الإيدز في ليبيا.. هل لعيادات الأسنان والتجميل دور في زيادة العدوى بالفايروس؟
تواجه ليبيا في السنوات الأخيرة تحديًا صحيًّا متزايدًا يتمثل في الارتفاع التدريجي لحالات الإصابة بفايروس نقص المناعة البشرية (HIV)، فبحسب المركز الوطني لمكافحة الأمراض (NCDC)، بلغ عدد الحالات المؤكدة حتى نهاية عام 2024 نحو 8271 إصابة، من بينها 369 حالة جديدة خلال العام نفسه.
غير أن هذه الأرقام المحدودة نسبيًا كانت كافية لإطلاق موجة واسعة من المخاوف والشائعات، قادتها منشورات تزعم أن العدوى تنتقل من خلال عيادات الأسنان ومراكز التجميل نتيجة ضعف التعقيم.
ومع غياب خطاب رسمي واضح يفسّر الأرقام ويوضح طرائق العدوى، وجدت هذه المزاعم بيئة خصبة للانتشار، حتى بات بعض المواطنين يخشون مراجعة العيادات الطبية، في مشهد يعكس تضخيم الخطر الصحي وتحريف مسارات النقاش العام بعيدًا عن الحقائق الوبائية.
الإيدز في ليبيا: فجوة بين البيانات الرسمية والإدراك المجتمعي للخطر
تكشف مراجعة دقيقة للبيانات الوطنية أن الزيادة المسجّلة في حالات الإصابة بفايروس نقص المناعة البشرية في ليبيا، لا تعني تفشيًا وبائيًا شاملًا، بقدر ما تعكس تحسنًا في قدرات الفحص والإبلاغ الوبائي بعد سنوات من الركود المؤسسي. فمن الناحية العلمية، ما تزال ليبيا تُصنَّف ضمن دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ذات الانتشار المنخفض للفايروس، إذ يُقدَّر المعدل العام بين السكان بما يتراوح بين 0.1% و0.3%، وهو أقل بكثير من المتوسط العالمي البالغ 0.7%.
غير أن طبيعة الوباء في ليبيا لا تُقاس بالمعدلات العامة فحسب، بل بتركيزه داخل فئات محددة عالية الخطورة، مثل متعاطي المخدرات بالحقن والعاملين في مجال الجنس. ففي 26 يونيو/حزيران 2012، أصدر مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC)، بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية (WHO)، وبرنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بالإيدز (UNAIDS) والاتحاد الأوروبي والمركز الوطني لمكافحة الأمراض (NCDC)، بيانًا مشتركًا من طرابلس أعلن فيه ظهور وباء مركّز بين متعاطي المخدرات بالحقن في ليبيا. وجاء الإعلان استنادًا إلى نتائج دراسة بيولوجية سلوكية أجرتها كلية ليفربول للطب الاستوائي، بدعم من الاتحاد الأوروبي قبل اندلاع الصراع المسلح. وكشفت الدراسة عن نسب مرتفعة لانتشار الفايروس في بعض الفئات: 87% بين متعاطي المخدرات بالحقن، 3.5% بين الرجال المثليين، و15.7% بين عاملات الجنس.
لكن المفارقة تكمن في أن هذه المعطيات العلمية لا تجد طريقها إلى وعي الجمهور. فبينما تصدر الجهات الرسمية أرقامًا محكومة بالإجراءات المخبرية والتبليغية، يتعامل المواطن العادي مع كل ارتفاع رقمي على أنه "دليل على تفشٍ صامت"، خصوصًا في ظل غياب التواصل الصحي الفعّال وضعف الحملات التوعوية.
في الأشهر الفائتة، تضاعف هذا القلق مع تداول شائعات ومزاعم على منصات التواصل الاجتماعي تزعم أن تفشي الإيدز في ليبيا يعود بالأساس إلى عيادات الأسنان ومصحات التجميل التي تُنقل فيها العدوى بسبب نقص التعقيم. ونقلت بعض الصحف المحلية تصريحات لمسؤولين صحيين حذّروا من تراجع إجراءات التعقيم في بعض المراكز. فقد ذكرت وسائل إعلام ليبية أن أبو بكر مروان، مدير وحدة الرقابة الدوائية، حذّر من ازدياد الإصابات بالإيدز والالتهاب الكبدي نتيجة "عدم تعقيم الأدوات بشكل كافٍ في بعض مراكز التجميل وعيادات الأسنان".
