هيئة المسح الجيولوجي الأميركية لم تنشر تقريرًا جديدًا عن الاحتياطات النفطية في تونس
تتداول صفحات وحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي، حديثًا، معلومات ادعت أنّها وردت في تقريرٍ لهيئة المسح الجيولوجي الأميركية (USGS)، كشفت عن وجود 34 تريليون برميل من النفط و39 تريليون قدمٍ مكعب من الغاز داخل "حقل بودبوس" الممتدّ، وفق الادعاء، من شمال تونس إلى جنوبها برًّا وبحرًا.
وقدّم ناشرو الادعاء هذه الأرقام، باعتبارها دليلًا على امتلاك تونس واحدًا من أضخم احتياطات النفط غير المستغلة في العالم.
يُبرز "مسبار" في هذا التقرير أن هذه الادعاءات تفتقر إلى الدلائل الجيولوجية والاقتصادية، استنادًا إلى تقارير صدرت عن مؤسسات دولية كبرى، مثل هيئة المسح الجيولوجي الأميركية (USGS) نفسها، ووكالة الطاقة الدولية (IEA)، ومراجعة معهد الطاقة (Energy Institute Statistical Review of World Energy 2024)، وتقارير البنك الدولي والتقارير الحكومية الرسمية المحلية.
بينات حول تونس في تقارير المسح الجيولوجي الأميركي
يعود أحدث تقرير ذي صلة صدر عن الهيئة الأميركية للمسح الجيولوجي إلى يونيو 2019، وكان عنوانه "Assessment of Undiscovered Oil and Gas Resources of the Sirte and Pelagian Basin Provinces of Libya, Tunisia, Malta, and Italy, 2019"، وهو التقييم الدولي الأكثر تفصيلًا للموارد غير المكتشفة في المنطقة، ويحدد بدقة الأرقام التي أسيئ تفسيرها لاحقًا، عن الاحتياطي التونسي المزعوم.
ويقيّم هذا التقرير الموارد غير المكتشفة والقابلة تقنيًا للاستخراج في أحواض نفطية تمتدّ عبر ليبيا وتونس ومالطا وإيطاليا، دون التركيز على حقل محدد داخل تونس فحسب.
وتفيد نتائج التقرير بأن إجمالي الموارد غير المكتشفة في المنطقة المشتركة بلغ 16.4 مليار برميل من النفط و 106.3 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي، و1.6 مليار برميل من سوائل الغاز الطبيعي.
يعني ذلك أن الأرقام تتحدث عن الموارد غير المكتشفة (Undiscovered Resources) والقابلة للاستخراج، وهي تخمينات احتمالية وليست احتياطيات مؤكدة (Proven Reserves) يمكن استخراجها اقتصاديًا في ظل الظروف الحالية. والأهم من ذلك، أن البيانات المنشورة لا تُظهر أي تقديرات ضخمة تخصّ تونس بشكل منفصل.
ووفق ما هو منشور رسميًا، فإنّ الموارد غير المكتشفة المرتبطة بالوحدات الجيولوجية التي تشمل تونس، تُصنَّف عند مستويات محدودة مقارنة ببقية دول المنطقة، ولا يوجد أي تقرير دولي يشير إلى وجود احتياطيات أو موارد تتجاوز بضع مئات من ملايين البراميل على أقصى تقدير، ناهيك عن التريليونات التي يتم تداولها في الادّعاءات المضللة.
كما أن تكوين بو دبّوس، الذي استندت إليه الادعاءات المتداولة، ليس حقلًا نفطيًا كما يُروَّج له، بل هو تكوين جيولوجي يعود إلى العصر الإيوسيني، ويُسهم في توليد بعض الهيدروكربونات في المنطقة الشرقية من تونس.
ولا تُصنّفه التقييمات الجيولوجية الدولية، بما في ذلك تقارير هيئة المسح الجيولوجي الأميركية (USGS)، كحقل يحتوي على احتياطيات قابلة للإنتاج.
ووفقًا لتقرير الهيئة الأميركية (Region 2 Assessment Summary)، الذي يناقش أنظمة البترول ووحدات التقييم في منطقة شمال أفريقيا، يُعتبر التكوين "Bou Dabbous" صخر مصدر، ضمن نظام بترولي إقليمي، وليس خزانًا أو حقلًا مصنَّفًا ضمن احتياطيات كبيرة.
من جانب آخر، نفى الحبيب الطرودي، مستشار المؤسسة البترولية، في تصريح لوكالة "تونس إفريقيا للأنباء" في وقت سابق، صحة المزاعم التي تداولتها بعض الصفحات بشأن الدراسة المنسوبة إلى هيئة المسح الجيولوجي الأميركية "USGS".
