سياسة

خطف النساء في سوريا.. ملف مُختَلف عليه ومعلومات متضاربة تؤثر على الضحايا الحقيقيين

صفاء شرباصفاء شربا
date
11 نوفمبر 2025
آخر تعديل
date
1:06 م
12 نوفمبر 2025
خطف النساء في سوريا.. ملف مُختَلف عليه ومعلومات متضاربة تؤثر على الضحايا الحقيقيين
تقارير إعلامية تتحدث عن استهداف نساء في الساحل وحمص والجهات الرسمية تنفي | مسبار

منذ عام 2011، شهدت سوريا موجات من عمليات الخطف التي طالت فئات مختلفة من السكان، من رجال ونساء وأطفال. وسُجلت هذه الحوادث في مناطق متعددة، شملت مناطق سيطرة النظام والمعارضة وتنظيمات مسلحة أخرى، وتنوّعت دوافعها بين مالية واجتماعية وسياسية.

عقب سقوط نظام الأسد في الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024، أفادت تقارير محلية وحقوقية باستمرار عمليات الخطف، مع تسجيل زيادة ملحوظة في عدد الحالات في المناطق الساحلية، ومحافظات حمص، وحماة، والسويداء.

في ظل تراجع الأمن وانتشار الفوضى، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي المصدر الرئيسي لتداول الأخبار حول هذه الحوادث. وتُنشر يوميًا روايات متعددة عن عمليات خطف، يتفاوت مستوى توثيقها، إذ يصعب في كثير من الأحيان التحقق من دقتها أو مصدرها. ويرى متابعون أن بعض هذه الروايات قد تتضمن مبالغات أو معلومات غير مؤكدة، في حين يعتقد آخرون أنها تعكس حوادث واقعية.

هذا التباين في المعلومات أدى إلى حالة من الغموض والارتباك داخل المجتمع، خاصة مع محدودية التصريحات الرسمية وندرة البيانات الصادرة عن الجهات المحلية.

يرصد هذا التقرير الجدل حول أنباء خطف النساء في سوريا خلال الأشهر الأخيرة، ويعرض دور وسائل التواصل الاجتماعي في تداول الأخبار المتعلقة بها، مع الإشارة إلى صعوبة التحقق من كثير من الروايات المتداولة، وتأثير ذلك على فهم الواقع الميداني وتتبّع الحالات الفعلية.

اختطاف السوريات.. تضارب في الروايات بين تقارير المنظمات الدولية والبيانات الحكومية

في يوليو/تموز الفائت، أعلنت منظمة العفو الدولية أنها تلقت تقارير وُصفت بأنها موثوقة حول اختطاف عشرات النساء والفتيات من الطائفة العلوية في محافظات اللاذقية وطرطوس وحمص وحماة، تتراوح أعمارهن بين الثالثة عشرة والأربعين عامًا، على أيدي مجهولين. وأوضحت المنظمة أن الأسر أبلغت الجهات الأمنية بهذه الحالات، لكنها لم تتلق أي رد أو معلومات مفيدة حول سير التحقيقات أو مصير المفقودات.

تصريح لأنياس كالامار، الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية، تعليقًا على تقارير اختطاف النساء في الساحل السوري

وفي سياق موازٍ، رصد تحقيق أجرته وكالة رويترز حول حوادث خطف النساء في الساحل السوري تزايدًا ملحوظًا في البلاغات المقدمة. وأشارت الوكالة إلى أن فريقها أجرى مراجعة دقيقة للبيانات قبل النشر، مع توثيق مناشدات واسعة على منصّات التواصل الاجتماعي لعائلات الضحايا وصفحات حقوقية تؤكد استمرار هذه الجرائم، خصوصًا في المناطق ذات الأغلبية العلوية.

ردًا على ذلك، أعلنت وزارة الداخلية السورية مؤخرًا، أنها أجرت تحقيقات موسعة وتوصلت إلى نتائج مغايرة ترسم صورة مختلفة عن الواقع. فبحسب تصريحات الوزارة، من أصل 42 حالة تم الإبلاغ عنها، تبيَّن أن حالة واحدة فقط كانت اختطافًا فعليًا، إذ جرى تحرير الضحية والقبض على الجناة. أمّا بقية الحالات، فارتبطت وفق البيان الرسمي بأسباب اجتماعية وشخصية، منها مغادرة الأسرة طوعًا، أو الهروب مع شريك الحياة، أو بسبب العنف الأسري والفقر.

هذا التناقض الواضح بين تقارير المنظمات الدولية والتصريحات الرسمية، يعكس تباينًا كبيرًا في الروايات المتداولة حول حجم حوادث الخطف وطبيعتها، ويطرح تساؤلات حول دقّة المعلومات المتاحة وكيفية التحقّق منها، في ظل تعدّد المصادر وصعوبة الوصول إلى بيانات موثوقة على الأرض.

