تكنولوجيا

فيسبوك.. بنية تزيد التضليل وتعيق جهود التحقق من المعلومات

محمد أبوزيدمحمد أبوزيد
date
٢٧ أكتوبر ٢٠٢٥
آخر تعديل
date
٣:٤٦ م
٣ نوفمبر ٢٠٢٥
فيسبوك.. بنية تزيد التضليل وتعيق جهود التحقق من المعلومات
بدأت ميتا تحويل مقاطع الفيديو على فيسبوك إلى ريلز مع تزايد التضليل | مسبار

بعد أن أعلنت الشركة عن النية لتحويلها في 17 يونيو/حزيران الفائت، بدأت "ميتا" في تحويل كافة مقاطع الفيديو على فيسبوك إلى "ريلز"، فلم تعد محدودة بمدة الـ90 ثانية، أو تشترط أبعادًا معينة للفيديو، الأمر الذي اختفى معه تبويب Videos من الصفحة الرئيسية للحسابات، في خطوة جديدة تُحاول بها الشركة الحفاظ على جمهورها واستعادة من هجرها إلى تطبيق تيك توك.

هذا الإجراء أضاف وسيلة جديدة للتضليل، وتحديًا أمام مُدققي المعلومات في منصة تضع بالفعل الكثير من العراقيل أمام عملهم، إذ لم يعد يظهر تاريخ النشر عند تصفح الـ"ريل"، وبالتالي قد يقع الكثيرون في فخ تداول مقاطع قديمة، مثل هذا الفيديو عن غرق إحدى المزارع في توشكى بمصر نتيجة فيضان النيل، مع أن الفيديو نُشر منذ ثلاث سنوات، إلا أنه لقي رواجًا خلال الأسابيع الأخيرة على أنّه حديث، خصوصًا وأن ذلك تزامن مع غرق مناطق من السودان، الجارة لمصر، نتيجة الفيضان.

تحويل الفيديوهات إلى ريلز على فيسبوك
إلى اليسار: الفيديو على الهاتف المحمول في صورة "ريل" ولا يظهر تاريخ نشره، وإلى اليمين الفيديو على الحاسوب ويظهر تاريخ نشره وتعليقات حديثة عليه بالرغم من أنه منذ أكثر من ثلاث سنوات.

وللتغلب على تلك المشكلة، لجأ مُدققو المعلومات إلى حيل متعددة، مثل نسخ رابط الفيديو ولصقه في منشور جديد في حساب ليظهر تاريخه، أو البحث باستخدام الجملة التعريفية للفيديو (الكابشن) كاملة ليظهر كمنشور ضمن نتائج البحث موضحًا التاريخ.

تاريخ الريلز
تجربة لنسخ رابط الريل على المنشورات وهو ما يسمح بظهور المنشور

ومع كل تحديث للمنصة، يُضاف تحد جديد أمام مُدققي المعلومات، في زيادة إمكانيات التزييف وقلة أدوات التحقق المتاحة داخل فيسبوك، وهو ما يستعرضه "مسبار" في المقال التالي.

فيسبوك، أو الصندوق الأسود

"فيسبوك أشبه بصندوق أسود"، هذا ما أكدته مقالة رأي بحثية منشورة في مجلة AI and Ethics في يونيو 2021، بعنوان "الإخفاقات الأخلاقية لفيسبوك ليست عرضية، بل جزء من النموذجِ الربحي للمؤسسة".

المقالة أكدت أن المنصة تتعمد دعم المحتوى المُحرض على التطرف وخطاب الكراهية والتضليل بهدف زيادة التفاعل، كما أنها تتعمد خلق "غرف صدى" عبر "فقاعات التصفية" بهدف زيادة الربحية.

