جماعات مجهولة وأفراد ملثمون.. توظيف المنصات الرقمية لبث الذعر وتهديد السلم الأهلي في سوريا
أصبحت مجهولية الهوية (Anonymity)، ظاهرة مألوفة في سياق الحروب والصراعات، إذ يلجأ أفراد أو جماعات إلى إخفاء هوياتهم عند القيام بأعمال معينة، كالهجمات الميدانية أو العمليات الأمنية وصولًا للحملات الإعلامية أو التحريضية. يُوظَّف هذا الغموض أحيانًا كأداة نفسية وتكتيكية لبث الرعب وإرباك الخصوم، كونه قد يجنّب تحمل المسؤولية المباشرة.
حديثًا برز التضليل الذي يعتمد على إنتاج فاعلين مجهولين يصعب التثبّت من وجودهم أصلًا. جماعات تُصدر بيانات تهديد، أو حسابات رقمية تنشر مقاطع مفبركة، أو مسلحين ملثّمين يتحركون بلا هوية واضحة.
يفكك تحقيق مسبار منطق المجهولية كسلاحٍ نفسي وتكتيكي في التضليل، ويوضح كيف يُستخدم القناع لخلق واقع إعلامي موازٍ؟ وكيف تترسخ سرديات الرعب الزائفة، أسرع من سرديات الحقيقة.
الغموض كسلاح نفسي وتكتيكي في النزاع السوري
يُعدّ الخوف من المجهول من أعمق المخاوف الإنسانية، فغياب هوية الخصم يزرع الشك ويبدّد الإحساس بالأمان. فعندما تتحرك جماعات أو أفراد في الظل، من دون أسماء أو ملامح، يتحول الخطر إلى مصدر دائم للتوجّس، ويصبح من الصعب معرفة من يقف وراءه أو محاسبته.
ما بعد سقوط نظام بشار الأسد، تداخلت مجهولية الهوية مع التضليل الإعلامي، لتشكّل بنية جديدة للذعر، فالمجتمع المنهك من الحرب والانقسامات بات أكثر قابلية لتصديق أي تهديد مجهول المصدر. ومع تداخل ذاكرة الحرب، والانتهاكات التي شهدتها مناطق مثل الساحل السوري ومدينة السويداء مؤخرًا، ربما أصبح كثيرون مستعدين نفسيًا لتصديق الأسوأ.
في 14 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، انتشر في عشرات الصفحات والحسابات على مواقع التواصل، مقطع فيديو يُظهر أربعة أشخاص ملثّمين ومسلحين قدّموا أنفسهم على أنهم ينتمون إلى "جماعة جهادية" تأسست حديثًا وتنطلق مما سمّته "إمارة حمص"، متوعّدة بـ "تحكيم شرع الله"، عبر تنفيذ هجمات انتقامية.
ظهر الأشخاص في المقطع مجهولي الهوية بالكامل، واكتفوا بإطلاق تهديدات مفتوحة ضد الأقليات في سوريا، متوعّدين بـ"حملات قتل وتصفية". لم تُعرّف الجماعة عن نفسها، ولم يُعرف لمن تتبع، ولا من هم الأشخاص الذين ظهروا في التسجيل أو متى وأين صُوّر، ما جعل الفيديو نموذجًا مثاليًا لاستخدام المجهولية كوسيلة لبث الرعب والتشويش في مرحلة يسودها الخوف وانعدام اليقين.
أصبح هذا الأسلوب شائعًا على نحو متزايد في سوريا، ففي يونيو/حزيران 2025، ظهرت جماعة تُسمّي نفسها "سرايا أنصار السنة". الجماعة برزت فجأة عبر قناة على تطبيق تليغرام، وكانت قد أعلنت مسؤوليتها عن تفجير كنيسة مار إلياس في دمشق، الذي أودى بحياة 25 شخصًا، لكنها لم تقدّم أي دليل مادي أو بصري يدعم روايتها، مكتفية ببيان إلكتروني ذكرت فيه اسمًا حركيًا للمنفّذ، وبدأت الجماعة عقب التفجير ببث بيانات انتقامية متفرقة على وسائل التواصل الاجتماعي.
