سياسة

بين البيانات الرسمية والمنظمات الحقوقية.. ماذا يحدث في السجون التونسية؟

مروى بن عرعارمروى بن عرعار
date
10 نوفمبر 2025
آخر تعديل
date
6:02 ص
11 نوفمبر 2025
بين البيانات الرسمية والمنظمات الحقوقية.. ماذا يحدث في السجون التونسية؟
تقارير حقوقية تتهم السلطات التونسية بقمع معارضيها | مسبار

يشهد ملف السجون في تونس جدلًا متصاعدًا، نتيجة التباين بين الرواية الرسمية للهيئة العامة للسجون والإصلاح ووزارة العدل، وما توثقه المنظمات الحقوقية المحلية والدولية حول أوضاع السجناء وظروف الإيقاف. في كل مرة تصدر فيها هذه المنظمات تقارير تشير إلى انتهاكات محتملة أو مساسًا بكرامة الموقوفين، تردّ الجهات الرسمية بالنفي أو الالتزام بالصمت، مؤكدة احترامها للمعايير الحقوقية والقانونية داخل السجون.

الفجوة بين الروايتين ليست جديدة، لكنها تبدو أكثر حدة اليوم مع تسجيل حالات إضراب عن الطعام ووفيات متتالية وقعت في ظروف مريبة، داخل السجون خلال العام 2025.

في هذا التقرير، يسلط "مسبار" الضوء على هذا التناقض من خلال رصد البلاغات الرسمية ومقارنتها بالتقارير الحقوقية، والكشف عن حجم الفجوة بين الروايتين واستعراض أبرز الوقائع المرتبطة بالموضوع.

الاعتقالات السياسية في تونس منذ عام 2023

انتقدت منظمة هيومن راتيتس ووتش، في تقرير صدر في 16 إبريل/نيسان 2025 بعنوان" كلنا متآمرون...استخدام الاحتجاز التعسفي في تونس لسحق المعارضة"، موجة الاعتقالات التي طاولت سياسيين ومعارضين واعلاميين بداية من العام 2023، مُعتبرة أن الاعتماد على الاحتجاز واللوائح الأمنية إلى سمة أساسية في إدارة السلطة التونسية للأصوات المعارضة.

ولفت التقرير إلى أن ظروف الاحتجاز غالبًا ما تكون قاسية، وأن السلطات لم توفر الرعاية الطبية اللازمة لبعض السجناء المحتجزين بسبب آرائهم أو نشاطاتهم السلمية، مشددة على أن العديد من المعتقلين السياسيين يعانون من أمراض مزمنة مثل السكري والسرطان، مع تقييد الوصول إلى أخصائيين أو نتائج الفحوصات، وأحيانًا منع الأدوية الموصوفة لهم.

كما لفت التقرير إلى ممارسات تعسفية وسوء معاملة تشمل المراقبة المستمرة بالكاميرات، الإضاءة الدائمة التي تحرم السجناء من النوم، والتفتيش العاري للنساء. إضافة إلى ممارسة السلطات انتقامات ضد أقارب المعتقلين وتقييد زيارات المحامين والعائلات، سواء داخل السجون أو عند نقل المعتقلين إلى المستشفيات.

هيومن رايتس ووتش

تونس مصنفة ضمن الدول عالية المخاطر في التعذيب

وفقًا لتقرير مؤشر التعذيب العالمي 2025، الصادر عن المنظمة العالمية لمناهضة التعذيب، صُنّفت تونس ضمن الدول عالية المخاطر بما يتعلق بالتعذيب وسوء المعاملة.

ويشير التقرير إلى أن استمرار هذه الممارسات التعسفية يعود بشكل رئيسي إلى غياب إصلاحات جوهرية في النظامين الأمني والقضائي، مع استمرار استخدام العنف من قبل وحدات إنفاذ القانون في الفضاء العام ومراكز الاحتجاز. كما تتفاقم الاعتداءات داخل السجون بسبب الاكتظاظ، إلى جانب حالات وفيات مشبوهة، اعتقالات تعسفية، ترحيلات قسرية، وغياب فعلي للمساءلة القانونية.