وأوضح أن هذه الدراسة قديمة وتعود إلى ما قبل عام 2010، وأنها سطحية ولا يمكن الاعتماد عليها علميًا لأنها لم تستند إلى المسح الزلزالي، وهو الأداة الأساسية لتحديد وجود المكامن النفطية بدقة.
وأضاف الطرودي أن الأحواض الجيولوجية التي تحدثت عنها الدراسة الأميركية – مثل حوض سرت الممتد من ليبيا إلى خليج قابس والساحل التونسي – معروفة لدى السلطات التونسية منذ عقود، غير أنه لم تُسجل اكتشافات جديدة تُذكر منذ سبعينات القرن الفائت، حين تم العثور على حقول كبرى مثل عشتروت وأميلكار وسرسينا وسيدي الكيلاني.
وأشار الطرودي إلى أن نسبة النجاح في عمليات الاستكشاف في تونس لا تتجاوز 10 في المئة بسبب تعقيد التكوينات الجيولوجية، ما يجعل المخاطر مرتفعة ويحد من قدرة الشركات على تحقيق اكتشافات مجدية اقتصاديًا.
كما أكد أنه خلال السنوات العشر الأخيرة لم يتم العثور على أي مكامن جديدة رغم مواصلة حفر عدد من الآبار.
الاحتياطيات الحالية والإمكانات الجيولوجية
تُظهر البيانات الدولية والمحلية أنّ الاحتياطيات المؤكدة من النفط والغاز في تونس ما تزال محدودة مقارنة بجيرانها، غير أنّ المعطيات الجيولوجية تكشف عن إمكانات غير مستغلة يمكن أن تغيّر مكانة البلاد الطاقية في المستقبل.
فبحسب قاعدة بيانات "CIA World Factbook"، تبلغ الاحتياطيات المؤكدة من النفط حوالي 425 مليون برميل (قابل للاستخراج)، فيما يقدَّر احتياطي الغاز الطبيعي المؤكد بنحو 65.1 مليار متر مكعب وفق آخر تحديث منشور سنة 2021.
ويصف تقرير "Africa Oil & Gas Report"، الصادر في فبراير 2024، موارد الطاقة الأحفورية في تونس بـ "غير القليلة، بل إنها غير مستكشفة إلى حد كبير"، رغم المؤشرات الإيجابية في مشاريع مثل حقل زارات.
ووفق ما صرح به الخبير الدولي في الطاقة حامد الماطري لمسبار، فإن هذا التباين بين الاحتياطي المؤكد والإمكانات العميقة راجع إلى غياب حملات استكشاف واسعة خلال العقد الأخير، بالإضافة إلى تراجع الاستثمارات الأجنبية، ما يجعل تقييم الثروة الجيولوجية التونسية بعيدًا عن الواقع الفعلي لقدراتها الرسوبية والهيدروكربونية.
في المقابل، تشير الدراسات الدولية إلى أن التحدي الأساسي في تحويل هذه الموارد المحتملة إلى مكامن منتجة ليس جيولوجيًا فحسب، بل يتعلق بالمسائل التنظيمية والمالية.
فحتى مع توفر شواهد جيولوجية مشجّعة، فقد أكدت شركة الإنتاج الوطنية "ETAP" صعوبة استخراج غير المستكشفة بسبب عوامل تقنية ومخاطر مخزون المياه الناتجة عن التكسير الهيدروليكي.
ويؤكد تقرير تقني للبنك الدولي أن البيانات الحالية لا تؤيد سوى أقل من مليار برميل نفط و23 تريليون قدم مكعب غاز كاحتياطيات قابلة للإنتاج، في حين تبقى النسبة الكبرى مجرد موارد غير مطموسة.
انخفاض مستمر للإنتاج
شهد الإنتاج التونسي من النفط الخام تراجعًا ملحوظًا خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2025، إذ استقر عند حدود 824 كيلوطن مسجلًا انخفاضًا نسبته 10 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2024، وفق ما جاء في النشرية الشهرية لوزارة الطاقة (نهاية أغسطس 2025).
ويُعزى هذا التراجع أساسًا إلى الانخفاض الطبيعي في مردودية الحقول القديمة التي وصلت إلى مراحل متقدّمة من الإنتاج، بالإضافة إلى تراجع عدد الآبار المنتجة نتيجة محدودية عمليات الصيانة والاستثمار، وفق المصدر ذاته.
كما ساهمت التأخيرات في انطلاق حقول جديدة وتراجع نسق عمليات الاستكشاف والحفر في الحدّ من القدرة الإنتاجية، مما جعل مستويات الإنتاج تواصل منحاها التنازلي رغم الاستقرار النسبي في الطلب الداخلي.
