بتغطية متحيزة: صحف بريطانية تصور الأسرى الفلسطينيين المفرج عنهم كتهديد أمني للسياح
في 13 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، وضمن المرحلة الأولى من اتفاق وقف الحرب الإسرائيلية على غزة، أطلق الاحتلال الإسرائيلي سراح 1,968 أسيرًا فلسطينيًا مقابل الإفراج عن 20 إسرائيليًا أحياء، كانوا لا يزالون في قطاع غزة.
وأعقبت عملية الإفراج تغطيات إعلامية واسعة في الصحف الغربية، غير أن تقريرًا نشرته صحيفة "ديلي ميل" في 25 أكتوبر الجاري، أثار جدلًا كبيرًا، بعد أن تناول خبر إقامة أسرى فلسطينيين في فندق فاخر بالقاهرة، مقدمًا إياهم بوصفهم "تهديدًا أمنيًا" للسياح الغربيين.
في المقال التالي، يحلل مسبار لغة وخطاب الصحف البريطانية حول ملف الأسرى الفلسطينيين، من خلال قراءة منهجية لتقرير "ديلي ميل" وتغطيات سابقة نشرتها عن صفقات الإفراج، إلى جانب مقارنة بمواد من صحيفتي "ذا صن" و"ذا ميرور"، بهدف تفكيك الأنماط اللغوية والسردية التي تعيد تأطير الأسرى كـ"خطر أمني" بدلًا من عرضهم كقضية قانونية وإنسانية.
ديلي ميل تحول مشهد الإفراج عن الأسرى الفلسطينيين إلى رواية أمنية منحازة
نشرت صحيفة ديلي ميل البريطانية تقريرًا مثيرًا للجدل حول الأسرى الفلسطينيين الذين أُفرج عنهم ضمن صفقة تبادل الأسرى الأخيرة، ركزت فيه على تفاصيل إقامتهم اليومية في أحد الفنادق الفاخرة بالقاهرة. وقدمت الصحيفة مادتها بأسلوب تشويقي، مدعية أنها "تمكنت من تعقب أكثر من 150 من المتطرفين الخطرين" داخل الفندق، في محاولة لإظهار نفسها كجهة كشفت "سرًا أمنيًا".
قدم التقرير مشاهد من حياة الأسرى اليومية، مثل جلوسهم على الشرفات بجوار المسبح، أو تناولهم الطعام في البوفيه مع السياح، أو التقاط الصور مع الزوار، ليُصورها بوصفها دليلًا على "الخطر المستمر"، مركزًا على فكرة أن الفندق يشكل "فخًا" محتملًا للسياح الغربيين.
اعتمدت الصحيفة على مفردات مشحونة لتوصيف الأسرى، ووصفتهم بأنهم "جميع الجهاديين الأكثر رعبًا" و"القتلة المتطرفون"، كما استخدمت اقتباسات من خبير أمني، هو البروفيسور أنتوني جليز من جامعة باكنغهام لتدعيم روايتها بأن بعضهم "قد يقطع رؤوس الجنود البريطانيين" أو "يهاجم كل من حوله"، وأدرج التقرير أسماء أسرى محددين مثل محمود عيسى، وإسماعيل حمدان، وسامر أبو نعمة، في سياق يظهرهم كمصدر تهديد دائم دون الإشارة إلى وضعهم القانوني أو القيود المفروضة عليهم بعد الإفراج.
كما أغفل التقرير الإشارة إلى أن الأسرى الفلسطينيين الذين يُفرج عنهم في صفقات التبادل لا يُطلق سراحهم عادةً إلا بعد صدور إعفاء من الرئيس الإسرائيلي، وإن كان ذلك يعد إجراءً شكليًا وبروتوكوليًا.
وركز التقرير أيضًا على مشاهد الاستقبال الشعبي للأسرى، مشيرًا إلى "معجبين محليين" يلتقطون الصور معهم، وحفلات زفاف أُقيمت لبعضهم، ليعزز بذلك صورة "الرفاهية بلا رقابة". إلا أنه تجاهل حقيقة أن نحو 154 من الأسرى نُقلوا إلى القاهرة ضمن ترتيبات صفقة التبادل وتحت إشراف مصري وأمني مشدد.
وادعى التقرير أن بعض الأسرى سحبوا مبالغ مالية كبيرة من الصرافات داخل الفندق، رابطًا ذلك بسياسة "الدفع مقابل القتل" التي تنسبها إسرائيل إلى السلطة الفلسطينية، وزعم أن تكلفة إقامتهم اليومية تتجاوز 30 ألف جنيه إسترليني، ملمحًا إلى تمويل تركي أو قطري دون أي أدلة أو ردود رسمية.
كما استعان بكلام ضابط إسرائيلي سابق يُدعى جاي سي، ليزعم أن الأسرى سيعيدون بناء "شبكاتهم الإرهابية" فور مغادرتهم مصر، مما يكرس خطاب الخوف والتحريض ضد الفلسطينيين، متجاهلًا السياق القانوني والسياسي الذي يحيط بعمليات الإفراج، بما في ذلك الإشراف الدولي والرقابة الأمنية، ومكتفيًا بسرد أحادي الجانب يقدم الأسرى كتهديد أمني دائم.
وأعادت ديلي ميل بذلك صياغة الحدث الإنساني في قالب أمني مثير، مكرسة صورة الفلسطيني بوصفه "خطرًا" حتى بعد تحرره، متجاهلة أن الإفراجات تتم ضمن إجراءات رسمية خاضعة لرقابة مشددة.

