سياسة

شبكة رقمية تقود حملة "لن أتبرع لغزة" لتقويض جهود إعمار غزة

أحمد كحلانيأحمد كحلاني
date
1 نوفمبر 2025
آخر تعديل
date
3:24 م
3 نوفمبر 2025
شبكة رقمية تقود حملة "لن أتبرع لغزة" لتقويض جهود إعمار غزة
حملة رقمية منظمة لتقويض دعوة التضامن مع غزة| مسبار

أعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يوم الأحد 19 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، خلال كلمته في الندوة التثقيفية الثانية والأربعين التي نظمتها القوات المسلحة المصرية، بمناسبة الذكرى الثانية والخمسين لحرب أكتوبر، عن نية مصر استضافة مؤتمر دولي لإعادة إعمار قطاع غزة في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.

تضمنت الكلمة أيضًا دعوة للمواطنين إلى المساهمة في جهود الإعمار، عبر إنشاء آلية وطنية لجمع التبرعات، بالتنسيق بين الحكومة ومؤسسات المجتمع المدني.

عقب هذه الدعوة، اندلع جدل واسع على مواقع التواصل الاجتماعي بين مؤيدين للمبادرة ورافضين لأي تبرع يخص غزة، سواء عبر الحكومة أو بشكل فردي، وتزامنًا مع هذا الجدل ظهرت حملة رقمية منظمة تهاجم المبادرة وتستهدف التخويف من فكرة التبرع بشكل عام والتشكيك في جدواها، عبر رسائل متكررة.

رصد مسبار الحملة منذ بدايتها على موقع إكس، قبل أن تمتد إلى فيسبوك وتيك توك، ولاحظ نمطًا متكررًا من النشاط بين مجموعة من الحسابات التي أظهرت تنسيقًا واضحًا في التوقيت والمحتوى.

توصل التحقيق إلى أن ما لا يقل عن 15 حسابًا على موقع إكس شاركت بفاعلية في تضخيم الرسائل المناهضة للتبرع لغزة، من خلال إعادة النشر المتكرر والتفاعل المتبادل على مدار أيام متتالية.

واعتمد مسبار في تحليله على دراسة الشبكة الرقمية للحملة باستخدام البيانات المفتوحة المصدر، وتشخيص الحسابات الأكثر نشاطًا فيها، ورصد آليات التضخيم والتفاعل المنسق، إلى جانب تحليل مضمون الخطاب والأساليب الدعائية التي استُخدمت لتوسيع انتشار الرسائل الرافضة لأي تبرع لغزة.

كيف بدأت حملة #لن_اتبرع_لغزة وانتشرت على مواقع التواصل؟

تتبع مسبار الحملة الرقمية التي أطلقتها مجموعة من الحسابات على موقع إكس، وركزت على الدعوة إلى رفض أي تبرع لغزة، عقب إعلان الحكومة المصرية نيتها إنشاء آلية وطنية لجمع المساهمات الشعبية.

استخدمت هذه الشبكة مجموعة من الوسوم، أبرزها #لن_اتبرع_لغزة، تحمل رسائل تشكك في جدوى التبرع وتثير مخاوف من سوء إدارة الأموال.

أظهر التحليل الزمني للوسوم أن وسم #لن_اتبرع_لغزة كان الأكثر تداولًا وانتشارًا بين الوسوم المرتبطة بالحملة، وتشير نتائج البحث المتقدم على إكس إلى أن أول حساب استخدم الوسم هو حساب يُدعى منى عبد الوهاب (Mona Abdelwahab)، الذي نشر منشورًا بعد وقت قصير من إعلان الدعوة إلى التبرع.

اعتمد الحساب في منشوره على خطاب عاطفي موجه للمصريين، يقوم على فكرة "الظلم التاريخي" الذي يُفترض أن مصر تتعرض له نتيجة دعمها المستمر للشعوب العربية. وأوحى بأن مساعدة الفلسطينيين ليست حالة استثنائية، بل امتداد لمواقف سابقة تجاه السوريين والسودانيين والليبيين، مع تلميحات تُحمل هذه الشعوب مسؤولية أزماتها لأنها "خربت بلدانها".