ويؤكد التقرير أن الملاحقات القضائية المتعلقة بالتعذيب وسوء المعاملة نادرة، والأحكام غالبًا متساهلة، وتعويض الضحايا غير كاف، ما يعكس فجوة كبيرة بين النصوص القانونية والممارسة الفعلية في البلاد.

مؤشر التعذيب العالمي

إضرابات عن الطعام في عام 2025

شهد عام 2025 سلسلة إضرابات عن الطعام نفذها سجناء سياسيون احتجاجًا على ظروف إيقافهم ومحاكمتهم، وكانت آخر هذه الحالات، إضراب الناشط السياسي جوهر بن مبارك، التي أبرزت التناقض بين الخطاب الرسمي وما وثقته منظمة حقوقية محلية بشأن وضعه.

و قد كشفت المحامية دليلة مصدق في بث مباشر على حسابها الرسمي على فيسبوك بتاريخ الخامس من نوفمبر الجاري، تدهور الوضع الصحي لشقيقها جوهر بن مبارك نتيجة إضراب عن الطعام بدأه قبل أيام من البث.

وأشارت مصدق إلى أن إدارة السجن تجاهلت الحالة الصحية الحرجة لشقيقها ولم تتدخل لإسعافه أو نقله إلى المستشفى، بحجة أنه رفض الخضوع للعلاج.

دليلة بن مبارك

بعد بث الفيديو مباشرة، أصدرت الهيئة العامة للسجون والإصلاح، وهي مؤسسة تابعة لوزارة العدل التونسية تُشرف على جميع جوانب المنظومة السجنية والإصلاحية، بلاغًا نفت فيه تدهور الوضع الصحي للمساجين السياسيين، من دون الإشارة صراحة إلى المعنيين بالأمر.

وأكّدت الهيئة أن الأوضاع الصحية للمودعين في السجون طبيعية ومستقرة وفق ما أثبتته الفحوصات الطبية والمعاينات اليومية، التي أجرتها الأُطر الطبية وشبه الطبية، مُشيرة إلى أن الإضرابات عن الطعام المشار إليها لا تحمل أي صبغة جدية، خاصة بعد ثبوت تناول بعض الحالات للطعام على الرغم من الترويج أنها تخوض إضرابًا وحشيًا عن الطعام، حسب نص البلاغ.

بلاغ الهيئة العامة للسجون

قوبل بلاغ الهيئة العامة للسجون والإصلاح ببلاغ آخر صادر عن هيئة حقوقية، إذ أصدرت الرابطة التونسية لحقوق الإنسان بتاريخ السابع من نوفمبر الجاري، بيانًا أكّدت فيه تدهور الحالة الصحية للسجين السياسي جوهر بن مبارك ووصفتها بالحرجة، وذلك بعد زيارة ميدانية قام بها وفد الرابطة رفقة طبيب إلى مقر احتجازه.

كما أشار البلاغ إلى أن هذه الزيارة تأتي في إطار تفعيل مذكرة تفاهم موقعة مع وزارة العدل التونسية، والتي تتيح للرابطة متابعة أوضاع السجون والسجناء بشكل دوري.

الرابطة التون

شبهة اعتداء على سجين في بنزرت بين الروايتين

لم يقتصر التناقض بين الروايات الرسمية والتقارير الحقوقية على أوضاع السجناء السياسيين، إذ تم توثيق حادثة مماثلة تتعلق بالسجين ريان الخلفي، وهو تلميذ بكالوريا يبلغ من العمر 19 سنة، محتجز منذ ثلاثة أسابيع على خلفية قضية تتعلق بحيازة مادة مخدرة بقصد الاستهلاك.