الانحياز في تغطية ديلي ميل السابقة لقضايا الأسرى الفلسطينيين
يركز تحليل تقرير سابق لصحيفة ديلي ميل، نُشر في 19 يناير/كانون الثاني الفائت، على ما وصفته الصحيفة بـ"الجرائم البشعة" للأسرى الفلسطينيين المزمع الإفراج عنهم، آنذاك، مقابل الأسرى الإسرائيليين.
ويبرز في التقرير إطار سردي حاد يقسم العالم إلى "ضحايا إسرائيليين أبرياء" في مقابل "مجرمين فلسطينيين بشعين"، فقد استعرضت الصحيفة تفاصيل دقيقة لعمليات محددة مرفقة بأسماء الضحايا وأعمارهم، مثل تفجيرات الحافلات في القدس عام 1996 التي أسفرت عن مقتل 45 إسرائيليًا، أو هروب الأسير زكريا الزبيدي من سجن جلبوع، في حين أغفلت أي سياق أوسع للقضية، بما في ذلك أعداد الضحايا الفلسطينيين الكبيرة، أو حقيقة أن عشرات المفرج عنهم في تلك الصفقة، بينهم 69 امرأة و21 فتى، لم تصدر بحقهم أحكام نهائية.
استخدم التقرير مصطلح "جرائم شنيعة" في العنوان، بينما وصف الأسرى الإسرائيليين في بدايته بأنهم "الأوائل الذين أُنقذوا بعد 471 يومًا من الأسر"، دون أي إشارة إلى ظروف احتجاز الأسرى الفلسطينيين، المحتجَز بعضهم منذ عقود أو دون محاكمة.
وعلى الرغم من أن التقرير أشار إلى خالدة جرار باعتبارها "غير مدانة"، فإنه أدرجها ضمن قائمة "الإرهابيين". أما مشاهد الاحتفال الفلسطيني فصورت عبر لقطات لجماهير تهتف "تحية لكتائب القسام"، في حين غابت الأصوات الفلسطينية الفردية تقريبًا، باستثناءات نادرة مثل تصريح آية، وهي سيدة نازحة من مدينة غزة تقيم منذ أكثر من عام في دير البلح وسط القطاع، قالت فيه لوكالة رويترز عبر تطبيق محادثة "أشعر وكأنني أخيرًا وجدت ماء لأشربه بعد أن تاهت بي الصحراء لمدة 15 شهرًا. أشعر أنني حية من جديد".

في تحليل لتقرير آخر نُشر في صحيفة ديلي ميل بتاريخ 20 يناير الفائت، حول صفقة الإفراج عن 90 أسيرًا فلسطينيًا مقابل ثلاث أسيرات إسرائيليات في إطار وقف إطلاق النار، تُظهر الصحيفة انحيازًا واضحًا في المعالجة.
حيث صور التقرير الأسيرات الإسرائيليات بوصفهن "ضحايا إنسانيات" احتُجزن لمدة 471 يومًا، وركز على مشاهد إنسانية مؤثرة مثل لم شمل العائلات وتصريحات الفرح الصادرة عن أقاربهم، في حين غاب تمامًا أي حضور لتصريحات عائلات الأسرى الفلسطينيين.
كما تجاهل التقرير وصف الحالة الصحية لأسيرة فلسطينية نُقلت على كرسي متحرك، مكتفيًا بالإشارة إلى استقبالها بعد تحررها دون توضيح معاناتها السابقة. وفي المحصلة، اعتمد التقرير على مصادر رسمية إسرائيلية وبريطانية فقط، دون أي توازن مع وجهات نظر فلسطينية أو تحقيق ميداني مستقل.