الحساب الأول الذي روّج لوسم #لن_اتبرع_لغزة
الحساب الأول الذي روّج لوسم #لن_اتبرع_لغزة

تتبُّع حسابات تضخيم الحملة المناهضة للتبرع لغزة

من خلال حصر نتائج البحث وتتبع الحسابات التي استخدمت الوسم خلال الساعات الأولى لظهوره يوم 19 أكتوبر الجاري، رصد مسبار نشاطًا مكثفًا وغير اعتيادي لحساب يُدعى "د. ندى" (Dr. Nada).

لم يقتصر نشاط الحساب على التفاعل مع الوسم فحسب، بل شمل سلسلة من الردود المتتالية والمتزامنة على تدوينات حسابات مختلفة مستخدمًا الوسم نفسه. اللافت أن معظم هذه الردود كانت موجهة إلى حسابات وسائل الإعلام التي نشرت دعوة الحكومة المصرية إلى التبرع لإعمار غزة، مثل قناة "القاهرة الإخبارية"، إضافة إلى حسابات حظيت بتفاعلات مرتفعة.

ويُظهر تحليل هذا السلوك مؤشرات على تنسيق مقصود لترويج الوسم وجذب انتباه الصحفيين والجمهور المتابع للنقاش العام حول الدعوة إلى التبرع، كما يكشف عن دور الحساب في تضخيم الحملة الرقمية التي تصاعدت بعد الخطاب الرسمي.

واستخدم الحساب أسلوبًا يُعرف في التحليل الرقمي باسم "Flooding"، وهو تكتيك شائع في الحملات المنسقة يهدف إلى إغراق المنصة بالمحتوى المتكرر لزيادة ظهور الوسم ودفعه نحو قوائم الموضوعات الرائجة.

كما أظهر التحليل علاقة رقمية محتملة بين حسابي "د. ندى" و"منى عبد الوهاب"، إذ تبين أن الأولى تفاعلت مباشرة مع المنشور الأول الذي أطلق الوسم، ما يعزز فرضية التنسيق بين الحسابين في تضخيم الحملة ونشر رسائلها على نطاق واسع.

نتائج البحث المتقدم تُظهر نشاطًا متزامنًا لحساب "د. ندى" على وسم #لن_اتبرع_لغزة
نتائج البحث المتقدم تُظهر نشاطًا متزامنًا لحساب "د. ندى" على وسم #لن_اتبرع_لغزة

علاقة رقمية بين حسابين رئيسيين في حملة #لن_اتبرع_لغزة

كشف تحليل النشاط والمحتوى الرقمي، إلى جانب البحث المتقدم داخل الحسابين، علاقة تفاعل ممتدة بين حسابي "منى عبد الوهاب"، الذي يُعد من أوائل من أطلقوا الوسم و"د. ندى"، الذي شارك بفاعلية في تضخيمه.

يتبادل الحسابان الإعجابات والردود على منشورات بعضهما منذ فترة طويلة، ما يشير إلى أنهما ينتميان إلى دائرة رقمية متقاربة تعمل على تعزيز انتشار الرسائل المتبادلة بينهما.

كما رُصد تفاعل مباشر بين الحسابين خلال فترة تصاعد الحملة الرافضة للتبرع لغزة، من خلال استخدام وسم #لن_اتبرع_لغزة إلى جانب وسوم أخرى ذات طابع معاد للاجئين السوريين في مصر.

ويُظهر هذا الترابط أن النشاط المناهض للتبرع لغزة لم يكن معزولًا، بل جاء ضمن سياق رقمي أوسع شارك فيه الحسابان سابقًا عبر حملات مشابهة، تتقاطع في مضمونها وخطابها مع السرديات المعادية للاجئين، التي نشطا في ترويجها قبل أشهر من انطلاق الحملة الحالية.

بحث متقدم يكشف نمط تواصل مباشر ومتكرر بين الحسابين المشاركين في الحملة
بحث متقدم يكشف نمط تواصل مباشر ومتكرر بين الحسابين المشاركين في الحملة

شبكة رقمية وراء حملة #لن_اتبرع_لغزة

أظهر التحليل المعمق للتدوينات والحسابات التي استخدمت وسم #لن_اتبرع_لغزة خلال الأيام الثلاثة الأولى بعد دعوة الحكومة المصرية للتبرع لإعادة إعمار غزة، وجود شبكة واسعة من الحسابات المنسقة على موقع إكس.