منشورات ورقية مجهولة تغذي الخطاب الطائفي في الشارع السوري
إلى جانب البيانات على تليغرام، ظهرت في شوارع بعض المدن السورية منشورات ورقية تحمل اسم جماعة أخرى تُعرّف عن نفسها بـ"لواء السنة". لم يتّضح ما إذا كانت هذه التسمية مرتبطة فعلًا بـ"سرايا أنصار السنة"، أو أنها واجهة منفصلة تحمل ذات الخطاب الطائفي، لكن المحتوى كان واحدًا: دعوات لتدمير دور العبادة التابعة للأقليات، وتحريض على أعمال قتل وتصفية.
إن الجمع بين الحضور الرقمي والانتشار الميداني قد يعطي انطباعًا لدى كثيرين بأن ثمة قوة فعلية على الأرض تتبع لها هذه الجماعات، رغم غموض أصولها وعدم وجود أدلة مؤكدة على بنية تنظيمية حقيقية تدعم مزاعمها.
عاودت جماعات أخرى مجهولة الهوية نشاطها في عدد من المدن السورية، من خلال رمي منشورات ورقية أمام الكنائس وفي الأحياء التي يقطنها علويون ومسيحيون، وغيرهم من أبناء الأقليات. احتوت هذه المنشورات على تهديدات مباشرة ذات طابع ديني وطائفي تستهدف سكان تلك المناطق. ففي يونيو/حزيران الفائت، وزّعت جماعة لم تُعرّف عن نفسها، منشورات في ريف حمص الغربي تضمنت عبارات تهديد بالذبح للعلويين ودعوات لهم إلى مغادرة قراهم. وبعد ذلك بشهر، أقدمت جماعة أخرى مجهولة على إلصاق منشورات أمام إحدى الكنائس في مدينة طرطوس تدعو المسيحيين إلى اعتناق الإسلام أو دفع الجزية.
وفي أواخر عام 2024، تناقلت منصات التواصل الاجتماعي مقطعًا يُظهر ما قيل إنهم أفراد من "عشائر سنّية"، يهددون الطائفة العلوية بالثأر في الساحل السوري. حصد الفيديو عشرات آلاف المشاهدات خلال ساعات، وأثار موجة ذعر حقيقية من احتمال اندلاع توترات طائفية. بدا الفيديو وكأنه تهديد صريح من جماعة مجهولة، ليكشف مسبار في تحقيق أن الفيديو قديم وأعيد توظيفه في سياق مختلف، إذ تم تحرير الفيديو وإضافة أصوات تحريضية إليه، ربما بدوافع تأجيج الفتنة.
يرى خبراء في الأمن السيبراني أن جماعات مثل "سرايا أنصار السنة"، تُجسّد منطق التنظيمات المجهولة التي تصنع وجودها من خلال الخوف لا من خلال القوة الفعلية. فهي تستغل هشاشة الوضع الأمني وغياب المعلومات الموثوقة لتغذية الرعب الجماعي، وتضخيم حضورها الرمزي في الفضاء العام. ومع كل بيان أو تسجيل جديد، تُعيد إنتاج نفسها كتهديدٍ محتمل، حتى وإن كانت تفتقر لأي وجود ميداني حقيقي.
بهذه الطريقة، تتحول إلى نموذج واضح لظاهرة التضليل المبني على المجهولية. إذ يكفي قناع، وبيان غامض، وساعة من الانتشار على الإنترنت، لتصبح المجموعة الرقمية كيانًا يُخشى منه، وتتحول الرسالة المصوّرة إلى أداة فعّالة لزعزعة السلم الأهلي.