وفي مثال آخر، استعانت صحيفة ديلي ميل بتقرير صادر عن وكالة أسوشيتد برس، حيث بدا اختلاف نسبي في اللغة والسياق مقارنة بالتقارير السابقة للصحيفة.
غطى تقرير الوكالة، المنشور في 15 فبراير/شباط الفائت، عملية الإفراج عن 600 أسير فلسطيني ضمن صفقة أوسع شملت نحو 2000 أسير.
ورغم أن التقرير تجنب اللغة الدرامية التي ميزت تقارير ديلي ميل السابقة في التحليل، وضمن إشارات نقدية للمحاكمات العسكرية والاحتجاز الإداري من منظور حقوقي، فإنه ظل منحازًا في جوهره، إذ ركز على "ضحايا إسرائيليين وأميركيين" أكثر من إبراز معاناة الأسرى الفلسطينيين أو الإشارة إلى سياق الاحتلال الطويل.
وقدم التقرير وجهتي النظر بوضوح، فوصف الأسرى بـ"الإرهابيين" من منظور إسرائيلي مقابل "المقاومين" من منظور فلسطيني، مستندًا إلى تعددية نسبية في المصادر، بينها نادي الأسير الفلسطيني، وجهات إسرائيلية، وحقوقيون. كما أورد تفاصيل دقيقة حول "جرائم محددة" مثل قتل مواطنين أميركيين، لكن دون لغة درامية مفرطة كعبارة "جرائم بشعة"، بل بأسلوب أكثر اتزانًا يشمل أيضًا نفي بعض الاتهامات.

كيف تصور صحيفة "ذا صن" الأسرى الفلسطينيين؟
نشرت صحيفة ذا صن البريطانية في 13 أكتوبر الجاري، تقريرًا بعنوان "ثمن الحرية.. لحظة وصول الحافلات التي تحمل 2000 أسير فلسطيني محرر من بينهم قتلة وإرهابيون إلى غزة".
وركز التقرير على الإفراج عن نحو 2000 أسير فلسطيني، بينهم ما يقارب 250 محكومين بالسجن مدى الحياة في إسرائيل، مقابل إطلاق سراح 20 أسيرًا إسرائيليًّا.
وتناول التقرير أسماء محددة من الأسرى، مثل باهر بدر الذي وصفه بأنه "خطط لهجوم إرهابي عام 2004 أدى إلى مقتل 11 إسرائيليًا"، وعياد أبو الرب، رئيس حركة الجهاد الإسلامي في جنين، الذي نُسبت إليه سلسلة هجمات من بينها مقتل ستة أشخاص في مدينة الخضيرة. كما ذكر أسماء أخرى مثل جهاد روم، ونبيل أبو حضير.
اعتمد التقرير على لغة تحريضية مشحونة، مستخدمًا مصطلحات مثل "قتلة" و"إرهابيون" و"أسماء سيئة السمعة"، وركز على الخطر الأمني الذي قد يشكله الإفراج عن الأسرى، في حين تجاهل تمامًا البعد القانوني والإنساني للحدث، بما في ذلك الحماية التي تمنحها اتفاقية جنيف الرابعة للأسرى في النزاعات المسلحة.
كما حملت تغطية ذا صن اتجاهًا أحاديًا واضحًا، إذ اقتصرت معظم موادها ذات الصلة على الحديث عن الأسرى الإسرائيليين، مع غياب شبه تام لأي تناول إنساني أو قانوني للأسرى الفلسطينيين، ما يعكس استمرار الانحياز الغربي في السرد الإعلامي تجاه القضية الفلسطينية.

تباين في تغطية "ذا ميرور" بين الرواية الإسرائيلية والواقع الإنساني للأسرى الفلسطينيين
على خلاف أسلوب "ديلي ميل" و"ذا صن"، نشرت صحيفة ذا ميرور في 12 أكتوبر الجاري، تقريرًا بعنوان "الرهائن الإسرائيليون يستعدون للإفراج عنهم في إطار جدول زمني دقيق مع إطلاق سراح 2000 سجين فلسطيني"، ركز على الجوانب الإنسانية واللوجستية لعملية التبادل.
ورغم الطابع الإنساني العام للتقرير، فإنه كرّس تركيزه على الأسرى الإسرائيليين، متجاهلًا إلى حد كبير الرواية الإنسانية للأسرى الفلسطينيين، ما جعله يعيد إنتاج سردية إسرائيلية أحادية تتجاهل السياق القانوني والحقوقي المرتبط بهم.

إلا أن ذا ميرور عدلت جزئيًا عن هذا النهج في تقرير لاحق بتاريخ 13 أكتوبر، بعنوان "سجناء فلسطينيون تعرضوا للتعذيب الشديد لدرجة أنهم لم يُعرفوا بعد الإفراج عنهم ويواجهون النفي"، إذ سلط الضوء على الانتهاكات داخل السجون الإسرائيلية، مقدّمًا معالجة أكثر توازنًا ومعاكسة للنهج السائد في معظم التغطيات الغربية.
حسابات إسرائيلية تشكّك في معاناة الأسرى الفلسطينيين المحررين




