شمل التحليل عشرات الحسابات التي شاركت في الحملة بنسب متفاوتة من النشاط، فيما ركز مسبار على 15 حسابًا شكلت النواة الأكثر تأثيرًا في تضخيم الرسائل المضللة وتنسيق التفاعلات، بعد أن خضعت لتحليل تفصيلي شمل كامل محتواها وسلوكها الرقمي.

نشطت هذه الحسابات بشكل منسق ومنهجي في قيادة الحملة وتوسيع نطاق انتشارها، عبر توزيع الأدوار بين حسابات تنتج محتوى أصليًا، وأخرى تضخمه، وأخرى تعمل على إعادة ترويجه ودمجه في النقاشات العامة.

وأظهر تحليل مسبار أن هذه الحسابات تتقاسم هوية بصرية متشابهة، من خلال استخدام صور الأعلام المصرية والرموز الفرعونية كالأهرامات وأبو الهول في الصور التعريفية، إلى جانب العبارات القومية في النبذة الشخصية. كما تبين أن بعض الحسابات مثل "مرشد عام العلمانيين"، و"فادي أحمد" تستخدم الصور نفسها.

وتشترك الحسابات في نمط لغوي واحد يتسم بنبرة حادة وعدائية تجاه الفلسطينيين واللاجئين، إلى جانب تكرار نظريات مؤامرة تزعم استهداف مصر. ويُظهر هذا النمط أن النشاط لا يبدو فرديًا أو عفويًا، بل يعكس تنسيقًا رقميًا متقاربًا بين مجموعة الحسابات.

كما رُصد أن عددًا من الحسابات ضمن هذه الشبكة يحمل أسماء مستخدمين تحتوي أرقامًا عشوائية مثل (RadwaAh49298591) و(Judi49164154)، وهي سمة شائعة في الحسابات الآلية (Bots). وأظهر تحليل آخر 100 منشور لعدد منها أن أكثر من 90% من نشاطها يقتصر على الردود وإعادة النشر، ما يعزز فرضية أن بعض هذه الحسابات تعمل كحسابات تضخيم (Amplification Accounts).

وفي مؤشر إضافي على التنسيق، لوحظ أن هذه الحسابات استخدمت مجموعة الوسوم نفسها بشكل متزامن، تجمع بين الدعوة لرفض التبرع لغزة ووسوم أخرى ذات طابع معاد للاجئين.

أبرز الحسابات التي شكلت النواة الرئيسية لشبكة حملة #لن_اتبرع_لغزة
أبرز الحسابات التي شكلت النواة الرئيسية لشبكة حملة #لن_اتبرع_لغزة

تحليل سلوك أبرز خمسة حسابات نشطة في الشبكة

أظهر التحليل المتعمق لخمسة من أبرز الحسابات النشطة في حملة #لن_اتبرع_لغزة وهي حسابات Mona Abdelwahab وDr.Nada وalmasry وNona Fouzee وRadwa Ahmed، أنماطًا سلوكية متكررة تكشف تقسيمًا واضحًا للأدوار بين الحسابات ضمن الشبكة الرقمية.

يُظهر حساب منى عبد الوهاب، وهو من أقدم الحسابات، أُنشئ عام 2015، نفسه كصوت مؤثر أو "قائدة رأي"، إذ ينشر محتوى أصليًا أكثر نسبيًا مقارنة ببقية الحسابات التي يتركز نشاطها في إعادة النشر والتفاعل التضخيمي.

ويكشف التحليل بنية رقمية شبه هرمية، تتكامل فيها محاولات إظهار الموثوقية والصدقية مع آليات التضخيم المنسّق. إذ تُستغل الحسابات القديمة مثل Moon وNona Fouzee أُنشئا عام 2012، لإضفاء وزن رقمي لدى الجمهور والخوارزميات، إذ تميل المنصات إلى تصنيف الحسابات الأقدم والأكثر نشاطًا، كمستخدمين "حقيقيين".

ورغم ذلك، يُظهر التحليل تناقضًا لافتًا، إذ إن بعض هذه الحسابات يعود تاريخ إنشائها لأكثر من عشر سنوات، ويسجل لها نشاط يفوق عشرات الآلاف من المنشورات، تجاوز 100 ألف منشور لدى بعضها، لكنها تمتلك عددًا محدودًا من المتابعين مقارنة بحجم نشاطها.

