تكنولوجيا

"آلية الغمزة".. حيلة إسرائيلية عبر غوغل وأمازون للالتفاف على القانون

فريق تحرير مسبارفريق تحرير مسبار
date
5 نوفمبر 2025
آخر تعديل
date
6:13 ص
11 نوفمبر 2025
"آلية الغمزة".. حيلة إسرائيلية عبر غوغل وأمازون للالتفاف على القانون
احتجاجات خارج مقر غوغل للمطالبة بإنهاء مشروع نيمبوس | مسبار

كشفت صحيفة ذا غارديان البريطانية، بالتعاون مع مجلة +972 وموقع لوكل كول الإسرائيلي، عن تفاصيل جديدة ومثيرة تتعلق بمشروع "نيمبوس"، وهو عقد ضخم بين الحكومة الإسرائيلية وشركتي غوغل وأمازون لتزويد إسرائيل بخدمات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية.

ويُظهر التحقيق أن هذا المشروع لا يقتصر على التعاون التقني، بل يمتد إلى ترتيبات سرية وبنود قانونية غير مسبوقة تسمح بتجاوز أوامر المحاكم الأجنبية وتمنح إسرائيل سيطرة شبه مطلقة على استخدام التكنولوجيا، في ظل انتقادات واسعة تربط المشروع بانتهاكات حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية.

غوغل وأمازون وافقتا على الالتفاف على القوانين لدعم إسرائيل عبر نيمبوس
غوغل وأمازون وافقتا على الالتفاف على القوانين لدعم إسرائيل عبر نيمبوس

مشروع "نيمبوس": صفقة بمليار دولار لنقل البيانات الإسرائيلية إلى سحابة غوغل وأمازون

كشف التحقيق أن شركتي غوغل وأمازون وافقتا على تجاهل شروط خدمتهما الخاصة والالتفاف على الأوامر القانونية من خلال إبلاغ إسرائيل إذا طلبت محكمة أجنبية بياناتهما، لضمان الفوز بعقد مشروع "نيمبوس" المربح مع الحكومة الإسرائيلية. 

وبموجب هذه الترتيبات، قبلت الشركتان تجاهل شروط الخدمة الخاصة بهما والالتفاف على الأوامر القانونية من خلال إخطار إسرائيل سرًا في حال طلبت أي محكمة أجنبية بياناتها، وفقًا لما كشفه التحقيق.

ويُظهر التحقيق أن إسرائيل فرضت "ضوابط" غير تقليدية على الشركتين ضمن الصفقة، تحسبًا لأي طعون قانونية محتملة تتعلق باستخدام التكنولوجيا في الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة.

وفي عام 2021، وقّعت غوغل وأمازون عقدًا بقيمة 1.2 مليار دولار مع الحكومة الإسرائيلية لتزويدها بخدمات الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي المتقدمة، وهي تقنيات وُظّفت لاحقًا في دعم الإبادة الإسرائيلية الأخيرة في غزة. وقد جرى التكتم على تفاصيل هذا العقد الضخم المعروف باسم مشروع "نيمبوس".

مشروع "نيمبوس": تعاون جوجل وأمازون لتزويد إسرائيل بالحوسبة السحابية
مشروع "نيمبوس": تعاون غوغل وأمازون لتزويد إسرائيل بالحوسبة السحابية

آلية "الغمزة"

تكشف الوثائق المسرّبة من وزارة المالية الإسرائيلية، حصلت عليها صحيفة ذا غارديان، بما في ذلك النسخة النهائية من العقد، إلى جانب شهادات من مصادر مطّلعة على المفاوضات، عن مطلبين صارمين فرضتهما إسرائيل على شركتي غوغل وأمازون كجزء أساسي من صفقة مشروع "نيمبوس".

