علي بن حمود: نموذج لتحدّ يواجه مدققي المعلومات أمام محدودية المصادر المفتوحة
شهدت تونس، منذ مساء السبت الثامن من نوفمبر/تشرين الثاني 2025، جدلًا عقب تكليف رئيس الجمهورية قيس سعيّد للمهندس علي بن حمود، بتشكيل فريق لإدارة الأزمة البيئية في ولاية قابس.
وقد تجاوز النقاش العام، حدود المهمة التقنية المرتبطة بمعالجة التلوث الذي تعاني منه الجهة، ليطال هُوِيَّة المكلَّف نفسه وكفاءته الأكاديمية والمهنية.
وانقسم بين من يؤكد هويّة المهندس فعليًّا ومن يشكك في سيرته الذاتية ومؤهلاته العلمية.
كما شارك بعض المستخدمين معطيات عن بن حمود، ونشر آخرون نتائج بحث أجروها عبر أدوات الذكاء الاصطناعي (AI) واستخبارات المصادر المفتوحة (OSINT)، تظهر بيانات محدودة وغير موثوقة، ما يعكس طبيعة الحضور الرقمي والسجل المهني للشخص المعني.
هذا المعلومات المتضاربة وغير الموثوقة، أربكت المتابعين وأثارت تساؤلات حول دِقَّة معلومات رئاسة الجمهورية التونسية وأهمية التعيين، كما مثلت عائقًا لمدققي المعلومات خلال عملية البحث عن مؤهلاته ومنجزاته.

قرار التكليف الرئاسي ورهان الكفاءات التقنية
جاء تكليف المهندس علي بن حمود، في الثامن من نوفمبر 2025، ضمن ما وصفته رئاسة الجمهورية بـ"المقاربة الجديدة"، التي تقوم على إشراك الكفاءات الوطنية من ذوي الخبرة التقنية والعلمية لإيجاد حلول عملية لأزمة التلوث المزمنة في قابس.
ويُنظر إلى هذا التعيين باعتباره اختبارًا سياسيًا مهمًا لرئيس الجمهورية قيس سعيّد، في محاولة لإثبات أن النهج الرئاسي قادر على تحقيق ما عجزت عنه الحكومات السابقة.
ووفق البيان الرسمي، قُدمت سيرة بن حمود على أنه مهندس تونسي مختص في البتروكيمياء، تخرّج من جامعة شنغهاي للصناعات الكيميائية في الصين، ويتمتع بخبرة في المشاريع الصناعية والطاقية داخل تونس وخارجها.
كما أشارت الرئاسة إلى أن مهمته ستقوم على تشكيل فريق من خبراء في الهندسة البيئية والطاقات النظيفة وتثمين النفايات، بهدف إعداد خطة تدخل عاجلة للحد من التلوث في الجهة.
الفجوة بين الكفاءة الرسمية والأثر الرقمي
على الرغم من الدعم الرسمي الذي حظي به، أثار اسم علي بن حمود سجالًا على مواقع التواصل الاجتماعي وبين عدد من الصحفيين والسياسيين في تونس.
ويعود أصل الجدل إلى غياب معطيات رسمية ومصادر توثّق مسيرته الأكاديمية والمهنية، إذ لم يُعثر على أي سجل علمي أو مهني متاح للجمهور يشير إلى نشاطه أو إنجازاته في مجال البتروكيمياء.
وهذا الغياب شبه التام للبصمة الرقمية، خصوصًا لشخصية تم تكليفها بملف بيئي معقّد وحساس، دفع كثيرين إلى التشكيك في قيمته العلمية وخبرته في المجال.
وقد تعقّدت عملية التحقّق بسبب تشابه الأسماء في السجلات المفتوحة، خاصة أن بن حمود غير نشط رقميًا ويمتلك فقط حسابًا شخصيًا على "فيسبوك" يتضمّن صورًا له مع زوجته الآسيوية وأطفاله، وحسابًا على لينكد إن غير نشط.
وتُبرز هذه الحالة حدود أدوات الذكاء الاصطناعي واستخبارات المصادر المفتوحة (OSINT) عند التعامل مع بيئات بيانات مغلقة أو غير مرقمنة بالكامل.
فهذه الأدوات تعتمد على تحليل ماهو متاح من محتوى عام على الإنترنت، مثل السير الذاتية المنشورة والأبحاث، أو الصفحات المهنية، وقد أكّد كلّ من تقرير الاتحاد الأوروبي حول الذكاء الاصطناعي ومكافحة التضليل (EU DisinfoLab, 2023) ومنظمة العفو الدولية (Amnesty Tech) أنّ محدودية البيانات المفتوحة في بعض الدول تُضعف دقة وفعالية التتبّع الرقمي وتزيد من صعوبة التحقق من الهويات عبر الأدوات الآلية.
وبالتالي، فإن ضعف الحضور الرقمي لأي شخصية يؤدي تلقائيًا إلى نتائج بحث "صفرية"، وهو ما لا يعني بالضرورة أنّ الشخصية وهمية أو غير موجودة فعليًا، بل يعكس غياب الرقمنة المؤسسية في بعض الدول أو حماية المعطيات الشخصية، ومنها تونس.
وبناءً على ذلك، فإنّ حالة المهندس علي بن حمود تمثّل مثالًا واضحًا على التحدي الذي يواجه المدققين في التحقق من هوية الشخصيات العامة في ظل نقص الشفافية الرقمية، حيث لا يمكن الاعتماد فيه على الاستخبارات المفتوحة.
