هل وافقت روسيا على طلب سوريا تسليم بشار الأسد؟
زار الرئيس السوري أحمد الشرع العاصمة الروسية موسكو في 15 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، واستقبله الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الكرملين، حيث جرى بين الجانبين نقاش حول مستقبل العلاقات الثنائية بين البلدين، ومصير القواعد العسكرية الروسية في سوريا، بالإضافة إلى ملفات العدالة الانتقالية التي فتحتها الحكومة السورية الجديدة.
وبحسب بيان رسمي صادر عن وزارة الخارجية السورية، نقلته وسائل إعلام محلية ودولية، أكد نائب مدير إدارة روسيا وشرق أوروبا في الوزارة، أشهَـد صليبي، أن الشرع "طالب الجانب الروسي بشكل واضح ومتكرر بتسليم بشار الأسد إلى السلطات السورية لمحاسبته على الجرائم المنسوبة إليه". كما أشار البيان إلى أن "الجانب الروسي أبدى تفهّمًا لمبدأ العدالة الانتقالية، وأبدى استعدادًا لمواصلة النقاش في الأطر القانونية".
الكرملين من جانبه أصدر بيانًا عن اللقاء، نُشر على موقعه الرسمي، اكتفى فيه بالإشارة إلى أن الرئيسين بحثا "قضايا التعاون الثنائي والوضع الإقليمي"، دون الإشارة صراحة إلى موضوع تسليم الأسد. وعند سؤاله عن المسألة في مؤتمر صحفي لاحق، قال المتحدث باسم الرئاسة الروسية ديمتري بيسكوف "ليس لدينا ما نُبلغكم به في هذا السياق".

انتشار ادعاءات بموافقة الكرملين تسليم الأسد إلى سوريا
ادعت حسابات وصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، عقب زيارة الشرع إلى موسكو، أنّ الكرملين وافق على تسليم بشار الأسد إلى حكومة الرئيس السوري الحالي أحمد الشرع. إذ جاء في الادعاءات أن الكرملين توافق على تسليم الأسد إلى سوريا، بعد مطلب قدمه وزير الخارجية السوري في زيارة الشرع الأولى إلى موسكو.

تبيّن لمسبار أنّ الادعاءات المتداولة بخصوص موافقة روسيا مطلب سوريا بتسليم بشار الأسد لا أساس لها، وليس مدعومة بأي دليل أو تصريح رسمي من السلطات الروسية أو السورية، أو أي خبر منشور من وسائل إعلام موثوقة.
في أواخر يناير/كانون الثاني الفائت، وخلال زيارة وفد روسي رفيع إلى دمشق، أبلغت السلطات السورية الوفد أنّ من شروط إعادة العلاقات وتطبيع التعاون العسكري والاقتصادي، هو تسليم بشار الأسد وعدد من كبار المسؤولين السابقين المقيمين في روسيا. نقلت رويترز حينها عن مصادر مطّلعة في دمشق أن الوفد الروسي اكتفى بالتعهد بنقل الطلب إلى القيادة في موسكو، دون إبداء موقف رسمي.

وفي مارس/آذار الفائت، جرى لقاء ثانٍ بين مسؤولين روس وسوريين لمناقشة مستقبل القواعد الروسية في طرطوس وحميميم. وذكرت تقارير صحفية أن المفاوضين السوريين أعادوا طرح ملف التسليم ضمن قائمة المطالب الرسمية، إلى جانب ملفات التعويضات والديون.

تزامن ذلك مع تشكيل الحكومة السورية "اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية"، في مايو/أيار الفائت، والتي أعلنت نيتها العمل مع الإنتربول والهيئات القانونية الدولية لملاحقة رموز النظام السابق.
وفي سبتمبر/أيلول من الفائت، أصدر القضاء السوري مذكرة توقيف غيابية بحق بشار الأسد وعدد من كبار ضباطه، استنادًا إلى شكاوى قُدمت من عائلات ضحايا أحداث درعا عام 2011. شكل هذا القرار أول إجراء قضائي رسمي يمهّد قانونيًا لطلب تسليم رئيس النظام السوري المخلوع بشار الأسد من الخارج.
وعليه، فالطلب الأخير جاء خلال لقاء الشرع مع بوتين في موسكو، يوم 15 أكتوبر الجاري، حيث رُفع المطلب إلى المستوى الرئاسي لأول مرة، مدعومًا بسند قانوني صادر من القضاء السوري.

