التذرع بالتضليل المعلوماتي.. آلية يستخدمها سياسيون للتهرب من المسؤولية
التشكيك في المصادر المتوفرة ضمن البيئة الرقمية يشوبه الشك يوميًا، خاصة مع زيادة انتشار المحتوى الزائف والمولّد بالذكاء الاصطناعي على الإنترنت، وعليه كشفت بيئة المعلومات المضللة عن ظاهرة جديدة يصفها الباحثون باسم "عائد الكاذب liar’s dividend".
كيف تؤثر ظاهرة عائد الكاذب على بيئة التضليل المعلوماتي؟
لا تقتصر هذه الظاهرة على انتشار التضليل فحسب، بل تعبّر عن أثر عكسي أعمق، إذ يستغل المضلل وعي الجمهور بوجود محتوى كبير على الإنترنت مولّد بالذكاء الاصطناعي، ليقوّض من الأدلة الموجهة ضده.
ووفقًا لأبحاث أكاديمية، تمثل الظاهرة أحد أكثر الانعكاسات خطورة في عصر التضليل المعلوماتي والتزييف العميق، لأنه يضعف قدرة المجتمعات على التمييز بين الصدق والإنكار، ويُهدد فكرة الحقيقة نفسها.
يظهر المصطلح في دراسة أكاديمية منشورة في مجلة American Political Science Review التابعة لجامعة كامبريدج، في إبريل/نيسان عام 2024، بعنوان "?The Liar’s Dividend: Can Politicians Claim Misinformation to Evade Accountability" أي "عائد الكاذب: هل بإمكان السياسيين الادعاء بأن الأدلة مضللة ليتملصوا من المساءلة؟"، والتي عمل عليها كل من الباحث كايلين جاكسون شيف من جامعة بوردو، ودانييل إس. شيف من جامعة بيرمنغهام، وناتاليا إس. بوينو من جامعة إيموري.

إذ اختبر الفريق البحثي في سلسلة من التجارب الاستقصائية على آلاف المشاركين في الولايات المتحدة الأميركية كيف يمكن للسياسيين استخدام الادعاء بوجود معلومات مضللة كوسيلة للهروب من المساءلة. وخلصت النتائج إلى أن الادعاء بأن الأدلة "مزيفة" قد يمنح السياسيين مكسبًا جماهيريًا، أي "عائدًا سياسيًا"، بدل أن يضرّهم كما هو متوقع.
وتوضح الدراسة أن الظاهرة تقوم على آلية مزدوجة: الأولى هي زرع الشك المعلوماتي، عبر إثارة تساؤلات حول إمكانية تزوير أي دليل رقمي أو تسجيل مرئي، والثانية هي تعبئة القاعدة المؤيدة، حيث يُصوَّر الاتهام باعتباره حملة عدائية أو مؤامرة من الخصوم. ووجد الباحثون أن هذا الأسلوب أكثر فاعلية حين يواجه السياسي تقارير نصية أو مكتوبة يسهل التشكيك بها، بينما تتراجع فعاليته أمام الأدلة الموثقة بصريًا أو مقاطع الفيديو الأصلية التي يسهل التحقق من مصدرها وسلسلة تداولها.

بحسب الدراسة، فإن الذين استُطلعت آراؤهم تفاعلوا مع الإنكار المصحوب بادعاء "الفبركة"، بدرجة تعاطف أعلى من الذين تلقّوا إنكارًا بسيطًا أو اعتذارًا. وبذلك، فإن إنكار الحقيقة مع التشكيك في أدوات التحقق يُحدث تأثيرًا نفسيًّا مزدوجًا لدى الجمهور، فهو من جهة يُضعف الثقة في المصدر، ومن جهة أخرى يمنح المتهم هامشًا أخلاقيًا للهروب من النقد، بدعوى أن الحقيقة نفسها أصبحت موضع نزاع.
تظهر خطورة الظاهرة حين تُستخدم في بيئة إعلامية مشبعة بالمعلومات المتناقضة، إذ يصبح من السهل على أي فاعل سياسي أو مؤثر أن يدّعي أن الأدلة ضده "مفبركة" أو "مولّدة بالذكاء الاصطناعي". ويرى الباحثون أن هذا الاتجاه يمكن أن يحوّل الوعي بوجود التضليل إلى أداة تضليل جديدة. فحين يدرك الجمهور أن هناك محتوى زائفًا متداولًا، يبدأ بالشك في كل محتوى، حتى الحقيقي منه، ما يمنح المضللين حماية غير مباشرة تحت غطاء التشكيك العام.
وفي السياق ذاته، نشرت مؤسسة Brennan Center for Justice الأميركية تقريرًا عام 2023، تناول فيه باحثو المركز العلاقة بين تزايد تقنيات التزييف العميق وبين اتساع ظاهرة عائد الكاذب. وأشار التقرير إلى أن ارتفاع الوعي المجتمعي بوجود مقاطع فيديو وصور مفبركة، يُمكّن المتهمين من الادعاء بأن الأدلة الموثقة ضدهم "نتاج تزييف عميق"، حتى إن لم يكن الأمر كذلك فعلًا.