بيان واحد يكفي: كيف يختفي صانعو الذعر بعد إنجاز مهمتهم؟
بات نمط إطلاق بيانات لجماعات مجهولة ثم اختفاؤها المفاجئ، سمة متكرّرة مؤخرًا في سوريا. فالسؤال الذي يطرح نفسه: أين تختفي هذه الجماعات، ولماذا؟ أليست التنظيمات الحقيقية عادة ذات تاريخ أو بنية واضحة؟
في الواقع يلاحظ أن كثير من هذه الجماعات لا تقوم على قاعدة عسكرية راسخة، بل على بناء وجود إعلامي مؤقت يُنتج أثرًا نفسيًا سريعًا، خوف، صدمة، تعبئة بأقل تكلفة ومخاطرة على مروّجيه.
بحسب مراجعات أجراها مشروع مكافحة التطرّف (Counter Extremism Project)، يعتمد هذا النمط على مبدأ بسيط: كلما كان الاختفاء أسرع أو تغيّر الاسم أسرع، أصبحت الملاحقة وتعقب التفاصيل أصعب، بينما تكون الرسالة قد أنجزت هدفها بالفعل: بثّ الخوف أو التحريض بين جمهور محلي.
يوفر هذا الأسلوب أيضًا نوعًا من "الاختبار الميداني" للمحتوى، إذ تطلق الجماعة مقطعًا أو بيانًا يستهدف فئة معينة، ثم تراقب ردود الفعل. فإذا لاقى انتشارًا واسعًا، تعيد الظهور تحت الاسم ذاته أو باسم جديد بأسلوب أكثر حدّة. أمّا إذا فشل في إثارة التفاعل، تختفي الجماعة ببساطة كما ظهرت.
ويشير تقرير المشروع، إلى أن هذا النمط لا يقتصر على سوريا، إذ تبنّت جماعات هامشية في دول عدّة مؤخرًا الأسلوب نفسه، معتمدة على قنوات مشفّرة وصفحات مؤقتة على "تليغرام" ومنصّات بديلة لبثّ بيانات منسوبة إلى "كتائب" أو "ألوية" مجهولة. هذه الحسابات تظهر فجأة، وتختفي بالسرعة نفسها، أو تعود بأسماء جديدة بعد أيام أو أسابيع، والنتيجة واحدة في كل مرة، ظهور إعلامي مؤقت يثير القلق العام، ثم يختفي قبل أن تتضح حقيقته أو يُحدَّد مصدره.
ففي العراق برزت جماعة تُطلق على نفسها اسم "أصحاب الكهف"، كإحدى أبرز النماذج على ظاهرة الجماعات المجهولة التي تعتمد على البيانات الرقمية لتضخيم حضورها. ظهرت الجماعة عبر قناة على تطبيق تليغرام مطلع عام 2020، وبدأت بإصدار بيانات تبنٍّ لعمليات ضد القوات الأميركية وقوافل الدعم اللوجستي، من دون أن تقدم أي أدلة ميدانية أو صور توثّق تلك الهجمات.
بحسب دراسات صادرة عن منصة Militia Spotlight، التابعة لمعهد واشنطن، فإن الجماعة تُعتبر واجهة إعلامية لفصائل مسلّحة أخرى، تُستخدم لتبنّي عمليات محددة أو لإرسال رسائل سياسية، ثم تختفي أو تُعيد الظهور باسم مختلف. بياناتها غالبًا ما تأتي بإخراج مسرحي وشعارات متقاربة، ما يمنحها مظهر التنظيم القوي، بينما تفتقر إلى وجود فعلي على الأرض.