المطلب الأول يمنع الشركتين من تقييد كيفية استخدام إسرائيل لمنتجاتهما، حتى في حال خالفت هذه الاستخدامات شروط الخدمة الخاصة بهما. أما المطلب الثاني، فيُلزم غوغل وأمازون بإخطار إسرائيل سرًا إذا أُجبرتا بأمر من محكمة أجنبية على تسليم بيانات الدولة المخزّنة على منصاتهما السحابية، وهو ما يسمح فعليًا بتجاوز التزاماتهما القانونية الدولية.

ويمتد مشروع "نيمبوس" في بدايته لمدة سبع سنوات قابلة للتمديد، وقد صُمم لتمكين إسرائيل من نقل كميات ضخمة من بياناتها الحكومية والعسكرية والأمنية إلى خوادم الشركتين: أمازون ويب سيرفيسز وغوغل كلاود. 

ومن اللافت أن المسؤولين الإسرائيليين الذين صاغوا العقد تنبّهوا مبكرًا لاحتمال مواجهة قضايا قانونية تتعلق باستخدام هذه التقنيات في الأراضي الفلسطينية المحتلة، حتى قبل عامين من يوم السابع من أكتوبر 2023.

كان أحد السيناريوهات التي أثارت قلق المسؤولين الإسرائيليين بشدة هو احتمال أن تأمر إحدى المحاكم الأجنبية الشركتين بتسليم بيانات إسرائيلية إلى جهات أمنية أو قضائية أجنبية، إذا ثبت ارتباط استخدام إسرائيل للتكنولوجيا بانتهاكات لحقوق الإنسان ضد الفلسطينيين.

وفي هذا السياق، يُشير التحقيق إلى أن القوانين الدولية مثل "قانون السحابة الأميركي" لعام 2018، تمنح السلطات الأميركية حق مطالبة الشركات السحابية بتسليم البيانات حتى لو كانت محفوظة خارج أراضيها، بينما تُلزم القوانين الأوروبية الشركات بالتحقق من أي انتهاكات لحقوق الإنسان ضمن سلاسل التوريد الخاصة بها. 

ولتفادي هذا الخطر، طالبت إسرائيل بإدراج بند استثنائي في العقد يلزم الشركتين بإرسال إشارة سرية - عبر ما عُرف لاحقًا باسم "آلية الغمزة" - في حال اضطرتا لتسليم بيانات إسرائيل دون القدرة على الإفصاح عنها رسميًّا. 

ووفقًا للوثائق، يتم هذا الإخطار من خلال تحويل رمزي مالي إلى الحكومة الإسرائيلية بأربعة أرقام بالشيكل الإسرائيلي (NIS) تعكس رمز الاتصال الدولي للدولة المعنية متبوعًا بأصفار.

فعلى سبيل المثال، إذا أُجبرت الشركتان على مشاركة بيانات مع السلطات الأميركية (رمز الاتصال +1)، تحولان 1000 شيكل إلى إسرائيل، بينما في حال كانت الجهة الطالبة إيطالية (رمز +39)، تُحوّل 3900 شيكل. ويُلزم العقد بتنفيذ هذه التحويلات خلال 24 ساعة من نقل المعلومات.

وفي الحالات التي يمنع فيها أمر قضائي الشركتين حتى من الإشارة إلى الدولة المعنية، حُدّد إجراء بديل يتمثل في دفع 100,000 شيكل (نحو 30,000 دولار) للحكومة الإسرائيلية.

انتقادات قانونية ومخاطر الامتثال: تضارب محتمل بين العقد والقوانين الدولية

وصف خبراء قانونيون، بينهم عدد من المدعين العامين الأميركيين السابقين، آلية "الغمزة" التي اعتمدتها إسرائيل ضمن عقد نيمبوس بأنها غير عادية للغاية، مشيرين إلى أن الرسائل المشفرة قد تنتهك الالتزامات القانونية للشركات في الولايات المتحدة المتعلقة بالحفاظ على سرية أوامر الاستدعاء. وعلّق محامٍ سابق في الحكومة الأميركية قائلًا "يبدو الأمر جذابًا للغاية، ولو فهمته الحكومة الأميركية، أو بالأحرى المحكمة، لا أعتقد أنهم سيتعاطفون معه بشكل خاص".