قد يشير هذا التباين إلى أن نشاط هذه الحسابات لا يهدف بالضرورة إلى بناء جمهور واسع، بل إلى زيادة ظهور رسائل معينة في فترات محددة، ضمن سلوك يُشبه آليات التضخيم الرقمي.

حساب "Nona Fouzee" نموذج على النشاط المفرط مقارنة بالتفاعل المحدود

تحليل الوسوم المستخدمة في الحملة

أظهر تحليل محتوى الحملة والوسوم المرتبطة بها أن نشاطها ارتكز على رواية موحدة تركز على السخط الشعبي وتوجه النقاش العام نحو رفض فكرة التبرع لغزة.
اعتمدت الحملة على استحضار قضايا داخلية حساسة لتغذية هذا الاتجاه وتحويل النقاش العام في مصر نحو أولويات محلية.

بيّن تحليل الوسوم أن أبرز الوسوم الرئيسية كانت #لن_اتبرع_لغزة، #مش_هتبرع_لغزة، و#غزة_مش_مسؤوليتي، وهي وسوم تتسم بالبساطة والوضوح في الرسالة. وإلى جانبها، استخدمت الحملة وسومًا ثانوية مثل #غزة_ليست_أولوية، #لا_لمشاريع_التوطين، #لا_لتهجير_فلسطين، #لا_لاعمار_غزة_بأموال_المصريين، #مصر_للمصريين_مش_تكية، #اتبرع_لابن_بلدك_المحتاج، #غزة_لحماس_مش_لمصر، و#لن_نبني_غزة_لتهدمها_حماس.

وتعمل هذه الوسوم الفرعية على تعزيز الرواية الأساسية للحملة، عبر شعارات ذات طابع اقتصادي وشعبوي تلقي باللوم على الفلسطينيين، وخصوصًا حركة حماس، وتبرر رفض التبرع باعتباره موقفًا وطنيًا أو اقتصاديًا مشروعًا.

تكرار متزامن لحزمة وسوم الحملة على فيسبوك

آليات التضخيم الرقمي في حملة #لن_اتبرع_لغزة

لم تكتفِ الشبكة بنشر وترويج محتوى موحد مناهض لدعوة الحكومة المصرية للتبرع لإعادة إعمار غزة، بل اعتمدت مجموعة من التكتيكات الرقمية الهادفة إلى توسيع نطاق انتشار الرسائل المضللة وتعزيز ظهورها على المنصات.

من أبرز هذه التكتيكات آلية "التفاعل الدائري" (Circular Interaction)، القائمة على التفاعل المتبادل عبر التعليقات والإعجابات وإعادة النشر والاقتباس بين الحسابات المشاركة في الحملة.

ويُظهر هذا الأسلوب المنشورات وكأنها تحظى بدعم جماهيري واسع، ما يخلق غرف صدى رقمية (Echo Chambers) تُسهم في رفع حضور الرسائل ذاتها ضمن خوارزميات المنصات.

كما رصد مسبار نماذج واضحة لهذا النمط، أبرزها التفاعل المتكرر بين حسابي "المصري" و"د. ندى"، وهما من أكثر الحسابات نشاطًا في الشبكة. إذ نشر حساب "المصري" محتوى ذا طابع عاطفي يربط دعوة التبرع بالمخاوف الاقتصادية الداخلية، لترد عليه "د. ندى" بمنشور تضمن معلومة مضللة حول ثروة مزعومة لابنة ياسر عرفات، في محاولة لإثارة الشكوك حول مصير التبرعات.

ويُشار إلى أن الادعاء المتعلق بامتلاك زهوة عرفات ثروة تقدر بمليارات الدولارات مضلل، وقد أُعيد تداوله في مناسبات سابقة، منها عام 2020. إذ لم تُثبت أي مصادر موثوقة صحة الرقم، وتحقق مسبار من الادعاء آنذاك وتواصل مع مصدر مقرب من العائلة أكد أن ما ورثته زهوة ووالدتها ضئيل جدًا مقارنة بما يروج، وأنهما تعيشان على دعم رمزي من محبي عرفات، مشيرًا إلى أن جزءًا كبيرًا من أموال الراحل صودر في رام الله ولم تستطع العائلة استعادته.

