صحة

من واشنطن إلى العالم.. حملة كينيدي الابن وأزمة الثقة في الطب الحديث

محمد عبد اللطيف خرواط محمد عبد اللطيف خرواط
date
12 نوفمبر 2025
آخر تعديل
date
12:59 م
12 نوفمبر 2025
من واشنطن إلى العالم.. حملة كينيدي الابن وأزمة الثقة في الطب الحديث
تتبنى صفحات وحسابات عربية مقاربات كينيدي الصحية | مسبار

في السنوات الأخيرة، أصبحت العلاقة بين الطب والسياسة أكثر تشابكًا من أي وقت مضى، وبرز اسم روبرت ف. كينيدي الابن في قلب هذا الجدل بعد تعيينه وزيرًا للصحة في إدارة ترامب الثانية عام 2025. فقد أطلق كينيدي حملته الشهيرة «اجعل أميركا صحية مرة أخرى» (MAHA)، التي قدّمها بوصفها مشروعًا لإصلاح النظام الصحي الأميركي ومواجهة أمراض العصر، لكنها سرعان ما أثارت نقاشًا واسعًا حول حدود الحرية الطبية وصدقية المؤسسات العلمية.

روبرت كينيدي

يرى مؤيدو كينيدي أنه يدافع عن "حق المواطن في الاختيار" و"ضرورة كسر احتكار الشركات الدوائية"، بينما يرى معارضوه أن تصريحاته حول اللقاحات والبحوث الطبية تُسهم في إضعاف الثقة بالعلم وفتح الباب أمام انتشار الشكوك الصحية. بين هذين الموقفين، وجد العالم نفسه أمام ظاهرة معقدة تتجاوز شخص كينيدي لتطرح سؤالًا أوسع: كيف أصبحت القضايا العلمية ميدانًا للسجال السياسي في زمن الإعلام الرقمي؟

يستعرض هذا المقال تأثير خطاب كينيدي في الولايات المتحدة ثم في العالم، وخاصة في العالم العربي، حيث تَبنّت بعض المنصات الرقمية أجزاء من خطابه ودمجتها في نقاشات ثقافية ودينية حول الطب الحديث.

الجذور الأيديولوجية لحملة كينيدي الابن

لم تولد حملة "اجعل أميركا صحية مرة أخرى" (MAHA) في فراغ، بل جاءت امتدادًا لمسار طويل من الشكوك والنقاشات التي رافقت علاقة الأميركيين بالمؤسسات الطبية وشركات الأدوية الكبرى.

يُعرف روبرت ف. كينيدي الابن، وهو محامٍ وناشط بيئي قبل أن يصبح وزيرًا للصحة، بمواقفه النقدية تجاه الصناعة الدوائية، إذ كان لسنوات من أبرز الأصوات التي تطالب بمزيد من الشفافية في مجال اللقاحات والبحوث الطبية. يرى كينيدي أن ما يسميه "التحالف بين الشركات الكبرى والبيروقراطية الصحية"، قلّص من حرية الأفراد في اتخاذ قراراتهم الطبية، وأن الإصلاح يبدأ من "استعادة الحق في المعرفة والاختيار".

من هو روبرت كييندي؟

لكن مع اتساع دائرة متابعيه عبر الإعلام الرقمي، بدأ خطابه يتخذ طابعًا أكثر شعبوية، فجرى تبسيط القضايا المعقدة في شكل سرديات ثنائية: مؤسسات متهمة بالإخفاء من جهة، ومواطنون يبحثون عن الحقيقة من جهة أخرى. هذا التحول جعل من حملة MAHA أكثر من مجرد مبادرة صحية، إذ أصبحت منصة سياسية تعبّر عن أزمة أعمق في الثقة بين المواطن والعلم. وبينما اعتبرها أنصاره محاولة "لتحرير الطب من النفوذ التجاري"، رآها منتقدون تجسيدًا لاتساع الفجوة بين المعرفة العلمية والرأي العام.