الحاجز المؤسسي والسجلات الرسمية المغلقة
يكمن القيد الأبرز في التحقق من هوية المهندس علي بن حمود في المعلومة الرسمية المتعلقة بتخرّجه من جامعة شنغهاي للصناعات الكيميائية، وهي الفترة التي ذكرها بنفسه في حسابه الشخصي على "لينكد إن" بين عامي 1982 و1986.

في هذا السياق، تواجه أدوات الذكاء الاصطناعي واستخبارات المصادر المفتوحة (OSINT)، عائقًا عند محاولة التثبّت من هذا النوع من المعطيات، لأنّ السجلات الجامعية والمؤسسية الرسمية ليست متاحة للعامة، بل تخضع لقوانين الخصوصية والبروتوكولات الإدارية الدولية الصارمة. وبالتالي، فإنّ الاعتماد على الذكاء الاصطناعي كبديل لمدققي المعلومات يصبح محدودًا وغير ذي جدوى عندما يتعلق الأمر بالوصول إلى قواعد بيانات مغلقة أو محمية.
ووفقًا لما توضحه بوابة "China Higher Education Student Information and Career Center"، وهي المنصة الرسمية للتحقق من الشهادات الجامعية في الصين، فإن الوصول إلى بيانات الخريجين يتطلب تقديم طلب رسمي وموافقة صاحب الشهادة، ولا تتوفر هذه المعلومات للعامة مباشرة.
وعليه، فإنّ التحقق الموثوق من شهادة بن حمود الأكاديمية لا يمكن أن يتم إلا عبر مراسلة الجامعة الصينية مباشرة للحصول على تأكيد رسمي، وهي الخطوة المنهجية الحاسمة في هذا النوع من التحقيقات.
وقد راسل مسبار جامعة شنغهاي للصناعات الكيميائية للاستفسار حول السجل الأكاديمي للمهندس علي بن حمود، إلا أنه لم يتلقَّ ردًا حتى لحظة نشر هذا التقرير. فيما ذكرت مصادر رسمية وتقارير صحفية تونسية مسيرته الأكاديمية، على سبيل المثال، أوردت جريدة الشروق التونسية في عددها الصادر في التاسع من نوفمبر 2025، أن بن حمود ينحدر من منطقة غنوش بولاية قابس، وأنه أكمل دراسته الثانوية في صفاقس حيث نال في 1981 شهادة البكالوريا في الرياضيات التقنية من معهد 9 أفريل 1938.
ونقلت الصحيفة عن زميله في الدراسة، المهندس شكري قطاط، أنّه حصل في نفس العام على منحة دراسية في إطار التعاون التونسي–الصيني، أتاحت له دراسة اللغة الصينية في معهد بكين للغات، قبل أن يواصل تعليمه في جامعة شنغهاي للصناعات الكيميائية، ويتخرج سنة 1986 مهندسًا في البترول والبتروكيمياء. وأضاف قطاط أن بن حمود عمل لفترة قصيرة إلى جانب مهندسين صينيين في مشاريع طرقات بمدينة صفاقس.
كما تواصل مسبار مع الحراك الشعبي Stop Pollution، الذي يقود المطالب لإيجاد حلول لأزمة قابس، وأكد أن بن حمود كان ضيفًا لدى الحراك في 2024، وقدم خلال هذه الزيارة شرحا حول الفروق في التعامل مع الفوسفوجيبس بين تونس والصين، مؤكدين أنه فعلًا خريج جامعة شنغهاي وفق مصادرهم الخاصة.
ولم يرد بن حمود على استفسارات مسبار حتى الآن.
وفي 23 أكتوبر/تشرين الأول الفائت، كان قد صرح لمسبار، أن المجمع الكيميائي ألحق ضررًا بصحة المواطنين في قابس، كما ألحق ضررًا بالبحر والبيئة بصفة عامة، مشددًا على خطورة غاز الأمونياك وعلى ضرورة إبعاد المجمع عن المنطقة.
واستنكر في حديثه لمسبار حملة التشويه التي تطاول أهالي قابس، مشددًا على حقهم في بيئة سليمة.
أزمة التلوث في قابس
تُعدّ أزمة التلوث في قابس، جنوب تونس، إحدى أطول الكوارث البيئية في البلاد، التي بدأت بإنشاء المجمع الكيميائي التونسي عام 1972.
ويعود سبب التلوث الأساسي إلى الانبعاثات الصناعية الناتجة عن معالجة الفوسفات، وإلقاء ملايين الأطنان من الجبس الفوسفوري سنويًا في البحر.
كما أدّت الانبعاثات الغازية والتلوث الصناعي إلى مشاكل بيئية وعواقب صحية على السكان، بما في ذلك انتشار أمراض الجهاز التنفسي والسرطان، وفق ما ورد على لسان المشرفين على الحراك البيئي في المنطقة.
وتمثل مطالب الحراك رفضًا قاطعًا للحلول الإدارية التقليدية أو "الإصلاحات الجزئية" التي اعتمدتها الحكومات المتعاقبة، والتي يتهمها الرأي العام بالمماطلة والتعامل مع المشكلة من منظور أمني، بدل تقديم حلول جذرية.
اقرأ/ي أيضًا
منها مزاعم تمثيل الاختناق: أبرز الادّعاءات المضللة التي استهدفت الحراك البيئي في قابس
هل يمكن أن يستعيد بحر قابس عافيته بعد سنة من وقف سكب الفوسفوجيبس؟























