سياسة

مؤتمر فلسطين وأوروبا: كيف تشكّل مسار الضغوط ونزع الشرعية الأكاديمية في فرنسا؟

فريق تحرير مسبارفريق تحرير مسبار
date
15 نوفمبر 2025
آخر تعديل
date
2:50 م
20 نوفمبر 2025
مؤتمر فلسطين وأوروبا: كيف تشكّل مسار الضغوط ونزع الشرعية الأكاديمية في فرنسا؟
ضغوط إعلامية وسياسية ضد مؤتمر فلسطين وأوروبا| مسبار

انعقد يومي 13 و14 نوفمبر/تشرين الثاني في باريس مؤتمر "فلسطين وأوروبا: ثقل الماضي وديناميات معاصرة" في مقر مركز CAREP Paris، بمشاركة باحثين وأكاديميين من مؤسسات أوروبية وعربية وأميركية. وتناول المؤتمر، عبر جلسات علمية متعددة، تطور العلاقة التاريخية والسياسية بين أوروبا وفلسطين، ومسارات الاستعمار الأوروبي، وأدوار المؤسسات الأوروبية، وشبكات التأثير، وحملات إسكات الأصوات الفلسطينية.

وجاء انعقاد المؤتمر خارج كوليج دو فرانس بعدما تعرض خلال الأيام التي سبقت موعده الأصلي لسلسلة من الضغوط المنظمة، شملت حملات إعلامية في صحف فرنسية، وتحركات من لوبيات مؤيدة لإسرائيل، وتدخلًا مباشرًا من وزير التعليم العالي الفرنسي فيليب باتيست، إلى جانب تعبئة قادتها شبكات من أكاديميين ومحامين. وانتهت الضغوط بقرار المعهد إلغاء الاستضافة بذريعة تتعلق "بالسلامة العامة".

ورغم نقل المؤتمر إلى مقره البديل وانعقاده في الموعد المحدد، تواصل خطاب نزع الشرعية من جهات إعلامية وشخصيات ومنظمات فرنسية، قدم المؤتمر خارج سياقه الأكاديمي وربطه باتهامات سياسية وأيديولوجية، دون أي تناول لمحتواه البحثي أو للجلسات العلمية المقررة. ويتتبع "مسبار" تسلسل الضغوط، والفاعلين الرئيسيين فيها، والخطاب الإعلامي المصاحب قبل الإلغاء وبعده، وصولًا إلى انعقاد المؤتمر خارج كوليج دو فرانس.

كيف قدمت مجلة "لوبوان" مؤتمر فلسطين وأوروبا قبل الإلغاء؟

في السابع من نوفمبر الجاري، نشرت مجلة "لوبوان" الفرنسية مقالًا تناول مؤتمر "فلسطين وأوروبا"، الذي كان من المقرر عقده في كوليج دو فرانس بوصفه فعالية مثيرة للجدل و"عالية المخاطر". 

ومن عنوانه، "في كوليج دو فرانس، ندوة مؤيدة للفلسطينيين عالية المخاطر"، وضع المقال المؤتمر منذ البداية داخل إطار أمني وسياسي، خارج طبيعته الأكاديمية، في محاولة لتهيئة القارئ لرؤيته كقضية حساسة لا كفعالية بحثية داخل مؤسسة علمية.

اعتمد المقال خطابًا ينزع الشرعية عن أي نقاش علمي يتعلق بفلسطين، مركزًا على توصيفات مثل "معادية للصهيونية" و"تفكيرها كولونيالي"، مقدمًا هذه الأحكام كاتهامات جاهزة بدلًا من تناول محاور المؤتمر أو منهجيته البحثية.

وتطرق المقال إلى سؤال حول وجود "نزعة مؤيدة لحماس؟"، مستندًا إلى تصريحات ومواقف قديمة لبعض الباحثين خارج نطاق المؤتمر لاستنتاج توجهه مسبقًا، كما استعان بمواقف شخصية سابقة لبعض المتحدثين من دون الإشارة إلى خلفياتهم الأكاديمية أو المواد العلمية التي كانوا سيقدمونها.