ووصف عدد آخر من الخبراء هذه الآلية بأنها "حيلة ذكية" يمكن أن تلتزم حرفيًا بنص القانون، لكنها تتعارض مع روحه ومبادئه الأساسية.

ويبدو أن المسؤولين الإسرائيليين كانوا على علم بهذه المخاطر القانونية. وتُشير الوثائق إلى أن مطالبهم بشأن طريقة رد غوغل وأمازون على الأوامر الأميركية "قد تتعارض" مع القانون الأميركي، وهو ما يضع الشركتين أمام خيار صعب بين انتهاك العقد أو خرق الالتزامات القانونية.

حتى الآن، لم ترد كل من غوغل وأمازون على استفسارات حول ما إذا كانت الشركتان قد استخدمتا الرمز السري منذ بدء تنفيذ عقد نيمبوس.

وفي تصريحات رسمية، قال متحدث باسم أمازون "لدينا عملية عالمية صارمة للرد على الأوامر القانونية والملزمة المتعلقة بطلبات بيانات العملاء. ليس لدينا أي إجراءات للتحايل على التزاماتنا بالسرية فيما يتعلق بالأوامر القانونية".

من جانبه، قال متحدث باسم غوغل إن من الخطأ الإيحاء بأن الشركة "متورطة في نشاط غير قانوني"، مضيفًا "إن فكرة التهرب من التزاماتنا القانونية تجاه الحكومة الأميركية كشركة أميركية، أو في أي دولة أخرى، خاطئة تمامًا".

الامتيازات الممنوحة لإسرائيل: حماية من القيود والعقوبات المحتملة

وفقًا للوثائق المسربة ومصادر مطلعة على المناقشات الداخلية، كان المسؤولون الإسرائيليون قلقين من احتمال تقييد أو قطع الوصول إلى خدمات السحابة التي توفرها غوغل وأمازون، سواء نتيجة حكم صادر عن محكمة أجنبية، أو قرار أحادي من الشركات نفسها استجابة لضغوط الموظفين أو المساهمين.

وكانت المخاوف أشد تجاه احتمال أن يستخدم ناشطون ومنظمات حقوقية في بعض الدول الأوروبية القوانين المحلية لمقاضاة الشركات، والضغط لإنهاء علاقاتها التجارية مع إسرائيل، خصوصًا إذا كان استخدام منتجاتها مرتبطًا بانتهاكات لحقوق الإنسان.

ففي الشهر الفائت، بعد أن كشفت كل من +972، و"لوكال كول"، وصحيفة ذا غارديان عن انتهاك إسرائيل لشروط خدمة مايكروسوفت عبر استخدام منصتها لتخزين كمّ هائل من المكالمات الهاتفية الفلسطينية التي اعتُرضت، ألغت مايكروسوفت وصول جيش الاحتلال إلى بعض منتجاتها.

مايكروسوفت توقف جزء من خدماتها للاحتلال

ومقابل ذلك، تنص الوثائق المسربة على أن عقد نيمبوس يمنع غوغل وأمازون صراحةً من فرض أي عقوبات مشابهة على إسرائيل، حتى في حال تغيّر سياسات الشركات أو خرق استخدام إسرائيل للتكنولوجيا شروط الخدمة الخاصة بها. ويضيف التحقيق أن أي انتهاك لهذا البند لن يقتصر على الإجراءات القانونية لخرق العقد، بل سيترتب عليه أيضًا عقوبات مالية كبيرة.

ويشير التحقيق إلى أن استعداد الشركتين لقبول هذه الشروط كان أحد الأسباب الرئيسة لفوزهما بعقد نيمبوس على حساب مايكروسوفت، التي تُنظّم علاقتها بالحكومة والجيش الإسرائيليين بموجب عقود منفصلة. 