منشورات متبادلة تروج لرواية مضللة حول التبرع لغزة

استخدام آليات النشر المكثف لرفع الوسوم

اعتمدت الشبكة على تكتيك النشر المكثف والمتزامن (Spamming) بهدف رفع الوسوم إلى قوائم الأكثر تداولًا، ويبرز هذا النمط بوضوح في نشاط حساب "Nona Fouzee"، الذي نشر أكثر من 80 منشورًا في يوم واحد في 20 أكتوبر، مستخدمًا وسوم الحملة المناهضة للتبرع، بمعدل يتجاوز ثلاث منشورات في الساعة، وهو معدل مرتفع نسبيًا بالنسبة لحساب شخصي عادي.

يشير السلوك إلى احتمال وجود تنسيق أو أتمتة جزئية في عمل الشبكة، سواء عبر أدوات رقمية أو من خلال تنسيق بشري منظم. ويهدف النشر المكثف إلى إغراق المنصة بالمحتوى الموحد ودفع الخوارزميات إلى رفع الوسوم ضمن قوائم الترند، ما يضمن انتشار الرسائل المضللة ووصولها إلى جمهور أوسع.

نمط نشر مكثف لحساب "Nona Fouzee" لدعم وسم #لن_اتبرع_لغزة

اعتمدت الشبكة أيضًا تكتيكًا أكثر تطورًا من مجرد التفاعل الدائري أو النشر المتكرر، يتمثل في ما يُعرف بـ "الإغراق بالروايات" (Narrative Flooding)، وهو أسلوب يقوم على نشر نسخ متعددة من الرسالة نفسها خلال فترة زمنية قصيرة، مع اختلاف طفيف في الزاوية أو اللغة، بهدف التأثير في شرائح مختلفة من الجمهور.

وبرز هذا النمط بوضوح في نشاط حساب "المصري" يوم 20 أكتوبر الجاري، إذ نشر ثلاث منشورات تحمل الرسالة ذاتها الرافضة للتبرع لغزة، لكن من زوايا مختلفة؛ فركزت الأولى على البعد الاقتصادي والاجتماعي من خلال التأكيد أن "المصري أولى" بالتبرع، والتحذير من الأزمة المعيشية، بينما تناولت الثانية البعد السياسي والأمني عبر الزعم أن حركة حماس "تعادي المصريين" وستستفيد من الأموال، في حين ركزت الثالثة على الجوانب المعيشية والبنية التحتية من خلال الإشارة إلى مشكلات التعليم والعلاج والمواصلات.

هذا التنوع في الزوايا لا يعكس عشوائية في النشر، بل يُظهر استراتيجية محتوى مدروسة تستهدف فئات مختلفة من الجمهور برسائل مخصصة، بحيث إن لم يتأثر المتلقي بالحجة الاقتصادية، فقد يتجاوب مع الخطاب الأمني أو المعيشي، مما يزيد من فرص انتشار الرسالة وتعزيز صداها على مواقع التواصل الاجتماعي.

منشورات متزامنة لحساب "المصري" تروج روايات مختلفة لرفض التبرع لغزة

إلى جانب ذلك، استخدمت الشبكة تكتيك "تجميع الوسوم" (Cluster Hashtagging)، وهو أسلوب يقوم على استخدام عدة وسوم مترابطة في سلسلة منشورات متتالية، بهدف زيادة معدل الوصول ورفع فرص الظهور في نتائج البحث عبر توظيف أكبر عدد ممكن من الكلمات المفتاحية.

فبدلًا من الاعتماد على وسم واحد مثل #لن_اتبرع_لغزة، لجأت حسابات في الشبكة، مثل "د. ندى" و"Nona Fouzee"، إلى دمج وسوم أخرى تحمل أجندة متقاربة، من بينها #ترحيل_جميع_اللاجئين_مطلب_شعبي.

يساهم هذا الدمج في ربط قضايا متفرقة داخل رواية موحدة، بحيث تُقدم الدعوة إلى رفض التبرع لغزة بوصفها جزءًا من سلسلة أزمات أوسع تتعلق بملف اللاجئين والوضع الاقتصادي، مما يعزز الانطباع بوجود "تهديد مشترك" و"أولوية وطنية" داخل الخطاب الذي تروجه الشبكة.

منشورات متطابقة تروّج للوسوم المعادية للاجئين

استخدمت الشبكة أيضًا تكتيكًا آخر يُعرف بـ "التنسيق الزمني للنصوص" (Synchronized Scripting)، وهو من أبرز المؤشرات على وجود إدارة مركزية أو جهة موحدة تتحكم في المحتوى المنشور وتوزيعه.