وبدلًا من تحليل برنامج الجلسات أو محتوى الأوراق العلمية، اعتمد المقال مقاربة قائمة على تصنيفات سياسية وانطباعات أيديولوجية، مستحضرًا منشورات لفرانسوا بورغا وتصريحات للمقررة الأممية فرانشيسكا ألبانيزي في سياقات تتجاوز موضوع المؤتمر أو منهجه البحثي.

كما استخدم المقال عبارات مثل "راديكالي"، "قليل الطابع الأكاديمي"، "توافق مؤيد للفلسطينيين"، و"تسلل"، لتكريس صورة نمطية تقدم المؤتمر بوصفه تهديدًا لـ"المنبر الأكاديمي الفرنسي"، ممهدًا للدعوة إلى تدخل إداري، من دون منح مساحة كافية لتعقيبات الجهة المنظمة أو توضيحات المشاركين.

مقال "لو بوان" الذي وصف المؤتمر بأنه "مؤيد للفلسطينيين وعالي المخاطر" ونشر قبل قرار الإلغاء
مقال "لوبوان" الذي وصف المؤتمر بأنه "مؤيد للفلسطينيين وعالي المخاطر" ونشر قبل قرار الإلغاء

كوليج دو فرانس: الإلغاء جاء لضمان سلامة الموظفين والحضور وحماية النظام العام

بعد تصاعد الجدل الذي بدأ مع مقال "لوبوان"، انتقل الضغط إلى المستوى المؤسسي داخل كوليج دو فرانس، فقد ألغى المعهد المؤتمر الذي كان من المقرر أن يستضيفه يومي 13 و14 نوفمبر، وكان من المقرر أن يشارك فيه البروفيسور هنري لورنس، رئيس قسم التاريخ المعاصر للعالم العربي في المعهد.

جاء القرار عقب ضغوط سياسية وإعلامية متصاعدة، بدأت بمقال "لوبوان" وتبعته تغطيات في صحف فرنسية أخرى، إلى جانب تحركات من شخصيات أكاديمية بارزة ولوبيات مؤيدة لإسرائيل.

وفي التاسع من نوفمبر، أصدر المعهد بيانًا رسميًا موقعًا من مديره توماس رومر، أكد فيه أن المؤسسة تلتزم "الحياد التام" تجاه القضايا السياسية أو الأيديولوجية، موضحًا أن "كونها منبرًا للمعرفة ونشرها لا يعني تأييد أو دعم أي شكل من أشكال النشاط".

وأشار البيان إلى أن اللجنة العلمية نُصحت، في ظل الجدل المتصاعد، بعقد المؤتمر "خلف أبواب مغلقة"، لكن الحل لم يكن قابلًا للتطبيق. وذكر أن مسؤولية إدارة المعهد تشمل "ضمان سلامة الموظفين والحضور ومنع أي خطر على النظام العام".

واختتم البيان بالإعلان عن القرار النهائي "نظرًا لما سبق، فإن مدير كوليج دو فرانس، بصفته الجهة المسؤولة عن سلامة الممتلكات والأشخاص وضمان حسن سير الفعاليات المقامة داخل المعهد، مُلزم بإلغاء الفعالية المقررة يومي 13 و14 نوفمبر".

كوليج دو فرانس يلغي المؤتمر الذي كان من المقرر أن يستضيفه يومي 13 و14 نوفمبر الجاري
كوليج دو فرانس يلغي المؤتمر الذي كان من المقرر أن يستضيفه يومي 13 و14 نوفمبر الجاري

المركز العربي وكرسي التاريخ في كوليج دو فرانس: الإلغاء يشكّل سابقة خطيرة ويهدد استقلالية المعرفة

أصدر فرع المركز العربي للأبحاث والدراسات السياسية في باريس، بالتعاون مع كرسي التاريخ المعاصر للعالم العربي في كوليج دو فرانس، بيانًا مشتركًا ردًّا على قرار إدارة الكوليج إلغاء المؤتمر.

وأشار البيان إلى أن الإلغاء جاء عقب مقال مجلة "لوبوان"، وما تلاه من ضغوط مباشرة مارستها وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وهي ضغوط أقرّ بها الوزير فيليب باتيست علنًا تحت ذريعة "ضمان العلمية".