قصص لخطف نساء على وسائل التواصل يصعب التحقق منها

تشهد وسائل التواصل الاجتماعي في سوريا حالة من الفوضى المعلوماتية، حيث تنتشر يوميًا منشورات وقصص تتحدث عن حوادث خطف لنساء وفتيات. لا يكاد يمر يوم دون تداول مناشدات من عائلات يُقال إنهن فقدن بناتهن في ظروف غامضة. بعض هذه القصص يستند إلى وقائع موثقة، بينما يتبين لاحقًا أن بعضها الآخر يتضمن معلومات غير دقيقة أو تفاصيل متناقضة، سواء في روايات ذوي الضحايا أو في شهادات الضحايا أنفسهن بعد ظهورهن لاحقًا، غالبًا عبر مقاطع مصوّرة.

ومن بين الحالات التي أثارت تفاعلًا واسعًا، قصة الشابة نغم عيسى من ريف حمص، التي تصدرت المشهد في فبراير/شباط الفائت بعد تداول أنباء عن اختطافها على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي. في البداية، انتشرت صور وتدوينات عن تعرضها للتعذيب والقتل، فيما أقامت عائلتها مجلس عزاء لها بعد انقطاع أخبارها، قبل أن يتضح لاحقًا أن التفاصيل المتداولة لم تكن دقيقة بالكامل.

تداول واسع لخبر مقتل نغم عيسى بعد اختطافها المزعوم وطلب فدية

سرعان ما اتخذت القصة مسارًا مختلفًا بعد أشهر، حين ظهرت صور للشابة نغم في لبنان، لتظهر لاحقًا في مقطع فيديو تؤكّد فيه أن عائلتها لا علاقة لها بما حدث، وأنها لا تعرف تفاصيل ما جرى سوى أنها "اختطفت". في المقابل، نشرت وزارة الداخلية السورية في أكتوبر/تشرين الأول الفائت، تسجيلًا مصوّرًا يظهر فيه زوجها وشقيقتها، يؤكدان فيه أن نغم غادرت البلاد بمحض إرادتها برفقة شريكها الجديد.

ليست قصة نغم عيسى الحالة الوحيدة التي أثارت تفاعلًا واسعًا، إذ شهدت وسائل التواصل الاجتماعي في سوريا جدلًا مشابهًا حول ما قيل إنه خطف السيدة مي سلوم، وهي أم لثلاثة أطفال من مدينة اللاذقية. خرجت سلوم من منزلها في يونيو/حزيران الفائت، متجهة إلى موعد طبي، قبل أن تنتشر على المنصات مقاطع مؤثرة لأطفالها وزوجها يناشدون المساعدة في العثور عليها بعد انقطاع الاتصال بها، مع تداول مزاعم بأنها اختُطفت على يد مجهولين.

بعد أيام، ظهرت مي سلوم في مقطع مصوّر من مدينة حلب، وهي ترتدي الحجاب وتؤكّد أنها بخير، وأنها غادرت منزلها بمحض إرادتها وتقيم مؤقتًا لدى إحدى صديقاتها. وفي مقابلة لاحقة نشرتها جريدة زمان الوصل، نفت سلوم بشكل قاطع تعرضها للخطف، موضحة أن ما حدث كان سوء فهم جرى تداوله بشكل غير دقيق على وسائل التواصل الاجتماعي.

خطف النساء في سوريا.. بين النفي والتأكيد

لا يمكن الجزم بأن جميع الحالات التي تداولتها وسائل التواصل الاجتماعي حول حوادث الخطف كانت وهمية أو طوعية. فقصص مثل قصة مي سلوم أو نغم عيسى لا تعبّر بالضرورة عن مجمل الوقائع، إذ تبقى احتمالات الخطف الفعلي قائمة، رغم تضارب الروايات وتعدد مصادرها. وتشير بيانات حكومية حديثة إلى تنفيذ حملات أمنية استهدفت خلايا يشتبه في تورطها بعمليات خطف وقتل وابتزاز في مناطق مختلفة.

حملة أمنية في إدلب تستهدف خلايا مرتبطة بعمليات خطف وقتل وابتزاز

حتى تاريخ إعداد هذا المقال، ما تزال العديد من حالات الاختفاء دون معلومات مؤكدة أو نتائج معلنة، من بينها حالة عبير دياب التي فُقدت منذ فبراير الفائت، وعبير سليمان التي مرّ على اختفائها أشهر عدة. وتستمر بلاغات الاختفاء في الظهور يوميًا، ترافقها مناشدات متكررة من العائلات للمساعدة في العثور على بناتهن المفقودات في ظروف غامضة. ومن بين هذه الحالات، ظهرت والدة الشابة يارا سلمان في مقطع مصوّر ناشدت فيه الجهات المعنية والمواطنين المساعدة في العثور على ابنتها، التي اختفت في أواخر أكتوبر الفائت، دون أي أثر معروف لها حتى الآن.