الردود الروسية على مطلب تسليم بشار الأسد
لم تُصدر موسكو أي موقف رسمي معلن بالموافقة على تسليم بشار الأسد منذ يناير الفائت 2025 وحتى أكتوبر الجاري. وجاءت الردود الروسية متحفظة ومتدرجة بين الصمت والتكتم الدبلوماسي.
وكان السفير الروسي في العراق، ألبروي كوتراشيف، قد تحدث في شهر إبريل الفائت، خلال مقابلة مع وسائل إعلام روسية عن وجود بشار الأسد في موسكو بقرار رئاسي، مؤكدًا أن إقامته لا تخالف القوانين الروسية، وأن أي نقاش حول وضعه شأن داخلي للكرملين، مؤكدًا حينها أن تسليم روسيا لبشار الأسد إلى سوريا، هو أمر غير وارد.

في السياق ذاته، وبعد لقاء أحمد الشرع بفلاديمير بوتين، يوم 15 أكتوبر الجاري، صرح ديمتري بيسكوف بأن الكرملين "ليس لديه ما يعلنه في هذا الصدد".
خلفية العلاقات السورية الروسية وتطورها
أقامت دمشق والاتحاد السوفييتي علاقات دبلوماسية كاملة عام 1944، وتوطدت بعد وصول حزب البعث إلى السلطة عام 1963. في تلك المرحلة، أصبحت موسكو أحد أهم مورّدي السلاح إلى الجيش السوري، وأبرم الطرفان اتفاق التعاون العسكري لعام 1971 الذي نصّ على إقامة منشأة دعم فني للأسطول السوفييتي في ميناء طرطوس.
وعقب انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991، شهدت العلاقات ركودًا نسبيًا إلى أن أعلن الرئيس فلاديمير بوتين في يناير 2005 شطب 73% من الديون السورية المستحقة لموسكو، وذلك ما يقدر بنحو 9.8 مليارات دولار من أصل 13 مليارًا، مقابل توقيع عقود اقتصادية جديدة مع شركات روسية في مجالات الطاقة والنفط.

وفي أغسطس/آب 2008، وقّع الجانبان اتفاقية جديدة للتعاون العسكري والفني شملت تحديث منظومات الدفاع السورية وتدريب الضباط في الأكاديميات الروسية. كما أبرمت شركة "ستروي ترانس غاز" الروسية في ديسمبر/كانون الأول 2009، مذكرة تفاهم لتطوير حقول الغاز في منطقة تدمر وشمال دمشق.
لكن مع اندلاع الثورة السورية في مارس 2011، اتخذت روسيا موقفًا داعمًا للنظام السوري في مجلس الأمن، واستخدمت حق النقض الفيتو أكثر من 15 مرة بين 2011 و2023 ضد مشاريع عن مجلس الأمن.
وفي سبتمبر 2015، أعلنت وزارة الدفاع الروسية بدء العمليات الجوية في سوريا بناءً على طلب رسمي من الحكومة السورية، لتصبح روسيا منذ ذلك التاريخ القوة العسكرية الأجنبية الأبرز في البلاد. وفي العام نفسه، أُنشئت قاعدة حميميم الجوية في اللاذقية كمقر دائم للعمليات الروسية.

ووُقعت اتفاقية إنشاء قاعدة بحرية دائمة في ميناء طرطوس لمدة 49 عامًا قابلة للتمديد في يناير 2017، تتيح لموسكو نشر 11 سفينة حربية في المتوسط، بما فيها السفن النووية. نُشرت الاتفاقية كاملة على موقع الكرملين وأُقرت في البرلمان الروسي في ديسمبر من العام نفسه.

اقرأ/ي أيضًا
مؤيدو الأسد يقودون حملة تضليل واسعة قد تعزز الانقسامات في سوريا




























