حجب المعلومات وصعوبة الوصول إليها.. أبرز أسباب التضليل في الفضاء الرقمي التونسي
أصدرت النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين في 14 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، تقريرها السنوي، وقد خصّصت فيه جزءًا لرصد مظاهر حجب المعلومات وصعوبة النفاذ إليها من قبل الجهات الرسمية.
وأشارت في تقريرها إلى أن حجب المعلومات يهدف إلى حرمان الأفراد والمؤسسات من حقهم في الوصول إلى المعلومة وإخفائها عند طلبها، مؤكدة أن هذه الممارسات لا تندرج ضمن الاستثناءات التي ينصّ عليها قانون النفاذ إلى المعلومات، وتمثل خرقًا لأحكام المرسوم 115 المنظم لحرية الصحافة والطباعة والنشر.

في هذا المقال، يسعى مسبار إلى بيان تأثير غياب المعلومة الرسمية في توسيع دائرة الشائعات والمحتوى المضلّل، مع الإشارة إلى بعض التشريعات والممارسات التي ساهمت في تعميق هذا الإشكال داخل المشهد الإعلامي التونسي.
قرارات حكومية تقيّد الوصول إلى المعلومة في تونس
يخلق غياب المعلومة الرسمية أو تأخر صدورها فراغًا يُستغلّ بسرعة، خاصة من طرف بعض صفحات التواصل الاجتماعي، ما يؤدي إلى انتشار محتوى مضلل أو شائعات في الفضاء العام التونسي.
وقد ساهمت جملة من القرارات الحكومية في السنوات الأخيرة في تعميق صعوبة الوصول إلى المعلومات في تونس، من أبرزها المنشور عدد 19، الذي وجهته رئيسة الحكومة السابقة نجلاء بودن إلى الوزراء وكتاب الدولة في 10 ديسمبر/كانون الأول 2021، والذي حدّد "قواعد العمل الاتصالي للحكومة"، والذي فرض ضوابط على الظهور الإعلامي لأعضاء الحكومة.
وألزم القرار كل وزارة بإعداد قائمة في ناطقيها الرسميين واعتمادها لدى مصالح الاتصال برئاسة الحكومة، إضافة إلى التنسيق المسبق معها في الشكل والمضمون قبل أي ظهور إعلامي. وفرض المنشور كذلك على أعضاء الحكومة الامتناع عن الظهور في القنوات التلفزية والإذاعات المخالفة للقانون.
هذه القيود مجتمعة أسهمت في تضييق قنوات تدفق المعلومات وإضعاف قدرة الصحفيين والرأي العام على الوصول إلى المعطيات المرتبطة بالشأن العام.

ويُعد هذا الإجراء الحكومي آنذاك مناقضًا مع الأطر القانونية التي تكفل حق الوصول إلى المعلومة، سواءً من خلال المرسوم عدد 115 لسنة 2011، أو قانون النفاذ إلى المعلومة الصادر سنة 2016.
وينص المرسوم عدد 115 لسنة 2011، المؤرخ في الثاني من نوفمبر 2011، بشأن حرية الصحافة والطباعة والنشر، في فصله العاشر على أن للصحفي، شأنه شأن كل مواطن، حق النفاذ إلى المعلومات والأخبار والبيانات والإحصائيات والحصول عليها من مصادرها المختلفة.
ويتيح هذا النص للصحفي طلب المعلومات والأخبار والإحصائيات المتوفرة لدى الجهات المعنية، مع مراعاة الاستثناءات المتعلقة بالمواد السرية بموجب القانون.