استغلال الجماعات المجهولة للمظهر الرسمي لعناصر الأمن الملثّمين
ثمة بُعد أكثر خطورة في المشهد السوري، ففي بيئة بات فيها الملثمّون جزءًا من المشهد الأمني اليومي، أصبح من السهل على الجماعات المجهولة تقليد مظهر الشرعية. فالقناع نفسه يمنح أي فاعل مجهول شكلًا من الصدقية لدى الجمهور، إذ كلما تشابهت الصورة مع ما يراه الناس في الشارع، مثل زيّ شبه عسكري، لغة دينية، أو لهجة حازمة، زاد احتمال تصديق الرسالة قبل التحقق منها.
بعد سقوط النظام، شكّلت قوات الأمن العام السوري الجديد حضورًا ميدانيًا واسعًا، وظهر بعض عناصرها ملثّمين خلال الدوريات والعمليات الأمنية، لأسباب قالت جهات رسمية إنها تتعلق بالسلامة والسرية. ومع الوقت، أصبح القناع مشهدًا مألوفًا للسكان، ما خلق منطقة رمادية بين الأمن الحقيقي والجهات المجهولة.

هذا الواقع ربما منح الجماعات المجهولة فرصة لاستغلال رمزية القناع الرسمية لصالحها، ومع غياب قنوات تحقق فعّالة، تتحوّل هذه المقاطع سريعًا إلى أداة لبثّ الذعر والتشويش، ويصعب التمييز بين ما هو فعل أمني حقيقي وما هو تلاعب إعلامي من جهات مجهولة.
الجماعات مجهولة الهوية تترك أثرًا على الرأي العام وتهدد السلم الأهلي
لا شك أن انتشار نمط التخفي والبيانات التي تبثها الجماعات المجهولة يترك آثارًا عميقة على السلم الأهلي في المجتمعات التي تعيش النزاعات. فعلى مستوى الرأي العام، يؤدي سلاح المجهولية إلى خلق بيئة من عدم الثقة والتوتر المستمر. فقد يصبح المواطن العادي حائرًا: لا يدري من يصنع الأحداث من حوله. وهذا بدوره يجعله فريسة سهلة للإشاعات التي تبث الخوف ونظريات المؤامرة.
زاد الأمر حدّة بعد انتشار أخبار بعضها حقيقي عن اغتيالات نفّذها مجهولون في مناطق مختلفة، لتنتشر سريعًا شائعات واسعة عن "قوائم تصفية" تستهدف كل من كانت له صلة بالنظام السابق. وأشاع ذلك الخوف حتى بين الأبرياء، إذ سادت حالة ذعر بين فئات من السوريين خشية اندلاع عمليات انتقام جماعية على أسس طائفية. ومثل هذه الرسائل المجهولة تقوّض السلم الأهلي، لأنها تدفع الناس إلى الاصطفاف الطائفي أو المناطقي بدافع الحماية الذاتية من عدو غامض.
كما أنه عندما تبثّ جماعة غامضة بيانات طائفية تتوعد بالقتل دون تنفيذ فعلي، قد يدفع ذلك الأشخاص المهددين أو أنصارهم إلى التوتر أو إلى تبنّي خطاب عنيف استباقي ضد الطرف المتهم بناء على الظنون، ما يفاقم احتمالات التصعيد.
تكشف التجربة السورية أن مجهولية الهوية لم تعد عرضًا جانبيًا للصراع، بل أصبحت إحدى آلياته الأساسية. فمع دخول البلاد مرحلة انتقالية لم تكتمل فيها بعد منظومة المؤسسات الإعلامية والمصادر الرسمية للمعلومة، تحوّلت حالة الفراغ المعلوماتي إلى بيئة مثالية لولادة جماعات رقمية وواجهات إعلامية مجهولة تُحدِث أثرًا حقيقيًا ربما من دون وجود فعلي.
اقرأ/ي أيضًا
كيف تساهم مجهولية الهوية عبر الإنترنت في انتشار الأخبار الزائفة؟
شبكة حسابات مشبوهة تعزز خطاب الكراهية والانقسامات بعد سقوط النظام في سوريا
