والدة المختطفة يارا سلمان ظهرت في فيديو تطالب فيه بالمساعدة للعثور على ابنتها

الأخبار المضللة تغطي على القضايا الحقيقية

تشير تقارير ومنظمات دولية إلى وقوع حوادث خطف موثقة في سوريا، سواء في المناطق الساحلية أو في محافظة السويداء بعد الأحداث التي شهدتها المدينة في يوليو 2025. ووفق المرصد السوري لحقوق الإنسان، سُجّلت أكثر من 55 حالة خطف في الساحل السوري خلال الأشهر الأخيرة، أُفرج عن بعض الضحايا لاحقًا، فيما ما يزال مصير آخرين مجهولًا. وفي السويداء، وثّق المرصد نحو 90 حالة خطف لنساء منذ مطلع يوليو، وما تزال العديد من الحالات دون معلومات مؤكدة حول الجهة المسؤولة أو مصير الضحايا، حسب إحصائياته التي لم يتسنّ لمسبار التثبت من دقتها من مصادر مستقلة.

في المقابل، أظهرت تقارير ميدانية لوسائل إعلام دولية، من بينها "دويتشه فيله" (DW)، أن عددًا من عائلات الضحايا تعرضوا لعمليات ابتزاز مالي مقابل الإفراج عن المخطوفين، بمبالغ تراوحت بين 1500 و100 ألف دولار. كما بينت التحقيقات أن الخوف من الوصمة الاجتماعية، خاصة في حالات خطف النساء، دفع بعض الأسر إلى التكتم أو تعديل رواياتها لتجنب الإحراج أو الانتقاد.

وأفادت دراسات صادرة عن "اللوبي النسوي السوري" ومنصات حقوقية محلية، بأن الضغوط الاجتماعية ساهمت في إخفاء معلومات مهمة أو تأخير الإبلاغ عن بعض الحالات، ما صعّب جهود التوثيق والتحقق. وتشير هذه الدراسات إلى أن القضايا الحقيقية تتأثر بانتشار الأخبار المضللة والشائعات على وسائل التواصل الاجتماعي، التي تخلط بين الوقائع المؤكدة والادعاءات غير المثبتة.

هذا التداخل بين المعلومات الدقيقة والمفبركة أدى إلى تراجع الاهتمام العام بالقضايا الموثوقة، وجعل من الصعب تسليط الضوء على الضحايا الحقيقيين وسط الكم الكبير من القصص غير المؤكدة.

تقرير أممي حديث يوثّق قرابة 100 حالة اختطاف أو اختفاء قسري في سوريا منذ يناير 2025

غياب الشفافية والبيانات الرسمية يزيد من انتشار التضليل ويقوّض ثقة الجمهور

يشكّل غياب الشفافية في التعامل مع قضايا خطف النساء السوريات، إلى جانب النقص الواضح في البيانات الرسمية الدقيقة، بيئة خصبة لانتشار الشائعات وتضخيم السرديات المتضاربة، ما يعقّد التحقق من الوقائع الفعلية. هذا ما تؤكده تقارير صادرة عن مركز لندن للاقتصاد والعلوم السياسية (LSE)، التي تشير إلى أن المعلومات المضللة المنتشرة عبر وسائل التواصل في مناطق النزاع تسهم في تضخيم الأحداث وخلق حالة من الغموض العام، وتضعف قدرة المجتمعات على التمييز بين الوقائع المثبتة والمختلقة.

وفي السياق السوري، أشار تقرير صادر عن الحكومة البريطانية عام 2025 إلى أن البلاد تشهد موجة واسعة من التضليل الإعلامي، حيث تغمر الأخبار الكاذبة والمبالغ فيها الفضاء الرقمي، مما يصعّب التحقق من صحة القضايا الفعلية.

ومع استمرار العجز في التحقق من صحة قصص خطف النساء، ما تزال وسائل التواصل الاجتماعي تعجّ بالتكهنات والمعلومات المتناقضة رغم ظهور تصريحات للضحايا، ما يعكس حجم تأثير هذه المنصات في تشكيل الرأي العام. فوسائل التواصل تسهم من جهة في نشر مناشدات الضحايا وأسرهم، لكنها من جهة أخرى تساهم في انتشار الأخبار المضللة، وتُعمّق حالة عدم اليقين حول حقيقة ما يجري على الأرض.

في ظل هذا التضارب، تبرز الحاجة إلى شفافية أكبر من الجهات الرسمية في توضيح الحقائق وتقديم بيانات دقيقة ومحدثة للرأي العام، بما يساعد على الحد من التضليل وتوجيه الاهتمام نحو القضايا الموثوقة والضحايا الفعليين.

اقرأ/ي أيضًا

بعد الإطاحة بنظام الأسد.. ما مصير المقاتلين السوريين الذين جندتهم روسيا في ليبيا؟

"محمد خير الشرع".. انتحال، خداع، وصلة مزعومة بالرئيس السوري

المصادر

كلمات مفتاحية

اقرأ/ي أيضًا

الأكثر قراءة

مؤشر مسبار
سلّم قياس مستوى الصدقيّة للمواقع وترتيبها
مواقع تم ضبطها مؤخرًا
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
عرض المواقع
bannar