كما ينص قانون النفاذ إلى المعلومة الصادر في عام 2016، على ضمان حق كل شخص طبيعي أو معنوي في الحصول على المعلومات، مع تعزيز الشفافية والمساءلة، وتحسين جودة الخدمات العمومية، ودعم الثقة في المؤسسات، بالإضافة إلى تشجيع المشاركة العامة في وضع السياسات العمومية ومتابعة تنفيذها، ودعم البحث العلمي.
وينطبق هذا القانون على جميع الهياكل العمومية والمؤسسات التي تنتفع بتمويل عمومي، بما في ذلك رئاسة الجمهورية والحكومة والبرلمان والوزارات والبنك المركزي، فضلًا عن المؤسسات والمنشآت العمومية والهيئات القضائية والهيئات المستقلة والجماعات المحلية، وكذلك أشخاص القانون الخاص الذين يسيّرون مرافق عامة، إضافة إلى المنظمات والجمعيات ذات التمويل العمومي.
إغلاق هيئة النفاذ إلى المعلومة يعزز عدم التوصل الى المعلومات
لم تقتصر أسباب تعميق أزمة الوصول إلى المعلومات في تونس على التشريعات المتناقضة، إذ قررت رئاسة الحكومة في أغسطس/آب 2025، إغلاق مقر هيئة النفاذ إلى المعلومة وإلحاقها بمقر رئاسة الحكومة، وهو ما اعتبرته النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين في بيانها الصادر في 20 أغسطس إنهاءً واقعيًا لدورها كهيئة عمومية مستقلة تضمن الحق الدستوري في النفاذ إلى المعلومة.
وأدانت النقابة حينها هذا القرار الذي اعتبرت أنه يفرض أمرًا واقعًا بهدم أحد عناصر البناء الديمقراطي، معتبرة أن الصحافة التونسية تواجه منذ سنوات عراقيل مستمرة في النفاذ إلى المعلومات الرسمية، حيث تمارس أغلب الهياكل العمومية سياسة التعتيم والتهرّب من الشفافية.
ولفتت النقابة في بيانها آنذاك إلى أن هيئة النفاذ إلى المعلومة، إحدى أهم الأدوات التي ساعدت في فرض احترام القانون وتوفير سند للصحفيين في معركتهم اليومية ضد البيروقراطية والتكتم، مما يجعل تعطيل هذه الهيئة اليوم خيارًا مقصودًا من السلطة لفرض سياسة الأمر الواقع وإرجاع البلاد إلى مربع إعلام البروباغندا والتضليل.
واستُحدثت هيئة النفاذ إلى المعلومة بمقتضى القانون الأساسي عدد 22 لسنة 2016 المؤرخ في 24 مارس/آذار 2016، والمتعلق بالحق في النفاذ إلى المعلومة، لضمان ممارسة هذا الحق الدستوري، وتهدف الهيئة إلى تعزيز الشفافية والمساءلة، خصوصًا فيما يتعلق بالتصرف في المرافق العامة، وتحسين جودة المرفق العمومي ودعم الثقة في المؤسسات، إلى جانب تمكين المواطنين من المشاركة في وضع السياسات العمومية ومتابعة تنفيذها وتقييمها.
دراسة: غياب الشفافية الرسمية تعزز انتشار المعلومات المضللة
ويُظهر واقع النفاذ إلى المعلومات في تونس أن الصعوبات لا تقتصر على التشريعات المتناقضة أو القرارات الحكومية، بل تتجاوز ذلك، إذ نشرت منظمة Internews في عام 2021، دراسة بعنوان "TUNISIA MEDIA LANDSCAPE ASSESSMENT" (تقييم المشهد الإعلامي في تونس)، وأشارت في جزء منها إلى أن جهود التواصل من المصادر الرسمية للدولة، مثل الوزارات والقادة السياسيين والبرلمان، تعاني من نقص في الوضوح والتناسق وفي سرعة نشر المعلومات.
ولفتت المنظمة إلى أن المواطنين يلجؤون إلى هذه المصادر الرسمية للحصول على معلومات حول القضايا والسياسات العامة التي تؤثر على حياتهم اليومية، إلا أن أوجه القصور في هذه المصادر تخلق فراغًا معلوماتيًا يستغل بسهولة من قبل مصادر غير رسمية لنشر محتوى مضلل أو معلومات مغلوطة، وهو ما يفسر انتشار الشائعات وسهولة تضليل الرأي العام في غياب الشفافية الرسمية.

توضح التجربة التونسية أن غياب المعلومة الرسمية أو تأخر صدورها يخلق مسببًا أساسيًا لنشر الشائعات والمحتوى المضلّل خاصة عبر منصات التواصل الاجتماعي، ما يؤثر بشكل مباشر على قدرة الرأي العام على تكوين صورة دقيقة وواضحة عن الأحداث، وتدّل هذه المعطيات على أن ضمان حق النفاذ إلى المعلومات ليس مسألة شكلية، بل ركيزة أساسية لمكافحة الشائعات وحماية الرأي العام، ودعم صحافة مستقلة وشفافة قادرة على أداء دورها الرقابي والمجتمعي.
اقرأ/ي أيضًا
بين البيانات الرسمية والمنظمات الحقوقية.. ماذا يحدث في السجون التونسية؟
هل تعكس القيمة الاسمية للدينار التونسي مقابل الدولار قوة الاقتصاد التونسي؟