وفي منشور لمحاميته بتاريخ الثاني من مايو/أيار الفائت، أكدت وجود شبهات تعذيب ومعاملة قاسية تعرض لها موكلها داخل السجن المدني في بنزرت، مشيرة إلى آثار كدمات متعددة الألوان وحروق بالسجائر على جسده، بالإضافة إلى علامات ضرب بأدوات مطاطية على ظهره، فيما بدت حالته النفسية مضطربة وغير مستقرة أثناء الزيارة.

وأضافت المحامية أن إدارة السجن رفضت تمكينها من مقابلة المسؤولين لتوضيح ملابسات ما عاينته، ما دفعها إلى تقديم شكوى إلى النيابة العمومية بالمحكمة الابتدائية ببنزرت وإعلام الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان بالواقعة.

جاء الرد سريعًا من وزارة العدل التونسية، التي أصدرت بتاريخ الرابع من مايو بيانًا نفت فيه ما تم تداوله بشأن تعرض السجين ريان الخلفي للتعذيب، مؤكدة أن ما وصفته بالادعاءات "لا أساس لها من الصحة".

وأوضح بيان وزارة العدل حينها أن النيابة العمومية في المحكمة الابتدائية في بنزرت تولّت فور تداول الخبر إخراج السجين لمعاينته رسميًا، وتبيّن "عدم وجود أي آثار عنف على جسده"، كما أجرت التفقدية العامة للسجون والإصلاح المعاينات اللازمة وسمعت جميع الأطراف "دون أن تُسجّل مؤشرات على إساءة معاملة".

وأضافت الوزارة أن قاضي التحقيق انتقل بدوره إلى السجن يوم الثالث من مايو لمعاينة السجين، مؤكّدًا في محضره "غياب أي علامات اعتداء".

وزارة العدل التونسية

سلسلة وفيات مثيرة للقلق في السجون التونسية 

أفادت جمعية تقاطع من أجل الحقوق والحريات أن الشاب أكرم الجمعاوي، البالغ من العمر 25 عامًا من أبناء ولاية الكاف، توفي في سجن المرناقية يوم 17 يونيو/حزيران 2024، بعد نحو أسبوعين من إيقافه على خلفية أحداث تلت مباراة كرة قدم بملعب رادس.

وأوضحت الجمعية، في تدوينة نشرتها بتاريخ 28 أكتوبر/تشرين الأول الفائت، أن أكرم تمّ إيقافه دون إعلام ذويه، ونُقل بين مراكز احتجاز مختلفة قبل إيداعه السجن وقبل أن تبلغ العائلة لاحقًا بوفاته.

وحسبما أوردته الجمعية فقد أظهر تقرير الطبّ الشرعي أن الوفاة ناتجة عن اعتداء بالعنف الشديد أدى إلى كسر في لقفص الصدري ونزيف داخلي، وهو ما يخالف الرواية الرسمية التي ذكرت أنها "سكتة قلبية".

أشارت الجمعية أن هذه الحادثة تكشف عن انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان داخل السجون التونسية، بما في ذلك الاحتجاز دون إشعار العائلة، وحرمان الموقوف من محام، وشبهات تعذيب أدت إلى الوفاة، مؤكدة أن الحادثة تطرح أسئلة ملحّة حول المساءلة والإصلاح العاجل لمنظومة السجون في تونس.

أكرم الجمعاوي

لم تكن وفاة الشاب أكرم الجمعاوي الحالة الوحيدة، إذ شهدت السجون التونسية ثلاث وفيات مقلقة خلال أسبوع واحد من شهر يوليو/تموز 2025، وفق تقرير صادر عن مركز مكافحة الجريمة المنظمة والفساد.

الحالة الأولى لشاب يدعى حازم عمارة (24 عامًا)، مريض بداء السكري، توفي بعد أيام قليلة من اعتقاله، رغم مناشدات والدته المتكررة لنقله إلى الرعاية الطبية، بحسب بيان مجموعة "ألتراس المكشاخين 2002".