من واشنطن إلى العالم.. انتشار الخطاب الصحي الجديد

مع نهاية عام 2025، لم تعد حملة كينيدي الابن مجرد قضية داخلية أميركية. فقد تحوّل خطابها إلى نقاش عابر للحدود بفضل الانتشار الواسع عبر المنصات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية. فبينما ركّزت التغطيات الإخبارية على الجدل داخل الولايات المتحدة، كانت الرسائل نفسها، التي تتحدث عن "الحرية الطبية" و"التحكم المؤسسي بالصحة"، تجد طريقها إلى جمهور أوسع في أماكن مختلفة من العالم.

من واشنطن إلى العالم.. انتشار الخطاب الصحي الجديد

في مؤتمر عقد في أوستن في ولاية تكساس، ونقلته The Washington Post، اجتمع مئات من الناشطين والأطباء المؤيدين للحركة، حيث رُفع شعار "God is an anti-vaxxer". وقد شكّل هذا الحدث لحظة رمزية في تحوّل الخطاب من الهامش إلى المركز، إذ لم يعد مجرد تحدٍّ للسياسات الصحية الأميركية، بل أصبح خطابًا أيديولوجيًا يحمل بعدًا ثقافيًا ودينيًا وإنسانيًا.

God is an anti-vaxxer

تُظهر تقارير من Reuters Institute وUndark Magazine، أن تأثير الحملة لم ينتقل من خلال المؤسسات الرسمية، بل عبر المنظومات الإعلامية الموازية، القنوات الرقمية، البودكاست، والمجموعات المغلقة، التي وفّرت فضاء بديلًا لتداول قضايا الصحة بمنطق يخلط بين العلم والرأي. ومع تكرار الرسائل، بدأ جمهور عالمي يتفاعل مع هذه السرديات بوصفها صوتًا معارضًا للسلطة الطبية، لا مجرد دعوة إصلاحية.

 Reuters Institu

هذا الانتشار لا يعني بالضرورة تبني كل تفاصيل خطاب كينيدي، لكنه يعكس تنامي الميل العالمي إلى إعادة النظر في "الحقائق الطبية الرسمية" ضمن مناخ تتراجع فيه الثقة بالمؤسسات الكبرى، وتزداد فيه قوة السرديات الفردية المدعومة بالشبكات الرقمية.

المنصات العربية.. تفاعل رقمي مع سردية كينيدي

لم يقتصر تأثير حملة روبرت ف. كينيدي الابن على الجمهور الأميركي، بل امتد تدريجيًا إلى العالم العربي، إذ وجدت بعض عناصر خطابه صدى في بيئة رقمية يغلب عليها ضعف الثقة بالمؤسسات الرسمية وتنامي الاهتمام بـ"الطب البديل" و"الصحة الطبيعية".

في هذه البيئة، التي تتقاطع فيها قضايا الهوية والدين والسياسة مع موضوعات الطب واللقاحات، تحوّل خطاب كينيدي من دعوة إصلاحية إلى رمز لمقاومة النظام الصحي العالمي، بما يحمله من رسائل حول "الاستقلال المعرفي" و"التحرر من هيمنة الشركات الدوائية". فمنذ جائحة كوفيد-19، ظهرت في المنطقة العربية حسابات مؤثرة على منصة إكس تتبنى سرديات من مواقف كينيدي، وأحيانًا دون الإشارة إليه مباشرة، عبر إعادة صياغة أفكاره بلغة محلية تتراوح بين التحذير الديني والنقد العلمي والسياسي.

lion_07777 – "أحداث سرية ... سري للغاية"

يُعدّ من أكثر الحسابات العربية انتشارًا في هذا المجال، إذ يتجاوز عدد متابعيه 830 ألف متابع، ويصف صاحبه نفسه بأنه طبيب مقيم في الولايات المتحدة. يركز الحساب على كشف ما يسميه "الحقائق الطبية المخفية"، منتقدًا شركات الأدوية الكبرى بوصفها "كيانات ماسونية تسعى للربح على حساب صحة البشر".