وكشف التحليل عن أنماط متكررة ومتشابهة تعزز فرضية أن الحسابات المعنية تعمل ضمن شبكة منظمة تهدف إلى إفشال دعوة التبرع لإعمار غزة.
ورصد مسبار حالات تطابق لغوي وزمني لا تقتصر على استخدام الوسوم نفسها، بل تمتد إلى تماثل في الصيغ التعبيرية، والأخطاء الإملائية، وتزامن دقيق في توقيت النشر.

كما تبين أن عددًا من المنشورات نُشر بالنص نفسه تمامًا، ما يشير إلى اعتماد نصوص جاهزة تُنسخ وتُلصق بشكل منسق عبر الحسابات المختلفة. وتكررت أيضًا أخطاء لغوية بعينها، مثل كتابة "ليست مسئوليتي" و"مسئولية" بالشكل نفسه، ما يعزز أن المنشورات ليست نتاج مبادرات فردية، بل نتيجة نظام توزيع محتوى موحد داخل الشبكة.

منشورات متزامنة تكشف تنسيقًا زمنيًا بين حسابات الشبكة
منشورات متزامنة تكشف تنسيقًا زمنيًا بين حسابات الشبكة

تحليل محتوى الحملة وأدواتها العاطفية

اعتمدت الشبكة الرقمية في استهدافها لمستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي على استراتيجية ممنهجة تقوم على إثارة الغضب وتأجيج الاستقطاب، عبر ما يمكن تسميته بـ"هندسة الغضب" (Anger Engineering)، بهدف دفع المستخدمين إلى رفض الانخراط في دعوات التبرع لإعمار غزة.

ترتكز هذه الاستراتيجية على توظيف المشاعر السلبية، والصور المذلة، واللغة الحادة، والسخرية لتشويه صورة المستفيدين من التبرعات، وجعل الفعل الإنساني يبدو تهديدًا مباشرًا للمواطنين. وتتضمن نماذج هذه الحملة استخدامًا مكثفًا للرسوم الكاريكاتيرية، مثل تلك التي تصور المواطن المصري مهددًا أو مجبرًا رمزيًا على التبرع، إلى جانب توظيف شعارات عاطفية مثل "الأولوية لأبناء الوطن" و"مصر للمصريين" لخلق إحساس بالمنافسة على الموارد.

كما عملت الحسابات المشاركة في الحملة على تحويل فكرة التبرع إلى خطر أمني أو استغلال سياسي عبر عبارات مثل "لن نبني غزة لتهدمها حماس".
ويُظهر هذا الأسلوب مزيجًا من التخويف والسخرية والتشويه لبناء حاجز نفسي بين الجمهور المصري والقضية الإنسانية، ما يسهم في خفض مستويات التعاطف وزيادة الانقسام، ويعزز قدرة الشبكة على إفشال المبادرة الشعبية للتبرع.

توظيف السخرية والكاريكاتير لتأجيج الغضب ورفض التبرع لغزة

كما استغلت الشبكة أيضًا سخط المواطنين المصريين على الأوضاع الاقتصادية، لتقوية حججها ضد دعوات التبرع، وذلك من خلال التذكير بالمشاكل اليومية التي يواجهها المصريون مثل ارتفاع أسعار الوقود وتدهور الظروف المعيشية.

وفي الوقت نفسه، بثت الحسابات رسائل تشكك في شفافية توزيع المساعدات، متهمة حركة حماس بسرقتها، ومروجة لفكرة أن الأموال "لن تصل إلى مستحقيها"، إلى جانب وصف دعوة الرئيس المصري بأنها "خدعة" أو خطوة "لصالح النظام".

كما حملت الحسابات مسؤولية إعادة الإعمار إلى أطراف أخرى، مثل المنظمات الدولية أو المجتمع الدولي، وكررت سرديات تهدف إلى التخويف من خلال التذكير بحوادث سابقة وخطابات تخوين، بهدف تقويض أي تعاطف شعبي مع فكرة التبرع وإضعاف التأييد للمبادرة.