وأوضح البيان أن التحضير للمؤتمر تم وفق الإجراءات الأكاديمية المعمول بها بدقة، وأنه كان من المقرر أن يشارك فيه باحثون من مؤسسات مرموقة، من بينها المدرسة الفيدرالية البوليتكنيكية في لوزان، وجامعة أمستردام، والمعهد الوطني للغات والحضارات الشرقية، وجامعة لندن، والمركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، وجامعة كوين ماري في لندن.

وأضاف البيان أن مواضيع المؤتمر عكست تنوعًا في التخصصات والمناهج الأكاديمية، مع احترام كامل لتعددية المدارس الفكرية، معتبرًا أن "اتهام هؤلاء الباحثين بمعاداة السامية أو النشاط السياسي هو بمثابة استبعاد لا أساس له من الصحة لأعمالهم، التي حظيت بموافقة زملائهم ونُشرت في أعرق المجلات العلمية".

وحذر البيان من أن الخلط بين الاعتبارات الأكاديمية والضغوط الأيديولوجية يمس استقلالية المعرفة، معتبرًا أن استجابة كوليج دو فرانس للضغط السياسي تشكل تهديدًا لمؤسسة ذات إرث فكري يمتد لقرون.

وأكد أن القرار يخلق سابقة مقلقة قد تسمح بإخضاع أي فعالية أكاديمية "حساسة" لرقابة ناتجة عن مقالات مثيرة للجدل أو تصريحات سياسية. وختم البيان بالتشديد على أن المؤتمر كان يستند إلى نهج تاريخي ونقدي، وأن "الخلط بين هذا النهج الأكاديمي ونقاش حاد يُظهر سوء فهم عميق لمهمة العلوم الاجتماعية، واستغلالًا مقلقًا لكلمة (علمية)".

الضغوط والجهات التي قادت إلى إلغاء المؤتمر داخل كوليج دو فرانس

أوضحت مجلة "لو إكسبرس" في تقريرها المنشور في 10 نوفمبر، أن عدة جهات مارست ضغوطًا مباشرة أدت إلى إلغاء مؤتمر "فلسطين وأوروبا" داخل كوليج دو فرانس.

واستعرض التقرير اعتراض المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا (CRIF)، الذي رأى رئيسه أن المؤتمر "لا شيء فيه يسير بالشكل الصحيح"، بالإضافة إلى موقف الرابطة الدولية لمكافحة العنصرية ومعاداة السامية (LICRA) التي وصفته بأنه "سوق معادية للصهيونية" وأعلنت نيتها مطالبة وزير التعليم العالي بالتدخل. كما انضم الحاخام الأكبر لفرنسا إلى موجة الاعتراض، معتبرًا المؤتمر "منحازًا بشكل فاضح".

وذكرت "لو إكسبرس" أن وزير التعليم العالي فيليب باتيست أيّد قرار الإلغاء واعتبره "خطوة مسؤولة"، في حين رأت نقابة التعليم العالي أن الوزارة خضعت لضغوط سياسية خارجية. ويعكس ذلك تشكل شبكة ضغط واسعة ضمّت جهات مؤيدة لإسرائيل وانتهت باستجابة حكومية مباشرة، مقابل اعتراضات من بعض الأكاديميين ونواب اليسار.

جدل بعد إلغاء مؤتمر فلسطين والضغوط التي قادت لاتخاذ القرار
جدل بعد إلغاء مؤتمر فلسطين والضغوط التي قادت لاتخاذ القرار

وفي منشور عبر حسابه في التاسع من نوفمبر، قال باتيست إن الدفاع عن الحرية الأكاديمية يعني الدفاع عن نقاش حر ومحترم وتعددي، مشيرًا إلى أنه نقل هذه الرسالة إلى مدير كوليج دو فرانس خلال الأيام السابقة. واعتبر أن المؤتمر، بصيغته المبرمجة، كان يُخشى ألا يضمن هذه الشروط، معتبرًا أن إلغاءه يمثل قرارًا مسؤولًا من مؤسسة يُفترض أن تجسد تميز المعرفة وتضمن فضاءً للنقاش المفتوح أمام جميع التيارات الفكرية، وفي إطار احترام القانون والقيم الجمهورية.