وتُظهر بيانات وزارة الطاقة أيضًا أن الإنتاج الشهري للنفط الخام يواجه تراجعًا ثابتًا في تونس خلال سنة 2025 مقارنة بالسنوات السابقة. فباستثناء بعض الأشهر التي حافظ فيها الإنتاج على استقرار نسبي، تكشف الأرقام أنّ مستويات 2025 هي الأدنى تقريبًا منذ عام 2020، مما يعكس التراجع الهيكلي الذي يشهده القطاع.
ويبدو الانخفاض أكثر وضوحًا عند مقارنة منحنى الإنتاج لعام 2025 بمنحنيات السنوات 2020 و2021 و2022، التي سُجّل خلالها إنتاجٌ أعلى في مختلف الفترات.
وقال الماطري أن المنحى التنازلي المستمر يعكس تأثير انخفاض مردودية الحقول الناضجة، وتراجع عمليات الحفر، وغياب اكتشافات جديدة قادرة على تعويض الإنتاج الطبيعي المفقود.
كما يشير التفاوت الشهري إلى حساسية الإنتاج أمام العوامل التقنية والتشغيلية، في غياب مشاريع تطوير كبرى تعيد منحى الإنتاج إلى الارتفاع.
انخفاض النشاط الاستكشافي الحالي
تشير بيانات وزارة الطاقة إلى انخفاض كبير في نشاط الاستكشاف منذ عقد الثورات الذي بدأ عام 2011، إذ بلغ إجمالي تراخيص الاستكشاف والتنقيب السارية 15 ترخيصًا فقط في نهاية أغسطس/آب 2025 (14 للاستكشاف و1 للتنقيب)، مقابل عدد يفوق الـ50 في أواخر الألفية الفائتة.
وأكد الخبير الطاقي حامد ماطري أن ذلك يعكس عزوفًا متزايدًا من الشركات الكبرى عن المخاطرة في تونس، خاصة بسبب البيروقراطية المفرطة وقانون المحروقات المعقد وغير المشجع للاستثمار.
ومن خلال مراجعة بيانات المرصد الوطني للطاقة والمناجم والشركة التونسية للأنشطة البترولية ووزارة الطاقة والجمعية التونسية للنفط والغاز، يتضح أن نشاط الحفر والتنقيب عن النفط في تونس منذ سنة 2000 شهد تذبذبًا بين فترات ركود وانتعاش نسبي.
ففي الفترة ما بين 2000 و2010 ارتفع عدد الاكتشافات النفطية والغازية بشكل تدريجي، ما أدى إلى تضاعف الاحتياطيات المؤكدة من 67 مليون برميل إلى 147 مليون برميل.
وبين 2011 و2016 عرفت تونس وتيرة اكتشافات متباينة، ولم تشهد بعض سنوات أي اكتشافات مثل 2017 و2018، وشهدت الأعوام ما بين 2019 و2022 تسجيل اكتشافات جديدة، فيما اقتصرت سنة 2023 على اكتشاف غازي وحيد، وسجلت سنة 2024 اكتشافًا إضافيًا.
وحتى أغسطس 2025، لم تُسجّل أي اكتشافات جديدة، بينما تدهورت المؤشرات الطاقية وبلغ العجز الطاقي 60 في المئة وانخفضت الاستقلالية الطاقية لتونس إلى 40 في المئة، مقارنة بـ45 في المئة عام 2024 و51 في المئة عام 2023، ما يعكس تحديات مستمرة في تأمين الموارد الهيدروكربونية للبلاد.
في المقابل، أكدت دراسة أجريت بالتعاون بين "ETAP" والبنك الدولي عام 2022 وجود آفاقٍ استكشافية واعدة ومتبقية، تقدر بحوالي 430 مليون برميل مكافئ نفطي من الموارد التي لم يتم اكتشافها بعد. إلا أن هذه الموارد تقع في أهداف معقدة، مثل الكربونات العميقة والطبقات التحت-ملحية (subsalt plays) في حوض البلاجيان، وفق المصدر ذاته.
وفي السياق، قال الماطري إن هناك مناطق غير مستكشفة بشكل كافٍ يمكن أن تقدم فرصًا كبيرة، إلا أنها تتطلب استثمارات ضخمة وكفاءة تقنية عالية لفك تعقيداتها الجيولوجية.
اقرأ/ي أيضًا
علي بن حمود: نموذج لتحدّ يواجه مدققي المعلومات أمام محدودية المصادر المفتوحة
بين البيانات الرسمية والمنظمات الحقوقية.. ماذا يحدث في السجون التونسية؟
المصادر
