ولا تكتفي المؤسسة بذلك، بل تتعمد إخفاء الخوارزميات ونماذجها للذكاء الاصطناعي، وبالتالي يصبح من المستحيل على الباحثين فهم سياسات المؤسسة أو دوافعها لدعم محتوى على حساب آخر. وعلى الرغم من دخولها في شراكة بحثية مع معهد هارفارد للعلوم الاجتماعية، إلا أن المحتوى الذي توفره في تلك الشراكة يقتصر على الفترة من 2017 إلى 2019، ويُشترط على الباحث أن يتقدم بطلب للحصول على تلك المواد، أي أن المعهد يعمل كـ"حارس بوابة" أمام الباحثين.

مقال رأي يشبه فيسبوك بالصندوق الأسود

"تكتيك الإغراء والتبديل".. من استبدال الصورة والفيديو إلى تعديل البث المباشر

تعديل المنشور لا يقتصر على تغيير النص المصاحب فقط، بل يمكن أن يتبدل تمامًا عبر إضافة وسائط (صور أو مقاطع فيديو)، أو تغيير الصورة أو الفيديو المصاحب له. والأمر لا يقتصر على مقاطع الفيديو المسجلة مسبقًا، فحتى البث المباشر يمكن تعديله على الصفحات، إذ يوفر فيسبوك إمكانية اقتصاصه (من البداية أو الختام)، فيبدو وكأنه تم تصويره بعد الحدث أو انتهى قبل نهايته فعليًا.

وإلى جانب حذف مقاطع فيديو البث المباشر بعد 30 يومًا من انتهائه وفشل برامج الأرشفة في الاحتفاظ بها، تصبح المشكلة خطيرة في حالة البثوث التي توثق انتهاكات حقوق الإنسان في مناطق النزاع.

وثق مختبر DFRLab، الذي يضم عددًا من باحثي المصادر المفتوحة في مناطق النزاع، عشرين صفحة تقوم بنشر منشورات حول حرب أوكرانيا (غالبًا ما تتضمن قصصًا إنسانيّة لجنود)، ثم تعدل المنشور بعد نصف ساعة وتستبدل الصور بروابط لمواقع غير موثوقة، وتقوم الصفحات بتلك العملية لتحقيق التفاعل على المنشورات ثم نشر محتوى آخر مختلف.

مثلًا، كان أحد المنشورات يتضمن في البداية تهنئة لجنديين أوكرانيين بارتباطهما، ثم تحول إلى خبر حول تطور الأعمال القتالية في دونباس، وهو ما تؤكده التعليقات التي ظلت تُهنئ الثنائي بارتباطهما. وقد أطلق المختبر على هذا الأسلوب اسم "تكتيك الإغراء والتبديل".

إلى أعلى اليسار، المنشور الأصلي للجنديين، وإلى اليمين تعديل المنشور ليتضمن الرابط الغريب، التعليقات في أسفل اليسار تؤكد هذا التعديل

والتعديل لا يقتصر على المحتوى فحسب، بل يشمل التوقيت أيضًا، إذ تتيح خاصية Back Date العودة بتاريخ النشر إلى وقت أقدم من النشر الفعلي، ما يساعد على تزييف الحقائق.

وقد أثار منشور لوزارة الآثار المصرية استخدم تلك الخاصية جدلًا واسعًا، بعدما قامت الصفحة بتعديل تاريخ منشور يتضمن الرد على حادثة القبض على صحفي يُغطي أخبار الوزارة، على خلفية بلاغ قدمه أحد موظفيها ضده. وبعد أن أشارت إليه إحدى المنصات الإخبارية المحلية، عادت الصفحة وتراجعت عن التعديل.

منشور وزارة الآثار المصرية الذي أثار الجدل

البحث عبر المنصة.. من صعب إلى أصعب

منذ عام 2019 بدأت ميزة البحث المتقدم تتفكك عبر المنصة، بدءًا بإلغاء خاصية Graph Search وانتهاء بمحو فلتر البحث عبر المنشورات.