وحسب التقرير، يقول الأستاذ دون فاليس، بجامعة نورث إيسترن، أنه قد يصبح "مجرد تصديق أن ما يُظهره مقطع فيديو قد حدث بالفعل، أمرًا غير مسؤول معرفيًا". بمعنى آخر، قد يجد الأفراد أنفسهم يتساءلون بطبيعتهم عما إذا كانت الأحداث التي يرونها في مقطع فيديو قد حدثت بالفعل، ما قد يُضعف استيعابهم للمعلومات الجديدة (الحقيقية).
ووفقًا لتقارير حديثة حول الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، فإن "مجرد احتمال تداول محتوى الذكاء الاصطناعي يدفع الناس إلى رفض الصور والمشاهد والمقاطع الصوتية الأصلية باعتبارها غير أصلية".
وفي تقرير آخر نشره معهد بروكينغز الأميركي، في يناير/كانون الثاني 2024، بعنوان "Watch Out for False Claims of Deepfakes and Actual Deepfakes This Election Year"، حذّر خبراء الإعلام والسياسة الرقمية من أن الخطر لم يعد مقتصرًا على المحتوى الزائف نفسه، بل على الادعاء الزائف بوجود تزييف.
وأشار التقرير إلى أن هذا النوع من الدفاع قد يصبح أحد أبرز أسلحة الحملات الانتخابية في مواجهة الصحافة أو التحقيقات، إذ يتيح للمرشحين المشكوك فيهم، الادعاء بأن أي تسجيل أو صورة "من إنتاج الذكاء الاصطناعي"، ما يربك الرأي العام ويقوّض المحاسبة.

تحديات جديدة لمدققي المعلومات مع انتشار ظواهر حديثة
من جهتهم، يرى الباحثون أن ظاهرة "عائد الكاذب" لن تختفي مع تطور أدوات التحقق، بل ستستمر في التحوّل كلما تغيّرت أشكال التضليل. فحين يصبح من السهل اكتشاف التزييف العميق، قد ينتقل المضللون إلى تبرير إنكارهم بطرق أكثر تعقيدًا، مثل الادعاء بوجود "تحرير جزئي" أو "سياق مفقود"، ما يجعل مهمة التحقق من الحقيقة أكثر تحديًا. لذلك، يوصي الخبراء بأن يتعامل الإعلاميون ومؤسسات التحقق مع هذه الظاهرة باعتبارها مرحلة متقدمة من التضليل، تستهدف الثقة نفسها أكثر مما تستهدف المعلومة.
ومن الناحية الاجتماعية، يحذّر باحثو الظاهرة من أن هذا النمط يجعل الأفراد أقل رغبة في التحقق من الأخبار، وأكثر ميلًا إلى رفض كل ما يُثير الجدل. كما أن أثر "عائد الكاذب" لا يقف عند الحدود السياسية، بل يمتد إلى مجالات العدالة والإعلام والأمن الرقمي، حيث يمكن أن يستخدمه أفراد أو جهات للتشكيك في الوثائق أو التسجيلات، بحجة احتمال التلاعب بها رقميًا.
اقرأ/ي أيضًا
كيف يستغل إيتان فيشبرغر أدوات المصادر المفتوحة للتضليل وخدمة البروباغندا الإسرائيلية؟
دراسة تحذر من دور اليمين المتطرف في عرقلة جهود مكافحة التضليل




