 تغطية اليمين الفرنسي لمؤتمر فلسطين وأوروبا بعد إلغاء انعقاده داخل كوليج دو فرانس

التحريض والرفض للمؤتمر لم يقتصرا على الفترة التي سبقت قرار إلغائه، ولم يتوقفا عند مقال مجلة "لوبوان" والحملة التي رافقته، بل امتدا إلى ما بعد الإلغاء في تغطيات صحف يمينية فرنسية، التي صورت المؤتمر على أنه معاد للصهيونية، وللكولونيالية، ومهدد للذاكرة اليهودية، ويبرز ضمن هذه التغطيات مقال صحيفة "تريبيون جويف" المنشور في 10 نوفمبر الجاري، الذي شكل مثالًا واضحًا على خطاب تعبوي يسعى إلى نزع الشرعية عن مؤتمر فلسطين وأوروبا بإخراجه من سياقه الأكاديمي وربطه مباشرة بمعاداة السامية. واعتمد المقال منذ بدايته لغة رمزية مشحونة، مستهلًا باقتباس لفيكتور هوغو حول "فتح أبواب الجحيم"، في تمهيد يرسم المؤتمر كتهديد لا كفعالية بحثية.

وانطلق المقال من فرضية مسبقة تعتبر المؤتمر منصة للتحريض والكراهية، ورأى في انعقاده داخل مؤسسة عامة مثل كوليج دو فرانس انحرافًا عن الحياد الأكاديمي، وارتكز الكاتب على استراتيجية تقوم على إعادة تأطير المشاركين من خلال استدعاء مواقف سياسية قديمة خارج نطاق المؤتمر، مع إغفال خلفيتهم البحثية أو طبيعة الأوراق التي كان من المقرر تقديمها، وجرى تقديم شخصيات مثل الدكتور عزمي بشارة والدكتور هنري لورنس وجلبير الأشقر وآلان غريش داخل إطار سياسي حصري بدل الإشارة إلى مشاريعهم العلمية أو إسهاماتهم الأكاديمية.

وتستند البنية الخطابية للمقال إلى الخلط بين ثلاث دوائر مختلفة هي النقد السياسي لإسرائيل، ومعاداة الصهيونية، ومعاداة السامية، ما يختزل أي نقاش أكاديمي حول السياسات الإسرائيلية أو تاريخ الاستعمار الأوروبي في فلسطين باعتباره تهديدًا مباشرًا للذاكرة اليهودية والهوية الجمهورية. ويُستخدم هذا الخلط لتبرير تصوير المؤتمر كمنبر مؤسساتي للكراهية، مع توسع بلاغي يصل إلى التحذير من "معاداة السامية على مستوى الدولة"، من دون أي تحليل لمحتوى الجلسات أو أهدافها العلمية.

ويبرز في تغطية الصحيفة حضور واضح لتوصيفات مشحونة مثل التحريض والكراهية والتجنيد والانحراف المؤسسي، مقابل غياب كامل لأي إحالة إلى مضمون الأوراق أو منهجية الباحثين أو طبيعة النقاشات المقررة. ويتجاهل النص أن المؤتمر يضم شخصيات أكاديمية تعمل في مؤسسات بحثية دولية، ويستبدل ذلك بسردية تصور الحدث كجزء من معركة أيديولوجية تستهدف الدولة الفرنسية.

ويقدم المقال تصورًا يدعو إلى إعادة صياغة الحرية الأكاديمية وفق محددات سياسية، ويحمل المؤسسات العامة مسؤولية منع النقاشات التي يتم تصنيفها كخطاب معاد لإسرائيل، بما يحول أي نقاش بحثي يتعلق بفلسطين إلى مسألة أمنية وأخلاقية بدل إطارها العلمي الطبيعي.

