بين الوصفات الشعبية والحقائق العلمية: تفنيد أبرز خرافات علاج تساقط الشعر
يعد تساقط الشعر من المشكلات الصحية الشائعة لدى النساء والرجال، وقد تحوّل في السنوات الأخيرة إلى موضوع واسع الانتشار على مواقع التواصل الاجتماعي. ومع هذا الزخم الكبير في المحتوى، انتشرت موجة من المعتقدات الخاطئة والادعاءات غير العلمية التي تخلط بين النصائح الطبية والمعلومات المضللة.
يقدم هذا المقال مراجعة علمية تحليلية لأبرز الشائعات والمفاهيم المنتشرة حول تساقط الشعر، استنادًا إلى المراجع الطبية والدراسات الحديثة، من مقاطع "عصارة البصل الأحمر" و"الفلفل الأسود" على تيك توك، إلى خلطات "المحلب" و"السدر مع القهوة والعسل" على موقع إكس.
عصارة البصل الأحمر تعالج الصلع الوراثي وتوقف التساقط نهائيًا؟
انتشر على تيك توك مقطع حصد أكثر من 11 مليون مشاهدة و150 ألف مشاركة، يزعم أن علاج الصلع الوراثي وتساقط الشعر المستمر يمكن أن يتم باستخدام مكون واحد متوفر في كل بيت: البصل الأحمر.
تشرح صاحبة المقطع الطريقة بوصفها علاجًا نهائيًا، إذ يقوم بخلط البصل حتى يصبح سائلاً ثم يُصفى لأخذ العصارة، وتُغلى أوراق النعناع وإكليل الجبل والكركديه لإزالة رائحة البصل وتسريع امتصاص المكونات.
يُمزج الخليط ويدهن به فروة الرأس لمدة ساعة قبل الغسل، مع تكرار الوصفة مرة أسبوعيًا، وتؤكد أن التساقط "يتوقف من المرة الثانية" ويبدأ الشعر بالنمو من جديد.

الصلع الوراثي ينتج عن خلل هرموني–جيني معقد، يتضمن تفاعل هرمون ديهدروتستوستيرون (DHT) مع إنزيمات في فروة الرأس، ما يؤدي إلى انكماش تدريجي في بصيلات الشعر حتى تفقد قدرتها على إنتاج شعر دائم. وهذا النوع من التساقط لا يمكن علاجه إلا عبر تثبيط نشاط هذا الهرمون أو تحفيز الدورة الدموية للبصيلات الضعيفة باستخدام أدوية معتمدة من الهيئات الطبية، مثل الفيناسترايد (Finasteride) والمينوكسيديل (Minoxidil).
أما الفكرة الشائعة حول "البصل كعلاج للشعر"، فمصدرها دراسة صغيرة نُشرت عام 2002 في مجلة Journal of Dermatology، أُجريت على 38 شخصًا مصابين بنوع مختلف تمامًا من تساقط الشعر هو الثعلبة البقعية (Alopecia areata)، وهو مرض مناعي ذاتي لا علاقة له بالوراثة. استخدم المشاركون عصارة البصل مرتين يوميًا لمدة ثمانية أسابيع، وأظهر نحو 87% منهم نموًا جزئيًا للشعر.
لكن الدراسة كانت قصيرة المدى وصغيرة جدًا، ولم تشمل أي حالة صلع وراثي، كما لم تُكرر منذ أكثر من 20 عامًا، ما يجعل نتائجها محدودة وغير قابلة للتعميم.

تشير مراجعات طبية حديثة، مثل مراجعة منصة Hims، إلى أن البصل يحتوي على مركبات قد تدعم صحة فروة الرأس والشعر مثل الكبريت العضوي والفلافونويدات (خاصة الكيرسيتين)، وهي مضادات أكسدة والتهاب قد تعزز تدفق الدم الموضعي. ومع ذلك، تؤكد هذه المراجعات أن تلك التأثيرات لا تشمل تثبيط هرمون DHT أو علاج الصلع الوراثي. فحتى لو حسّنت عصارة البصل تدفق الدم أو قللت الالتهاب، فإنها لا تغير المسار الجيني الهرموني لتساقط الشعر الوراثي. كذلك، قد تُساعد على تحسين مظهر الشعر أو قوته بفضل الكبريت ودوره في تركيب الكيراتين، أو خصائصه المضادة للبكتيريا والفطريات لفروة الرأس. لكن هذه فوائد مساندة ومحدودة، ولا تعادل علاج الصلع الوراثي أو إعادة نمو الشعر المفقود.

دهن المحلب مع زيت جوز الهند لعلاج تساقط الشعر
انتشر على موقع إكس منشور حصد أكثر من 600 ألف مشاهدة و147 مشاركة، يزعم أن خلط المحلب بزيت جوز الهند ودهنه على فروة الرأس يساعد في علاج تساقط الشعر.