وأوضحت مصادر استخباراتية للصحيفة أن إسرائيل تخطط لنقل مخزونها من أدوات المراقبة من سحابة مايكروسوفت إلى منصة أمازون بعد أن حجبت مايكروسوفت وصولها إليها.

"نيمبوس": سيطرة إسرائيلية كاملة على البيانات وفعالية تشغيلية عالية

في عام 2024، أفاد موقع "ذا إنترسبت" أن مشروع نيمبوس يخضع لمجموعة "مُعدَّلة" من السياسات التي اتفق عليها بين غوغل وإسرائيل، بدلًا من الالتزام بسياسة شروط خدمة الحوسبة السحابية العامة للشركة. 

واستشهد التقرير برسالة بريد إلكتروني مسربة من أحد محامي غوغل، حذّر فيها من أنه في حال فوز الشركة بالصفقة، "ستضطر إلى قبول عقد غير قابل للتفاوض بشروط تُناسب الحكومة".

وثائق تكشف تناقض عقد نيمبوس مع شروط خدمة غوغل العامة
وثائق تكشف تناقض عقد نيمبوس مع شروط خدمة غوغل العامة

وتنص سياسات الاستخدام المقبول لكل من غوغل وأمازون على ألا تُستخدم منصاتهما السحابية لانتهاك الحقوق القانونية للآخرين أو المشاركة في أنشطة تسبب ضررًا جسيمًا للناس أو تشجيعها. ومع ذلك، كشف مصدر مطلع على صياغة العقد أن العقد يمنح إسرائيل حرية كاملة دون أي قيود على نوع البيانات المخزنة على منصات الشركتين.

ويشير تحليل أجرته وزارة المالية الإسرائيلية إلى أن عقد نيمبوس يسمح لإسرائيل باستخدام أي خدمة كما تشاء، طالما لا يُخالف القانون الإسرائيلي أو ينتهك حقوق النشر أو يعيد بيع تقنيات الشركات. وتوضح شروط الصفقة أن إسرائيل "يحق لها نقل أي بيانات محتوى ترغب بها إلى السحابة أو توليدها فيها".

كما أظهرت مذكرة حكومية صادرة بعد عدة أشهر من توقيع العقد أن موافقة مزودي الخدمات السحابية على إخضاع شروط خدمتهم لشروط العقد تعكس "فهمهم لحساسيات الحكومة الإسرائيلية واستعدادهم لقبول متطلباتها".

غير أن هذا التحكم الكامل لإسرائيل أثار انتقادات متزايدة من موظفي الشركتين والمستثمرين، خصوصًا فيما يتعلق بالدور الذي لعبه مشروع نيمبوس في الإبادة الإسرائيلية على القطاع.

وأكد قائد في وحدة مركز الحوسبة وأنظمة المعلومات بالجيش الإسرائيلي، في تصريحات كُشف عنها، أن خدمات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية التي توفرها الشركتان منحت إسرائيل "فعالية تشغيلية كبيرة جدًا" في القطاع.

كما أكدت مصادر أمنية إسرائيلية متعددة أن الجيش استخدم على نطاق واسع البنية التحتية التي أُنشئت عبر مشروع "نيمبوس"، بما في ذلك مراكز البيانات الضخمة التي بنتها شركتا غوغل وأمازون في إسرائيل.

مقال لمسبار عن دعم غوغل وأمازون للجيش في حربه على غزة

اقرأ/ي أيضًا

غوغل ترفض إزالة الإعلانات الإسرائيلية التي تنكر المجاعة في قطاع غزة

بـ45 مليون دولار.. غوغل توقع عقدًا مع إسرائيل لترويج روايتها حول غزة

المصادر

كلمات مفتاحية

اقرأ/ي أيضًا

الأكثر قراءة

مؤشر مسبار
سلّم قياس مستوى الصدقيّة للمواقع وترتيبها
مواقع تم ضبطها مؤخرًا
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
عرض المواقع
bannar