والحالة الثانية لشاب آخر يدعى وسيم بن حافظ الجزيري (25 عامًا)، الذي أبلغت عائلته بوفاته بعد يوم واحد من مثوله أمام قاضي التحقيق، وكان يعاني بشكل واضح ويطالب برعاية عاجلة، وفق جمعية تقاطع.

أما الحالة الثالثة فلشاب يدعى محمد أمين الجندوبي (22 عامًا)، توفي في سجن برج العامري بعد تعرضه للتعذيب، ولم تُبلّغ عائلته سوى بعد عشرة أيام من الوفاة.

تعكس هذه الحالات استمرار القلق بشأن غياب الرعاية الطبية الكافية والإهمال داخل السجون التونسية، ما يعزز الشكوك الحقوقية حول ظروف الاحتجاز. وقد نفى المسؤولون الرسميون أي سوء معاملة، مؤكدين أن الظروف تتوافق مع المعايير الدولية ومبادئ حقوق الإنسان، وهو ما ترفضه التقارير الحقوقية والملاحظات الميدانية المتكررة، وفقًا للجمعية.

وفيات مريبة في السجون التونسية

تقرير: الاكتظاظ في بعض السجون التونسية يفوق 200%

تأتي هذه الانتهاكات الفردية في سياق أزمة هيكلية أوسع داخل السجون التونسية، حيث تعاني معظم المنشآت من الاكتظاظ الحاد وتدهور الخدمات الأساسية وفقًا لتقرير رصد واقع السجون خلال السنوات 2022-2025، أعدته الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان.

وجاء في التقرير أن نسبة الاكتظاظ في بعض السجون التونسية تجاوزت 200٪، مع ارتفاع عدد المساجين بأكثر من 10 آلاف خلال العامين الأخيرين.

وأشار التقرير، الذي قُدّم خلال ندوة في العاصمة بمناسبة الذكرى 48 لتأسيس الرابطة، في 17 مايو الفائت، إلى أن الاكتظاظ وصل في معظم السجون إلى 150٪، وتجاوز 200٪ في البعض الآخر، ما أدى إلى نقص التهوية والتغطية الصحية وتردي نوعية الغذاء، وهو ما يهدد الظروف الإنسانية ويؤثر على الحالة النفسية للمساجين وأعوان السجون على حد سواء.

الاكتظاظ في السجون التونسية

القوانين السجنية في تونس: إطار تنظيمي يفتقد إلى الضمانات الفعلية

تكشف أزمة الاكتظاظ في السجون التونسية، التي رصدتها الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، عن فجوة واسعة بين الواقع الميداني والضمانات القانونية النظرية، ومن أبرز هذه التشريعات القانون عدد 52 سنة 2001، مؤرخ في 14 مايو 2001، والمتعلق بنظام السجون، الذي ينص على تنظيم ظروف الإقامة داخل السجون بما يكفل حرمة السجين الجسدية والمعنوية، وحفظ حقوقه، ومساعدته على الاندماج بعد الإفراج عنه. كما يُعرّف القانون السجون بأنها أماكن لإيواء الأشخاص المودعين وفق الأحكام القانونية، ويضبط تنظيمها الداخلي بأمر خاص وفق الفصل الرابع من القانون.

هذا، ويبقى ملف السجون في تونس من أكثر الملفات تعقيدًا، إذ يتصاعد الجدل مع تواتر الإضرابات عن الطعام وتواصل صدور تقارير حقوقية توثق انتهاكات واعتداءات، في حين تقدم السلطات رواية مغايرة أو تمتنع عن التعليق في أغلب الأحيان.

اقرأ/ي أيضًا

هل تعكس القيمة الاسمية للدينار التونسي مقابل الدولار قوة الاقتصاد التونسي؟

هل انضمت المهندسة التونسية رانيا توكابري إلى طاقم مهمة "أرتميس 2"؟

المصادر

اقرأ/ي أيضًا

الأكثر قراءة

مؤشر مسبار
سلّم قياس مستوى الصدقيّة للمواقع وترتيبها
مواقع تم ضبطها مؤخرًا
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
عرض المواقع
bannar