مقال يربط مؤتمر فلسطين بخطاب معاد للسامية بعد قرار الإلغاء
مقال يربط مؤتمر فلسطين بخطاب معاد للسامية بعد قرار الإلغاء

أما صحيفة "ماريان"، فقدمت تغطية تركز على الجدل السياسي والإعلامي السابق لقرار كوليج دو فرانس أكثر من تركيزها على طبيعة المؤتمر أو محاوره الأكاديمية، وجاءت المادة تحت عنوان: "معرض معاد للصهيونية: أمام الجدل، كوليج دو فرانس يلغي مؤتمرًا حول فلسطين".
وتعيد الصحيفة عرض بيان كوليج دو فرانس، مبرزة مبررات الإلغاء المتعلقة بـ"الأمن" و"السكينة" داخل المؤسسة، وهي مفردات تُستخدم عادة عند التعامل مع فعاليات مرتبطة بفلسطين. كما تمنح مساحة واسعة لتصريحات وزير التعليم العالي فيليب باتيست الذي وصف الإلغاء بأنه "خطوة مسؤولة"، إلى جانب إحالة إلى موقف الرابطة الدولية لمكافحة العنصرية ومعاداة السامية LICRA التي وصفت المؤتمر بأنه "معرض معادٍ للصهيونية"، وهو توصيف يعيد دمج الخطاب السياسي داخل الفضاء الأكاديمي.
وتستعيد ماريان كذلك تغطية مجلة "لوبوان" متبنية توصيفها للمؤتمر بأنه "انغلاق مؤيد للفلسطينيين"، مع إبراز عنوان جلسة "الصهيونية كمشروع توسع أوروبي استعماري"، من دون محاولة وضعه ضمن سياقه البحثي في دراسات التاريخ والسياسة. ورغم الإشارة إلى مشاركة شخصيات بارزة مثل دومينيك دو فيلبان وفرانشيسكا ألبانيزي، إلا أن التغطية لا تقدم أي تناول لطبيعة الأوراق أو المحاور العلمية المقررة، وتكتفي بإعادة تدوير الاتهامات التي ظهرت في تغطيات اليمين المحافظ، ما يعكس غياب قراءة أكاديمية موضوعية وحضور خطاب يركز على الجدل بدل النقاش العلمي.

تقرير عن إلغاء مؤتمر فلسطين في كوليج دو فرانس على خلفية جدل واسع
تقرير عن إلغاء مؤتمر فلسطين في كوليج دو فرانس على خلفية جدل واسع

أكاديميون ومحامون يشنّون حملة ضغط ضد المؤتمر

إلى جانب الحملات الإعلامية، تعرّض كوليج دو فرانس لضغوط نظمها عدد من المحامين وأكاديميين ينتمون إلى شبكة تُعرف باسم شبكة أبحاث العنصرية ومعاداة السامية RRA، وفقًا لموقع "Blast – Le souffle de l’info" الذي اطّلع على سلسلة رسائل بريد إلكتروني متبادلة بين أعضاء الشبكة، كشفت عن حملة هدفت إلى نزع الشرعية عن المؤتمر والتأثير على قرار إقامته.

وفي إحدى الرسائل التي نقلها الموقع، اعتبرت المحامية ديبورا جورنو أن جهود الشبكة كانت مؤثرة في قرار الإلغاء، قائلة لأكثر من مئة أكاديمي ضمن المجموعة "أرسلنا رسالة إلى المسؤول عن كوليج دو فرانس ونسخة إلى وزير التعليم… أعتقد أن رسالتنا وجميع المبادرات الأخرى ساهمت في هذا الإلغاء. أحسنتم جميعًا".

وكانت شبكة "RRA" قد تأسست عام 2019 ومقرها جامعة بيكاردي وتقدم نفسها كاتفاق تعاقدي يجمع وحدات بحثية من القطاعين العام والخاص وتدّعي قيادتها أن عدد أعضائها يبلغ نحو 500 عضو يتواصلون فيما بينهم ويعملون على تنظيم المؤتمرات وتوحيد الجهود البحثية.

وفي رسائل البريد الإلكتروني التي اطّلع عليها الموقع عبّر أعضاء الشبكة عن فرحتهم بإلغاء المؤتمر. إذ قالت الباحثة دانيال دلمير من جامعة ليل "لا أشتكي من إلغاء هذا المؤتمر"، وأضافت فيرونيك بنزاكان من باريس-ساكلاي "أحسنت.. آمل أن يشكل هذا سابقة في مؤسساتنا. بكل شجاعة". بدوره، أوضح بول أودي من باريس-ديكارت أن " فكرة دعوة السياسيين إلى مؤتمر أكاديمي ـ حتى لو كانت متحيزة وضارة وغير تعددية ـ ستكون أقل إغراءً".