ينشر مقاطع فيديو لروبرت كينيدي الابن، يصفه فيها بأنه "صوت الحق في وجه الكونغرس المرتشي"، ويعيد تكرار ادعاءات مألوفة من خطاب MAHA حول ارتباط اللقاحات بالتوحد أو العقم، أو احتوائها على "مواد سامة مثل أكسيد الجرافين".

lion_07777 – "أحداث سرية ... سري للغاية"

alfylasofaAzal – "الفيلسوفة"

يضم هذا الحساب أكثر من 22 ألف متابع ويقدّم نفسه كصوت فلسفي يسعى إلى "تحرير الوعي الإنساني من قيود العلم المادي". يتبنى الحساب أيضًا خطابًا ناقدًا للصناعة الدوائية الكبرى واللقاحات، مستوحى بشكل واضح من أفكار روبرت ف. كينيدي جونيور (RFK Jr.)، الذي يركز على كشف "الفساد" في نموذج عمل شركات الأدوية مثل فايزر، ويحذر من مخاطر اللقاحات كأداة للربح على حساب الصحة العامة.

alfylasofaAzal – "الفيلسوفة"

go2islam – "اسرار وخفايا الماسونية الصهيونية"

يضم هذا الحساب أكثر من 83 ألف متابع، ويجمع بين القضايا الصحية والسياسية والدينية. ينشر محتوى يتحدث عن "الماسونية الصهيونية"، والسياسات الأميركية، والفساد الطبي. ينشر الحساب مقاطع فيديو لروبرت كينيدي، مثل كشفه لعدم اختبار سلامة 72 لقاحًا للأطفال، ما أدى إلى انفجار الأمراض المزمنة مثل التوحد بنسبة 100 ضعف منذ 1989، مع دعوة لإلغاء معظمها عدا لقاح الشلل.

go2islam – "اسرار وخفايا الماسونية الصهيونية"

"1Kuwty – "stop Age.2030

يضم حساب كويتي أكثر من 18 ألف متابع، ويركّز على نشر الوعي الجماعي بمخاطر اللقاحات، ويصف الطب الحديث بأنه مافيا علم مزيف. ينشر مقاطع لروبرت كينيدي مثل عدم الثقة في الأطباء لأنهم مستدرجون من شركات الأدوية الكبرى.

"1Kuwty – "stop Age.2030

تآكل الثقة والعودة الوبائية

يشهد العالم في عام 2025 مرحلة حرجة من التراجع الصحي، إذ تحذر منظمة الصحة العالمية واليونيسف وتحالف اللقاحات (Gavi) من عودة أمراض كان يُعتقد أنها انتهت، مثل الحصبة والدفتيريا والحمى الصفراء والتهاب السحايا.

تشير بيانات المنظمات إلى أن عام 2023 سجّل أكثر من 10.3 ملايين إصابة بالحصبة، بزيادة 20٪ عن العام السابق، فيما أبلغت 138 دولة عن حالات مؤكدة و61 عن تفشيات كبيرة وهو أعلى معدل منذ 2019. كما ارتفعت إصابات التهاب السحايا في أفريقيا إلى أكثر من 5500 حالة و300 وفاة في الربع الأول من 2025، وعادت الحمى الصفراء للظهور في 12 دولة إفريقية وأربع في أمريكا اللاتينية بعد سنوات من السيطرة عليها.

يربط التقرير هذه العودة بثلاثة عوامل مترابطة: تراجع حملات التحصين أثناء جائحة كوفيد-19، تراجع الدعم المالي، وانتشار الشكوك والمعلومات المضللة عبر الإنترنت. في هذا السياق، يرى بنجامين شرايبر، مستشار منظمة اليونيسف، أن “البيئة المعلوماتية أصبحت محددًا أساسيًا للصحة العامة”، مؤكدًا أن التضليل يشكّل خطرًا موازيًا للأوبئة.

كما تشير هايدي لارسون، مؤسسة مشروع "ثقة اللقاحات"، إلى أن ما بين 60 و70٪ من أسباب التردد تجاه التطعيم لا ترتبط باللقاح نفسه، بل بانعدام الثقة في الحكومات والمصنّعين والخبرة المؤسسية داخل الأنظمة الصحية.

اقرأ/ي أيضًا

الإيدز في ليبيا.. هل لعيادات الأسنان والتجميل دور في زيادة العدوى بالفايروس؟

حقيقة الجدل بين كيم كارداشيان وناسا: هل الهبوط على القمر كان خدعة فعلاً؟

المصادر

اقرأ/ي أيضًا

الأكثر قراءة

مؤشر مسبار
سلّم قياس مستوى الصدقيّة للمواقع وترتيبها
مواقع تم ضبطها مؤخرًا
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
عرض المواقع
bannar