تحدي الحقيقة كفوز رمزي.. دوافع التمسك بالأكاذيب من منظور علم النفس الاجتماعي
كشفت دراسة جديدة نُشرت في مجلة علم النفس الاجتماعي (Journal of Social Psychology)، أن بعض الأشخاص يرون في تبني الأكاذيب المعروفة انتصارًا رمزيًا، حتى عندما تكون هذه الادعاءات قابلة للدحض بسهولة.
ويقول معدو الدراسة، وهم باحثون في علم النفس السياسي والاجتماعي، إنهم أجروا خلال جائحة كورونا استطلاعًا شمل 5,535 مشاركًا من ثماني دول مختلفة بهدف معرفة الأسباب النفسية التي جعلت البعض يصدقون المعلومات المضللة حول الجائحة، مثل الادعاء الزائف بأن شبكات الجيل الخامس (5G) تسببت في انتشار الفايروس.
وخلصت النتائج إلى أن أقوى عامل يفسر ميل الأشخاص إلى تصديق مثل هذه المزاعم لم يكن مدى خوفهم من الفايروس، ولا توجههم السياسي، ولا حتى طريقة تفكيرهم، بل مدى رؤيتهم لمسألة الوقاية من كورونا بوصفها مسألة رمزية تتعلق بالقوة أو الضعف.
بمعنى آخر، فهؤلاء الأشخاص لم يعتقدوا أن الالتزام بإجراءات الوقاية هو تصرف صحي، بل مؤشر على الخضوع أو التراجع أمام سلطة خارجية. واعتبروا أن رفض هذه الإجراءات يُعبر عن التحدي والاستقلالية الشخصية.
منطق "الانتصار الرمزي"
قاس الباحثون هذا الميل من خلال مجموعة من العبارات، مثل "اتباع إرشادات الوقاية من فايروس كورونا، يعني أنك تراجعت"، و"التغطية الإعلامية المستمرة للفايروس، كدليل على أننا نخسر".
ومن خلال ردود المشاركين، لاحظ الباحثون أن الذين وافقوا على هذه العبارات كانوا أكثر ميلًا إلى تبني المعلومات المضللة، لأنهم يشعرون بأن تحدي الحقائق بحد ذاته يمثل "فوزًا" على ما يعتبرونه "خصومًا" أو "مؤثرين خارجيين".
وهؤلاء لا ينظرون إلى القضايا من منظور واقعي، بل من منظور رمزي، فالتمسك بموقف غير صحيح يصبح وسيلة لإظهار الاستقلال النفسي والصلابة في الرأي.
ويشير الباحثون إلى أن أصحاب هذا التفكير يقدمون الاستقلال الرمزي على الحقيقة الواقعية. وبالنسبة لهم، رفض التأثير الخارجي أهم من صحة المعلومة ذاتها. وكلما كانت الادعاءات أسهل في دحضها، زاد شعورهم بالقوة عند تبنيها، لأن ذلك يُظهر مدى استعدادهم للتمرد على "الواقع المفروض".
وفي هذا السياق، تصبح قضايا مثل ارتداء الكمامة أو الحصول على اللقاح رموزًا للضعف، وليست إجراءات طبية تهدف للحماية. وعلى الرغم من أن هذا الموقف يُعد متطرفًا، فإن نسبة محدودة من المشاركين أظهرت هذا النمط الذهني، إلا أنهم كانوا الأكثر عرضة للإيمان بالمعلومات الزائفة ونظريات المؤامرة.
كما لاحظ الباحثون أن هذا النمط الذهني يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالاتجاهات السلطوية، مثل الاعتقاد بضرورة هيمنة مجموعات معينة على غيرها، أو تفضيل الحكم الاستبدادي على الديمقراطية. ويرى الباحثون أن هذا يفسر لماذا يستخدم بعض القادة الأقوياء المعلومات المضللة كأداة رمزية للسيطرة والإقناع، إذ توظف الأكاذيب لتعزيز صورة القائد القوي الذي لا يتراجع أمام أحد.
مواجهة المعلومات المضللة ليست كافية
تؤكد نتائج البحث أن محاولة دحض المعلومات الزائفة مباشرةً ليست دائمًا فعالة، لأن بعض الأشخاص لا يهتمون بالحقيقة الموضوعية أصلًا. وبالنسبة لمن يتبنى التفكير الرمزي، فإن كشف الخطأ لا يُضعف الادعاء، بل يُظهر ضعف من يقوم بالتصحيح لأنه يتفاعل ويرد.
ويضرب الباحثون مثالًا بتصريح الرئيس الأميركي دونالد ترامب في أغسطس/آب 2025، حين قال خطأً إن معدلات الجريمة في واشنطن العاصمة بلغت أعلى مستوى في التاريخ.
ورغم سيل من التقارير التي فندت هذا الادعاء بالأرقام، إلا أن البعض استمر في تصديقه، لأن التمسك بالخطأ ذاته أصبح رسالة تحدٍ رمزية أكثر من كونه نقاشًا حول الواقع.
ويشير الباحثون إلى أن الأشخاص الذين يتبنون هذا الأسلوب في التفكير يمكن أن يبرروا تقريبًا أي تصريح أو فكرة، مهما كانت سخيفة أو غير منطقية. فكلما كان الادعاء أكثر غرابة أو وضوحًا في خطئه، زادت قوة الشخص في نظر نفسه عند الدفاع عنه.
ولهذا السبب، قد يبدو السلوك الاستفزازي على الإنترنت أو نشر الأكاذيب عمدًا، بالنسبة للبعض، تعبيرًا عن الأصالة والشجاعة وليس عن التضليل.
ويرى الباحثون أن هذا النمط يرتبط أيضًا بالتوجهات السلطوية، حيث يميل الأفراد إلى تقديس القادة الذين يقدمون صورة رمزية للقوة حتى وإن خالفوا الواقع. ومن هنا، فإن الأكاذيب التي يطلقها بعض القادة قد لا تكون مجرد أخطاء، بل استراتيجيات رمزية تهدف إلى اختبار الولاء والسيطرة على الجمهور.
التضليل والمناورات السياسية
وفي خاتمة الدراسة، يشير الباحثون إلى احتمال أن تكون الاعتقادات الرمزية غير الصحيحة مفيدة في بعض السياقات، مثل اختبار الولاء أو المناورة السياسية، أو حتى في بناء صورة زائفة يمكن تحويلها إلى واقع لاحقًا عبر تكرارها وترويجها المستمر.
ويستشهد الباحثون بالمُنظر السياسي موراي إدلمان (Murray Edelman)، الذي أوضح أن الساسة غالبًا ما يفضلون تحقيق انتصارات رمزية بدلًا من إنجازات حقيقية، لأن الرمزية أسهل وأسرع تأثيرًا في الجمهور.
فعندما يعجز القادة عن تقديم نتائج ملموسة، يلجؤون إلى الرموز والشعارات لإعطاء انطباع بالقوة والسيطرة، حتى وإن كانت الحقائق على الأرض تقول غير ذلك.
اقرأ/ي أيضًا
أبرز العيوب البصرية والصوتية التي تتسم بها المشاهد المولدة بالذكاء الاصطناعي
ما حقيقة الادعاءات المنتشرة حول أدوية الكوليسترول على منصة إكس؟




