ورأت شخصيات في الشبكة أن المقال الذي نشرته "لوبوان" ساهم في خلق حالة من "الذعر الأخلاقي" داخل بعض الأوساط. إذ نقل الموقع عن عالم السياسة المتقاعد بيير أندريه تاغييف قوله إن المؤتمر يمثّل "علامة أخرى على التحول التدريجي نحو إضفاء الشرعية على الأعمال المعادية لليهود وتطبيعها تحت ستار مناهضة العنصرية والاستعمار".

وفي رسالة أخرى بتاريخ الثامن من نوفمبر، أوضحت المحامية جورنو لأكاديميين في الشبكة أنها تواصلت مع وزير التعليم "للتنديد بعقد هذا المؤتمر في مؤسسة عامة تخضع لإشرافه".

وتظهر الرسائل أيضًا أن مواقف الشبكة تجاوزت المؤتمر نفسه لتشمل استهداف باحثين يعملون في مجالات تتعلق بفلسطين. ففي الثامن من نوفمبر، عبّر إيمانويل دروا، مدير معهد العلوم السياسية في ستراسبورغ، عن قلقه من دعوة الباحثة في المركز الوطني للبحث العلمي ستيفاني لات عبد الله إلى مؤسسته، طالبًا من الشبكة أي معلومات "تُمكنه من تنبيه رئيس الجامعة". 

وتوالت الردود من أعضاء الشبكة، إذ قالت ريجين وينترايتر من جامعة باريس إن لات عبد الله "واضح أنها ناشطة مؤيدة للفلسطينيين، وجميع أعمالها تدور حول هذا الموضوع، وكذلك ظهورها العلني". بينما اعتبرت إيفلين شاييس من المركز الوطني للبحث العلمي أن تصريحات الباحثة "غير علمية وتاريخية وغير مؤكدة".

ونقل الموقع عن مصادر أكاديمية أن بعض أعضاء الشبكة يتمتعون بمكانة مؤثرة داخل الهرم الأكاديمي الفرنسي، ما يمنحهم القدرة على التأثير في النقاشات وإسكات الأصوات المعارضة. وأوضح أحد المصادر: "لديهم نفوذ كبير… ولديهم طرق عديدة للتأثير. لذلك يلتزم كثيرون الصمت خوفًا". بينما قال مصدر آخر إنهم "لا يرغبون في أن يُسمع أي شيء يتعلق بالاعتراف بالإبادة الجماعية".

قراءة تاريخية لمسار فلسطين في الوعي الأوروبي وتأكيد على الحرية الأكاديمية

استُهلّ اليوم الأول لمؤتمر فلسطين وأوروبا بكلمة افتتاحية لمدير المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في باريس، سلام كواكبي، شدد فيها على أهمية تناول العلاقة بين أوروبا وفلسطين باعتبارها محورًا أساسيًا لفهم التحولات التاريخية والسياسية في المنطقة. وتطرق كواكبي إلى قرار إدارة كوليج دو فرانس إلغاء المؤتمر والحملة التي سبقته، موضحًا أن الهجمات جاءت من أطراف في اليمين المتطرف ومن منصات رقمية في فرنسا.

وأكد أن طابع المؤتمر يبقى أكاديميًا خالصًا، وأن الدفاع عن انعقاده يتجاوز فلسطين ليشمل حماية الحرية الأكاديمية وحق التفكير والنقاش دون وصاية أو تخويف.

وفي الكلمة الافتتاحية الثانية، قدم الدكتور هنري لورنس، أستاذ كرسي التاريخ المعاصر للعالم العربي في كوليج دو فرانس، قراءة تاريخية لمسار فلسطين في الوعي والسياسة الأوروبيين. وركز على تطور موقع فلسطين خلال القرن التاسع عشر، حيث انصب الاهتمام الأوروبي في تلك المرحلة على حماية الأماكن المقدسة وصراع القوى الكبرى حولها، بالتوازي مع التحولات الاقتصادية التي شهدتها المنطقة، آنذاك.