يصنف الادعاء بأن دهن المحلب مع زيت جوز الهند على الرأس يعالج تساقط الشعر ضمن المعلومات الشعبية غير المدعومة علميًا. فمراجعة الأدلة المتوفرة تُظهر أن هذا الادعاء لا يستند إلى أي دراسة موثوقة، سواء سريرية أو مخبرية، تُثبت وجود تأثير علاجي لهذه الخلطة على بصيلات الشعر أو على دورة نموه.
ويعد المحلب (Prunus mahaleb) نباتًا عطريًا من الفصيلة الوردية يحتوي على مركبات فينولية وفلافونويدات تمنحه خصائص مضادة للأكسدة والميكروبات، وقد استُخدم تقليديًا في صناعة العطور والأغذية. ومع ذلك، تقتصر الدراسات المنشورة حوله على هذه الاستخدامات، ولا تتضمن أي دليل علمي يُظهر تأثيرًا مباشرًا له في تحفيز نمو الشعر أو الحد من تساقطه.

أظهرت الدراسات أن زيت جوز الهند (Cocos nucifera oil) يمتلك خصائص وقائية لألياف الشعر من التلف الفيزيائي والكيميائي، لكنه لا يُعد علاجًا لتساقط الشعر. تناولت دراسة منشورة في المجلة الدولية لعلوم التجميل عام 2022 بعنوان "فائدة زيت الشعر القائم على زيت جوز الهند عبر التقييم الكمي لمسامية الشعر"، تأثير الزيت على بنية الشعر باستخدام تقنيات فيزيائية دقيقة مثل امتزاز النيتروجين وفق نظرية BET واختبارات شد الألياف.
وأوضحت النتائج أن زيت جوز الهند يقلل من مسامية الشعر الناتجة عن المنظفات الشائعة ويحافظ على البروتين داخل الشعرة، إذ انخفضت مساحة سطح المسام من 1.695 إلى 0.259 متر مربع لكل غرام بعد المعالجة بالزيت. كما ازدادت المتانة الميكانيكية لألياف الشعر بنسبة تقارب 11%، وحُمي اللون بدرجة فاقت الزيوت المعدنية التقليدية. ومع ذلك، لم تبحث الدراسة أي علاقة بين الزيت وتساقط الشعر أو نموه، واقتصرت على تقييم دوره الوقائي في حماية البنية الخارجية للشعرة.

الفلفل الأسود يعالج الصلع الوراثي
انتشر على تيك توك مقطع حصد أكثر من 3 ملايين مشاهدة و53 ألف مشاركة، يزعم أن الفلفل الأسود يمكن أن يعالج الصلع الوراثي ويحفز نمو الشعر من جديد.

عند مراجعة الدراستين اللتين استند إليهما المقطع، تبيّن أنه لا توجد أي صلة مباشرة بينهما وبين علاج الصلع الوراثي. ففي الدراسة اليابانية الأولى (Hirata et al 2007)، اختبر الباحثون تأثير مستخلص أوراق الفلفل الأسود ومركباته، مثل البيبيرين والكوبيبين، على إنزيم 5α-reductase في أنسجة حيوانية. ويعد هذا الإنزيم مسؤولًا عن تحويل هرمون التستوستيرون إلى DHT، وهو الهرمون المرتبط بتساقط الشعر الوراثي.
أُجريت التجارب على خلايا جرذان وفئران مخبرية فقط، وأظهرت النتائج أن بعض المركبات النباتية في الفلفل الأسود قادرة على تثبيط نشاط الإنزيم جزئيًا، ولكن ذلك حدث فقط عند استخدام تركيزات عالية جدًا. كما لوحظ تحفيز طفيف لنمو الشعر في الفئران التي حُلِق شعرها، إلا أن الدراسة لم تُجر على البشر، ولم تُثبت أي قدرة على إعادة إنبات الشعر في مناطق الصلع الوراثي الدائم.
إضافة إلى ذلك، فإن الجرعات المستخدمة في التجارب لا يمكن تطبيقها عمليًا على فروة الرأس البشرية، ما يجعل نتائجها محدودة ومبدئية للغاية، ولا تمثل دليلًا علميًا كافيًا على فعالية الفلفل الأسود في علاج الصلع الوراثي.

وتناولت دراسة (Mao et al., 2022) حالة مختلفة تمامًا هي داء الثعلبة المناعية (Alopecia areata)، وهو اضطراب مناعي ذاتي يسبب تساقط الشعر في بقع محددة، ولا علاقة له بالهرمونات أو العوامل الجينية المسببة للصلع الوراثي.
استخدم الباحثون في التجربة خليطًا موضعيًا يضم البيبيرين (من الفلفل الأسود) والكابسيسين (من الفلفل الحار) والكركمين (من الكركم) على 60 مريضًا، وقورنت النتائج مع علاج المينوكسيديل بتركيز 5% المعتمد طبيًا، وبعد 12 أسبوعًا، سجل كلا العلاجين تحسنًا مشابهًا في نمو الشعر بنسبة 63% في مجموعة الخليط الطبيعي مقابل 70% في مجموعة المينوكسيديل، دون فرق ذي دلالة إحصائية أو آثار جانبية خطيرة.
ورغم أن النتائج مبدئية ومشجعة في حالات الثعلبة المناعية، فإنها لا تنطبق على الصلع الوراثي الناتج عن حساسية جينية لهرمون DHT، وبالتالي لا يمكن تعميمها على تلك الحالات بأي شكل.