وقد أثارت هذه التصريحات حالة من البلبلة والقلق بين المواطنين، وأشعلت موجة من الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ انتشرت مقاطع ومقالات تربط بين ممارسات بعض العيادات ومراكز التجميل وارتفاع معدلات الإصابة بالإيدز .
تحولات في نمط العدوى: من الإبر الملوثة إلى العلاقات الجنسية
تُظهر التحليلات الوبائية الحديثة أن ليبيا شهدت تحولًا جذريًا في طرق انتقال فايروس HIV خلال العقدين الأخيرين. ففي أوائل الألفية، كانت معظم الإصابات ناتجة عن تعاطي المخدرات بالحقن، إذ أعلنت وزارة الصحة عام 2003، أن أكثر من 90% من الحالات سببها استخدام الإبر الملوثة.
غير أن المشهد تغيّر تدريجيًا منذ عام 2010، لتصبح العلاقات الجنسية غير المحمية القناة الأكثر شيوعًا للعدوى، خصوصًا بين الفئات الشابة في المدن الكبرى. وتؤكد بيانات NCDC 2025 أن معظم الحالات الجديدة المسجلة العام الماضي كانت ناتجة عن الاتصال الجنسي.
يُعزى هذا التحول إلى تدهور منظومة التوعية بعد عام 2011، وانحسار برامج الوقاية التي كانت تعتمد على حملات مباشرة في المدارس والجامعات والمراكز الشبابية. كما أدت العوامل الاجتماعية والنزوح الداخلي والانفتاح المفاجئ في أنماط الحياة إلى تزايد السلوكيات عالية الخطورة.
هذه النسب تكشف أن العدوى انتقلت من المجموعات المهمشة إلى عموم المجتمع، لا عبر المرافق الطبية، بل عبر التغيرات السلوكية والغياب شبه الكامل للوقاية المجتمعية. وبذلك، فإن تفسير ارتفاع الأرقام بضعف التعقيم في العيادات يناقض تمامًا الاتجاه الوبائي الفعلي الذي توضحه البيانات الرسمية.
لماذا لا يمكن للعيادات أن تكون مصدر العدوى؟
من الناحية العلمية، تؤكد منظمة الصحة العالمية (WHO)، ومراكز مكافحة الأمراض الأميركية (CDC)، أن احتمالية انتقال فيروس HIV عبر الأدوات الطبية المعقمة شبه معدومة. فالعدوى تتطلب شروطًا دقيقة تشمل وجود دم ملوث طازج بكمية كافية، ودخوله مباشرة إلى مجرى الدم، وغياب أي وسيلة تعقيم. وحتى في حال حدوث وخز عرضي بإبرة ملوثة، تشير الدراسات إلى أن احتمالية العدوى لا تتجاوز 0.3%.
في المقابل، تعتمد العيادات الليبية المرخّصة على أجهزة الأوتوكلاف لتعقيم الأدوات بالحرارة والضغط، وهو المعيار الذهبي عالميًا في القضاء على الفيروسات. وتُلزم لوائح وزارة الصحة منذ عام 2018 جميع المرافق باستخدام أدوات أحادية الاستخدام عند التعامل مع الدم أو الأنسجة، إضافة إلى ارتداء القفازات والكمامات وإجراءات التخلص الآمن من الأدوات الحادة. هذه الممارسات تجعل انتقال العدوى عبر العيادات أمرًا نظريًا فحسب، لم تُسجّل له سوابق موثقة لا في ليبيا ولا في دول مجاورة تخضع لأنظمة تعقيم مشابهة.
اقرأ/ي أيضًا
الفيديو لخبر عن ارتفاع عدد الإصابات بالإيدز في السعودية عام 2019 وليس حديثًا
الطاقم الذي اتُهم بحقن أطفال ليبيا بفايروس الإيدز ليس من أوكرانيا





