وتناول لورنس أيضًا بدايات الهجرات اليهودية المنظمة إلى فلسطين في أواخر القرن التاسع عشر، موضحًا أنها جاءت في إطار منظومة الامتيازات الأوروبية والمشاريع الاستعمارية، وشدد على أن الحركة الصهيونية، منذ تأسيسها، أدركت أن تحقيق مشروعها في فلسطين لا يمكن أن يتم إلا عبر التحالف مع قوة أوروبية كبرى، في ظل التنافس على النفوذ داخل المنطقة العربية.

انطلاق أعمال مؤتمر فلسطين يوم 13 نوفمبر

ومن جانبه، قدم المدير العام للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدكتور عزمي بشارة، محاضرة عامة ضمن أعمال المؤتمر تناول فيها جوانب من العلاقة التاريخية بين أوروبا وفلسطين، مؤكدًا صعوبة مقاربتها بمعزل عن سياقها المتوسطي الأوسع. واعتبر أن دراسة القضية الفلسطينية تستدعي العودة إلى القرن التاسع عشر مع تصاعد الاهتمام الاستعماري الأوروبي بالمشرق العربي.

وتناول بشارة نشوء الحركة الصهيونية في أوروبا أواخر القرن التاسع عشر، موضحًا ارتباطها بالتنوير اليهودي "الهسكلاه" وتحولاته. كما تطرق إلى الموقف الأوروبي من المشروع الاستعماري في فلسطين، مشيرًا إلى بروز جيل جديد في أوروبا والولايات المتحدة يتبنى مقاربات حقوقية وانتقادات لازدواجية المعايير في التعامل مع القضية الفلسطينية.

عُقدت الجلسة الثانية تحت عنوان "الصهيونية كمشروع أوروبي للتوسع الاستعماري"، وشارك فيها كل من رينا كوهين مولر، والمؤرخ الإيطالي لورينزو كامل، والباحثة ميشال سيغان. تلتها جلسة بعنوان "الفلسطينيون في ظل الانتداب البريطاني"، ثم جلسة "المؤسسات الأوروبية: تاريخ من العجز"، قبل أن يُختتم اليوم الأول بجلسة ختامية بعنوان "نحو توحيد السياسات الخارجية الأوروبية؟".

أما اليوم الثاني، فاستُهل بجلسة ناقشت الماضي الاستعماري الأوروبي والأعباء التاريخية المرتبطة به، إضافة إلى تشكل حركات التضامن الحديثة مع فلسطين، وركز المشاركون على التأثير الحاسم للمحرقة الأوروبية في تشكيل السياسات، وكيف جرى توظيف هذا التاريخ سياسيًا لتبرير الدعم لإسرائيل، مع ربطه بإرث الاستعمار الأوروبي وصعود أنماط جديدة من التضامن الشعبي داخل القارة.

وحملت الجلسة الثانية عنوان "شبكات التأثير والمصالح الاقتصادية"، متناولة العلاقات المتشابكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، بما في ذلك دور اللوبيات المؤيدة لإسرائيل داخل المؤسسات الأوروبية، وخصوصًا الشبكات التي مارست ضغوطًا أسهمت في إلغاء استضافة المؤتمر داخل كوليج دو فرانس.

وفي الجلسة الثالثة، "إسكات الأصوات الفلسطينية"، اعتبر الباحثون أن عام 2023 شكل نقطة تحول في تصعيد حملات القمع ضد الأصوات المتضامنة مع فلسطين. تلتها الجلسة الرابعة بعنوان "مسؤولية أوروبا: من فشل أوسلو إلى تدمير غزة".

واختُتم المؤتمر بنقاش موسّع بعنوان "كيف تعيد فلسطين تشكيل أوروبا؟"، تناول التحولات التي أفرزتها الحرب على قطاع غزة داخل أوروبا، وأثرها على السياسات الرسمية والرأي العام، إضافة إلى مستقبل مكانة القضية الفلسطينية في المشهد الأوروبي.

مؤتمر فلسطين

اقرأ/ي أيضًا

ماهي أبرز منظمات وجماعات الضغط الإسرائيلية الناشطة حول العالم؟

ما هو اللوبي الصهيوني في أمريكا؟

المصادر

اقرأ/ي أيضًا

الأكثر قراءة

مؤشر مسبار
سلّم قياس مستوى الصدقيّة للمواقع وترتيبها
مواقع تم ضبطها مؤخرًا
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
عرض المواقع
bannar