منشور يوظف صورًا دموية لربط الفلسطينيين بالعنف والتحريض ضدهم

ترويج مزاعم مضللة ضمن الحملة

عملت شبكة الحسابات أيضًا على ترويج مزاعم مضللة لزيادة الاستقطاب العاطفي وتحفيز المشاعر السلبية تجاه دعوة المصريين للتبرع لغزة.
ومن أبرز الأمثلة، تداول مقطع فيديو يُظهر حفل زفاف ضخم وُصف بأنه "أسطوري" و"بذخ غير مسبوق"، جرى ربطه ضمنيًا بسياق الوسم المناهض للتبرع.
 تحقق مسبار من الفيديو وتبيّن أنه قديم، إذ يعود إلى حفل زفاف فلسطيني نُشر في أغسطس/آب 2023، أي قبل اندلاع العدوان على غزة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه.

ويعكس توظيف هذا المقطع في سياق الحملة محاولة لإيهام الجمهور المصري بأن الفلسطينيين لا يحتاجون إلى المساعدة، أو أن بعضهم يعيش في ترف يجعلهم أقل استحقاقًا للتبرعات، ما يزرع شعورًا بالظلم لدى المصريين الذين يعانون من ظروف اقتصادية صعبة، ويثير تساؤلات مثل "لماذا أتبرع لهم وهم يعيشون في البذخ؟".

منشور يروّج فيديو قديم لحفل زفاف فلسطيني

امتداد الحملة إلى فيسبوك وتيك توك

لم تقتصر حملة "#لن_اتبرع_لغزة" على موقع إكس، بل امتدت إلى مواقع أخرى مثل فيسبوك وتيك توك، بهدف الوصول إلى شرائح أوسع من الجمهور، وتتبع مسبار نشاط الحملة على هذه المواقع، ورصد محاولات منسقة لعدد من الحسابات التي تتشابه في الهوية البصرية مع نظيراتها على إكس، وتستخدم الرموز الوطنية المصرية وصور العلم، لتكييف الرسائل وفق خصائص كل منصة.

على فيسبوك، ركزت الحملة على منشورات نصية مبسطة وصور مباشرة، مدعومة بوسوم معزولة تعزز الرسالة الأساسية دون إدخالها في سياقات سياسية أو أمنية أخرى. كما لوحظ إعادة استخدام قائمة الوسوم ذاتها المنتشرة على إكس، مثل #جندي_مقاتل و#غزة_مش_مسؤوليتي، في محاولة لربط السرديات وتوحيد الخطاب عبر المنصات المختلفة.

منشورات فيسبوك تروّج لوسم #لن_اتبرع_لغزة

اللافت على هذه المنصات هو انخراط عدد من الحسابات الحقيقية في الحملة، وهو ما يمثل هدفًا رئيسيًا لأي حملة رقمية تسعى للانتشار، إذ يساعدها هذا التفاعل في ترويج انطباع زائف بأنها حملة عفوية تعبر عن رفض شعبي واسع.

يؤدي هذا الانخراط إلى ما يمكن وصفه بـ"تبييض الحملة"، بحيث تبدو موثوقة وأكثر قبولًا لدى المستخدمين، مما يسهم في تحويل النقاش العام من البحث في آليات المساعدة التي دعا إليها الرئيس المصري إلى الجدل حول أحقية مساعدة غزة أصلًا.

ورصد مسبار في هذا السياق حسابًا على منصة تيك توك ينشر محتوى يتسم بعدائية تجاه الفلسطينيين، مستخدمًا وسم "#أنا_مش_هتبرع_لغزة"، حيث دعا متابعيه في فيديو مصور إلى رفض التبرع مستندًا إلى تبريرات اقتصادية وسياسية. هذا النوع من المحتوى يعد من أكثر الأشكال القابلة للانتشار على المنصة، ما يبرز خطورة توسع مثل هذه الحملات الرقمية وتأثيرها على الرأي العام.

فيديو على تيك توك يروّج وسم "أنا مش هتبرع لغزة"

اقرأ/ي أيضًا

شبكة حسابات تروّج لمعلومات مضللة وخطاب كراهية بين الجمهور العربي

شبكة دعائية إسرائيلية تستهدف الفلسطينيين بلهجة محلية ورسائل مضللة

المصادر

كلمات مفتاحية

اقرأ/ي أيضًا

الأكثر قراءة

مؤشر مسبار
سلّم قياس مستوى الصدقيّة للمواقع وترتيبها
مواقع تم ضبطها مؤخرًا
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
عرض المواقع
bannar