، وهو أمر لم يتم اللجوء إليه.
وبحسب بصل، فإن الطفل الذي حمل الجثمان في الفيديو هو ابن عم الشهيد وصديقه المقرّب، وقد أصرّ على المشاركة في حمله ووداعه، وهو ما يفسّر المشهد الظاهر في المقطع المتداول.
وكان بصل قد نشر مقطع الفيديو عبر حسابه على منصة انستغرام بتاريخ 23 سبتمبر، مرفقًا بالنص التالي "في غزة، لم يعد الطفل يحمل لعبته، بل صار يحمل ابن عمه الشهيد على ذراعيه الصغيرتين، متجهًا إلى المقبرة، إنها مجزرة عائلة مسعود، التي أُبيد فيها 33 إنسان، ولم يبقَ منها سوى رجل وطفله الصغير. وحدهما جاءا ليدفنا آخر ما تبقى من دمهم، بينما يحمل الطفل جسد ابن عمه الذي لم يعرف من الدنيا سوى رعب الحرب ووداع القبور أي قلب يحتمل أن يرى طفلًا يشيّع طفلًا؟ وأي ضمير يمكن أن يصمت أمام عائلات تُمحى كاملة من السجلات، وتُدفن في حفرة واحدة تحت تراب غزة".

أوضح مصوّر مقطع الفيديو مؤمن القريناوي لمسبار، أنه وثّق المشهد ونشره عبر حسابه بتاريخ الخامس من ديسمبر/كانون الأول 2024.
وأوضح القريناوي أن الطفل الذي يظهر في الفيديو يبلغ من العمر نحو 15 عامًا، وينتمي إلى عائلة مقداد، وقد صُوّر المشهد عقب استهداف جيش الاحتلال الإسرائيلي لمنزل عائلة وشاح في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة. وأسفر القصف حينها عن سقوط عدد من الشهداء والجرحى، وكان الطفل من بين المصابين.
ووفقًا للقريناوي، فإن الفيديو يوثّق لحظة إنقاذ الطفل من تحت الأنقاض، وقد كان مصابًا في رأسه نتيجة القصف. كما أشار إلى أن الطفل ذاته سبق أن تعرّض لإصابة في الرأس خلال حرب سابقة على غزة، قبل أن يُصاب مرة أخرى خلال الحرب الجارية بإصابتين: إحداهما في الرأس، والأخرى في الجسد.
وقد زوّد القريناوي مسبار بصورة للطفل التُقطت بعد ثلاثة أيام من الحادثة، وتُظهر الإصابة بوضوح في رأسه، في تأكيد على أن المشهد حقيقي ولا يتضمن أي فبركة كما زعمت الحسابات المروّجة لحملة "باليوود".

تحذيرات متصاعدة من كارثة إنسانية تطاول أطفال غزة
خلال جلسات رسمية في الأمم المتحدة عقدت في سبتمبر/أيلول الجاري، حذّر مسؤولون أمميون من تفاقم الكارثة الإنسانية التي يواجهها الأطفال في قطاع غزة، ففي 24 سبتمبر، وصف توم فليتشر، وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية، الوضع في غزة بأنه تجريد كامل من الإنسانية، مشيرًا إلى أن الأطفال "قُصفوا، وبُترت أطرافهم، وجُوّعوا، ودُفنوا تحت الأنقاض، وقُتلوا أثناء النوم واللعب وطلب الطعام أو العلاج". ودعا إلى تنفيذ التدابير المؤقتة الصادرة عن محكمة العدل الدولية، والتي تُلزم إسرائيل بتسهيل إيصال الخدمات الأساسية والمساعدات، كما دعا إلى إطلاق سراح الرهائن المحتجزين منذ 7 أكتوبر.
وفي 22 سبتمبر، قالت أنالينا بيربوك، رئيسة الجمعية العامة للأمم المتحدة، إن "القتل والرعب" أصبحا واقعًا يوميًا لأطفال غزة منذ أكثر من 700 يوم، مطالبة بوقف إطلاق النار، وتسهيل دخول المساعدات، والإفراج عن المحتجزين. كما أكدت أن "العالم خذل الطفلة هند رجب"، في إشارة إلى قضيتها التي أثارت تعاطفًا دوليًا.
أما في 12 سبتمبر، فقد حذّر المدير الإقليمي لـ"اليونيسف" في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إدوارد بيجبيدر، من كارثة تهدد أكثر من 450 ألف طفل في غزة، مشيرًا إلى تفاقم المجاعة وسوء التغذية والانهيار الصحي، وأوضح أن أكثر من 2,400 طفل مهددون بالموت جوعًا. واختتم قائلًا "أكثر من 50 ألف طفل قُتلوا أو جُرحوا خلال أقل من عامين. كم طفلًا آخر يجب أن يُفقد قبل أن يتحرك العالم؟".