كانت خاصية Graph Search تُمكن المستخدمين من الوصول إلى معلومات دقيقة جدًا مثل معرفة من أعجب بصفحة أو صورة، أو متى زار شخص ما مدينة ما، أو ما إذا كان قد وجد في نفس المكان مع شخصٍ آخر في الوقت ذاته، وهو ما ساعد كثيرًا في بناء التحقيقات مفتوحة المصدر المعتمدة على تتبع الأشخاص.

أما الآن، فحتى البحث المتقدم الموجود في منصات أخرى مثل إكس غير موجود على فيس بوك، فإذا حاولت البحث في فترة معينة، فأقصى ما يمكنك فعله هو البحث داخل نطاق سنة معينة، أو تطبيق فلتر "الأحدث أولًا"، ليعرض مقاطع الفيديو الأحدث، لكن ذلك لا يضمن الوصول إلى أحدث المنشورات حول الكلمة المفتاحية التي بحثت عنها.

كما أن البحث داخل حساب محدد لا يمكن القيام به إلا من خلال الدخول إلى الحساب نفسه واستخدام خاصية البحث داخله، ولا يمكن تحديد حساب معين عند استخدام فلتر "المصدر" في البحث العام، إذ تقتصر الخيارات على: الأصدقاء، المجموعات، والصفحات التي تتابعها، أو أي منشور على فيسبوك.

ومؤخرًا، اختفت خاصية البحث باستخدام المنشورات لدى بعض المستخدمين، وقد لاحظ ذلك عدد منهم وتم نشر أخبار حوله، لكن دون إعلان رسمي من الشركة. وبعد فترة، عادت الخاصية.

خاصية البحث باستخدام المنشورات لدى بعض المستخدمين

البرامج المستقلة والقيود الجديدة

حاول بعض الصحفيين التحايل على خوارزميات المنصة عبر إنشاء برامج مستقلة تقوم بالبحث في فيسبوك، وتتيح البحث داخل حساب واحد أو ضمن نطاق زمني محدد، ولعل أشهرها موقع Who Posted What الذي ابتكره الصحفي الهولندي Henk van Ess، إلا أن هذه المنصات معرضة للإيقاف في أي وقت.

موقع Who Posted What

وفي أغسطس/آب 2024، أغلقت شركة ميتا نهائيًا منصة CrowdTangle، إحدى أهم أدوات الرصد والتحليل في فيسبوك، والتي استخدمها باحثون ومُحققون لمتابعة الموضوعات الرائجة وكشف حملات التضليل. وقد تسبب القرار بصدمة كبيرة للمستخدمين، إذ لا تتوافر حتى الآن أداة تضاهيها في القوة والوصول.

وعلى الرغم من ادعاء "ميتا" أن CrowdTangle لم تكن تُظهر كلّ محتوى المنصة، وأنها وفرت بديلًا باسم Meta Content Library and API، إلا أن الوصول إلى هذا "البديل" يقتصر على الأكاديميين والباحثين والمؤسسات غير الربحية ويتطلب تقديم طلب مسبق، بخلاف CrowdTangle التي كانت متاحة لكل المستخدمين باشتراك بسيط.

إغلاق شركة ميتا نهائيًا منصة CrowdTangle

إلى جانب ذلك، فإن تطور خوارزميات فيسبوك المستمر يجعل وصول تطبيقات التحليل الشبكي إلى محتواها أكثر صعوبة، ما يعقد عملية كشف حملات التضليل المنسّقة، بخلاف منصات مثل إكس التي تتيح أدوات تحليلية مختلفة مثل Talkwalker أو Meltwater.

اقرأ/ي أيضًا

تحقيق لشبكة بي بي سي يكشف تقييد فيسبوك لصفحات إخبارية فلسطينية خلال الحرب على غزة

تحقيق أوروبي بعد الاشتباه في خرق فيسبوك وانستغرام قانون الخدمات الرقمية

المصادر

اقرأ/ي أيضًا

الأكثر قراءة

مؤشر مسبار
سلّم قياس مستوى الصدقيّة للمواقع وترتيبها
مواقع تم ضبطها مؤخرًا
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
عرض المواقع
bannar