خلطة السدر وصفار البيض والقهوة والعسل لزيادة كثافة الشعر
مقطع متداول على موقع إكس حصد أكثر من 167 ألف مشاهدة و137 مشاركة، يروّج لوصفة يزعم أنها تعالج تساقط الشعر وتملأ الفراغات وتزيد من الطول والكثافة.
تتكون الخلطة من مسحوق ورق السدر المطحون وصفار البيض والقهوة والعسل، مع إضافة أحد الزيوت المتوفرة مثل زيت الخروع أو زيت اللوز الحلو. وبحسب الفيديو، يُنصح بدهن الخليط على فروة الرأس وتغطيتها لمدة ثلاث ساعات مرتين أسبوعيًا.

من الناحية العلمية، لا توجد أي دراسات تُثبت أن هذه المكونات قادرة على تحفيز بصيلات الشعر أو علاج الصلع أو إيقاف التساقط الوراثي. يمكن أن تساعد بعض هذه المواد على تحسين مظهر الشعر مؤقتًا وترطيبه، لكنها لا تعالج جذور المشكلة. يحتوي ورق السدر على مركبات طبيعية ذات خصائص مضادة للبكتيريا قد تساهم في تنظيف فروة الرأس وتقليل التهيّج، لكن لم يُثبت علميًا أنه يحفز نمو الشعر أو يعالج التساقط.

أما صفار البيض، فقد أظهرت دراسة أجراها ناكامورا وزملاؤه عام 2018، ونُشرت في مجلة Journal of Medicinal Food، أنه يحتوي على ببتيدات منخفضة الوزن الجزيئي يمكن أن تحفز نمو الشعر. في هذه الدراسة، لم يُستخدم صفار البيض الخام، بل جرى استخلاص ببتيدات محددة منه بطريقة مخبرية دقيقة، ثم اختُبرت على خلايا حليمة بصيلات الشعر البشرية وفي تجارب على الفئران.
ومع ذلك، لا يمكن القول إن وضع صفار البيض مباشرة على الشعر يحقق التأثير نفسه، لأن الدراسة كانت مخبرية (in vitro) وعلى نماذج حيوانية، ولم تثبت أن هذه الببتيدات يمكنها اختراق الجلد أو الوصول إلى بصيلات الشعر عند الاستخدام الموضعي.

أما بالنسبة للقهوة، فقد استعرضت مراجعة علمية حديثة نُشرت عام 2025 في مجلة Molecules، العلاقة بين الكافيين ونمو الشعر بصورة شاملة.
أوضحت المراجعة أن الكافيين وليس القهوة كمشروب أو مسحوق، هو الجزيء النشط الذي قد يمتلك بعض الخصائص المفيدة في تحفيز بصيلات الشعر. وأكدت أن هذه التأثيرات لوحظت فقط في بيئات مخبرية خاضعة للسيطرة أو في مستحضرات دوائية مصممة خصيصًا، وليس عند استخدام القهوة المنزلية.
فالكافيين في القهوة العادية يكون محاطًا بمركبات مثل الأحماض الكلوروجينية والتانينات والدهون النباتية، وهي تقلل من امتصاصه عبر الجلد. كما يشكل الجلد البشري حاجزًا طبيعيًا أمام الجزيئات المائية، مما يجعل امتصاص الكافيين محدودًا للغاية ما لم يُستخدم في تركيبات دوائية خاصة.
وبينت الدراسة أن تراكم الكافيين في بصيلات الشعر عند التطبيق الموضعي لم يُرصد إلا في منتجات مصممة بتركيبات تسمح بالنفاذ عبر القنوات الشعرية، وهو ما لا ينطبق على القهوة المطحونة أو السائلة. كما نبهت إلى أن معظم الدراسات السريرية التي اختبرت مستحضرات تحتوي على الكافيين كانت محدودة من حيث المنهجية وتعاني من غياب المجموعات الضابطة، مما يجعل النتائج غير حاسمة حتى الآن.

أما العسل، فيحتوي على مضادات أكسدة وخصائص مرطبة ومضادة للبكتيريا قد تساهم في تحسين صحة فروة الرأس وتقليل القشرة، إلا أنه لا يعالج أسباب تساقط الشعر ولا يحفز نموه في المناطق الفارغة.

وبالنسبة للزيوت مثل زيت الخروع أو زيت اللوز، فهي تساعد على ترطيب الشعر وتقليل تكسره، مما يمنحه مظهرًا أكثر كثافة ولمعانًا، لكنها لا تُعيد تنشيط البصيلات ولا توقف التساقط الهرموني أو الوراثي.
اقرأ/ي أيضًا





