انتهاكات إسرائيلية مستمرة بحق أطفال غزة
في بيان صادر بتاريخ 24 سبتمبر/أيلول 2025، حذّرت لجنة الإنقاذ الدولية (IRC) من التدهور الخطير في أوضاع الأطفال في قطاع غزة، مشيرة إلى أنهم يتحملون العبء الأكبر من الحرب المستمرة، مع تفاقم مستويات الجوع والإصابات الجسدية والنفسية.
أشار التقرير إلى ارتفاع بنسبة 48% في حالات حماية الطفل خلال الأسابيع الأخيرة، مع تزايد الإصابات الخطيرة في صفوف الأطفال، خاصةً بسبب الشظايا، ما أدى إلى ارتفاع حالات بتر الأطراف. وتُسجّل غزة حاليًا أعلى معدل عالمي للأطفال مبتوري الأطراف، إذ يُقدَّر عددهم بنحو 4,000 طفل منذ بداية الحرب.
إلى جانب الإصابات الجسدية، يعاني الأطفال من أزمات نفسية شديدة، تشمل الكوابيس، الصمت، العزلة، والقلق. كما ظهرت أنماط سلوكية مقلقة، منها عمالة الأطفال، التسول، والنهب، في حين يحاول آخرون التأقلم من خلال الرسم، اللعب، والمشاركة في الأنشطة الجماعية.
وفي تقييم أجرته اللجنة على 469 عائلة نازحة في غزة ودير البلح وخانيونس، تبيّن أن طفلًا من كل ثلاثة دون سن الثالثة لم يتناول أي طعام خلال الـ24 ساعة السابقة. كما أبلغت 74% من العائلات التي لديها أطفال دون سن الخامسة عن ظهور علامات واضحة على سوء التغذية. وتشير البيانات إلى أن فقط، 1% من الأسر في غزة تُعدّ آمنة غذائيًا.
ووفقًا لأحدث إحصائية نشرتها وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة، بتاريخ 26 سبتمبر، فقد أعلنت أن المستشفيات استقبلت خلال الـ24 ساعة الفائتة 47 شهيدًا و142 إصابة جديدة. وأشارت الوزارة إلى أن عددًا من الضحايا ما يزالون تحت الأنقاض وفي الطرقات، في ظل عجز طواقم الإسعاف والدفاع المدني عن الوصول إليهم حتى اللحظة. وبذلك، ارتفعت حصيلة الشهداء منذ بدء العدوان في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، إلى 65,549، و167,518 إصابة. كما أوضحت أن عدد الضحايا منذ 18 مارس/آذار 2025 حتى اليوم بلغ 12,956، إلى جانب 55,477 إصابة.
تشكيك إسرائيلي في مشاهد الأطفال في قطاع غزة
منذ بداية العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، رافقت حملة دعائية ممنهجة تهدف إلى التشكيك في صدقية التوثيقات الميدانية لمعاناة المدنيين، خاصة الأطفال. استخدمت حسابات إسرائيلية ومؤيدة لها مصطلح "باليوود" لتصوير مشاهد إصابات الأطفال على أنها مفبركة أو مسرحيات تهدف إلى استدرار التعاطف الدولي.
في سبتمبر الجاري، تداولت هذه الحسابات مقطع فيديو يظهر إصابة الطفلة لانا البسوس، مدعية أنه مشهد مفبرك وغير حقيقي، مستندة إلى تفاصيل سطحية مثل غياب الدم ووضوح الرصاصة.
لكن مسبار تواصل مع المصوّر الصحفي مصطفى عبد الجاسر، ملتقط الفيديو، الذي أكد أن لانا، البالغة من العمر خمس سنوات، أُصيبت برصاصة في رأسها في 25 يوليو الماضي أثناء تواجدها قرب نقطة توزيع مساعدات في تل الهوى. نُقلت الطفلة فوراً إلى مستشفى السرايا الميداني حيث أُجريت لها عملية جراحية بسيطة لاستخراج الرصاصة التي ظلت عالقة بين عظام الجمجمة وفروة الرأس.
وأوضحت والدة لانا في مقابلة إعلامية أن الرصاصة كانت على بُعد مليمترات قليلة من مركز الأعصاب، ما كان يمكن أن يؤدي إلى وفاة أو شلل دائم، مؤكدة أن الطفلة نجت بأعجوبة وأنها الآن بحالة صحية مستقرة.
هذا التوثيق يؤكد صحة الحادثة وينفي الادعاءات المزيفة التي حاولت التشكيك في معاناة الطفلة لانا البسوس.
اقرأ/ي أيضًا
حسابات داعمة لإسرائيل تشكك في إصابة الطفلة لانا البسوس
باليوود غزة: بروباغندا إسرائيلية تتهم الفلسطينيين بفبركة مشاهد تجويعهم






















