اللغة والسردية: انحياز منهجي في تغطية ذا نيويورك تايمز للعدوان الإسرائيلي على غزة
منذ بدء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، اتسع نطاق الحرب ليشمل المجال الإعلامي الذي لعب دورًا مباشرًا في إعادة صياغة الوقائع وبناء سرديات موجهة للرأي العام العالمي، إذ لم يعد الإعلام ناقلًا محايدًا للأحداث، بل تحول في مراحل عديدة إلى عنصر فاعل يساهم في إنتاج روايات سياسية تتقاطع مع مصالح محددة، وتؤثر في كيفية فهم العالم لما يجري على الأرض.
وبسبب الانتشار الواسع للإعلام الغربي، لعبت المؤسسات الأميركية دورًا مؤثرًا في تشكيل الرواية المهيمنة حول العدوان. فقد اعتمدت على تقنيات تحريرية تشمل انتقاء القضايا والمصطلحات، وتأطير الأحداث ضمن سياقات تفضي إلى قراءة محددة، وتقديم مصادر بعينها بوصفها الأكثر موثوقية، مع استخدام لغة عاطفية أو مشككة، وتكثيف حضور روايات معينة على حساب أخرى، ما أسهم في إنتاج تصور عالمي يقترب من السردية الإسرائيلية، ويتجاهل السياق التاريخي الممتد لعقود من الاحتلال وجرائمه، مقدّمة الأحداث كما لو أنها بدأت في السابع من أكتوبر.
وفي السياق، تبرز صحيفة نيويورك تايمز بوصفها نموذجًا مركزيًا للتحليل. فالصحيفة التي تُعد مرجعًا رئيسيًا في الولايات المتحدة والعالم، تمارس تأثيرًا يتجاوز جمهورها المباشر ليصل إلى صناع القرار والأكاديميين ووسائل الإعلام الأخرى. ورغم موقعها كمؤسسة يفترض أن تلتزم بالمعايير المهنية، تكشف عيّنات التغطية التي رصدها "مسبار" عن انخراط واضح في تبني الرواية الإسرائيلية وتعزيز حضورها.
ويعتمد مسبار في المقال التالي على منهجية دراسة الحالة النوعية لتحليل تغطية نيويورك تايمز بين أكتوبر 2023 وأكتوبر 2025، ورصد الأنماط اللغوية والتحريرية والمؤسسية التي أسهمت في تكريس رواية الاحتلال الإسرائيلي أثناء العدوان على غزة.
المحور الأول: توظيف اللغة لتوجيه الرأي العام العالمي
يمثل تحليل اللغة المستخدمة في تغطية نيويورك تايمز أحد أهم المفاتيح لفهم الانحياز الهيكلي في تناولها للعدوان الإسرائيلي على غزة، ويظهر من خلال تتبع العينات أن الصحيفة تعاملت مع اللغة بوصفها أداة لصياغة السردية، وتوجيه مشاعر القارئ، وتحديد الأطراف الفاعلة وتقييمها مسبقًا.
وفي هذا المحور، يقدم التحقيق تحليلًا لآليات استخدام نيويورك تايمز للغة بوصفها أداة تأثير، عبر أنماط ممنهجة لا تقتصر على الأخطاء العابرة، بل تعكس سياسة تحريرية واضحة تشمل انتقاء العناوين، والاستخدام غير المتكافئ للمصطلحات العاطفية، وتغييب السياقات القانونية، والحد من استخدام مصطلحات أساسية ترتبط بطبيعة العدوان وظروفه.
تسمية "حرب إسرائيل وحماس": إطار لغوي يصنع توازنًا زائفًا
يظهر الانحياز في تغطية نيويورك تايمز من خلال التسمية التي اعتمدتها للإشارة إلى العدوان على غزة، إذ استخدمت عبارة "حرب إسرائيل وحماس" (The Israel-Hamas War). ورغم ما يبدو عليه الاسم من حياد، يكشف تحليله أنه يفترض تكافؤًا بين طرفين لا يمتلكان القدرات أو الظروف نفسها.
فالمصطلح يفتعل ندية بين دولة تملك واحدًا من أقوى الجيوش وأكثرها تطورًا ومدعومة من قوى دولية، وبين فصيل يعمل داخل منطقة محاصرة وتحت احتلال عسكري. وبهذا، يتحول العدوان الذي استهدف المجتمع الفلسطيني بأكمله إلى مواجهة متوازنة في ظاهرها، ويُقدم كـ"حرب بين طرفين" بدل كونه عدوانًا يستهدف شعبًا تحت الاحتلال.
وتنعكس آثار هذا التوصيف في البنية التحريرية للصحيفة، إذ تختصر نيويورك تايمز المشهد في "الهجوم الذي قادته حماس على إسرائيل، ومحنة الرهائن"، ثم تذكر لاحقًا "مقتل عشرات الآلاف في غزة". ويُظهر هذا الترتيب اعتماد السابع من أكتوبر كنقطة بداية وحيدة، وتقديم الرواية الإسرائيلية كمدخل للفهم، بينما يُدفع الفلسطينيون إلى هامش السرد بوصفهم ضحايا ثانويين.
وفي مقال سابق، وثق مسبار التأثيرات السلبية لاعتماد هذا المصطلح في الإعلام الغربي، وكيف ساهم في إعادة تشكيل تصور الجمهور الدولي للعدوان.
تفريغ العدوان من إطاره القانوني
كشف تحقيق نشره موقع ذا إنترسبت عن مذكرة داخلية مسربة تتضمن تعليمات تحريرية موجهة لصحفيي نيويورك تايمز بشأن مجموعة من المصطلحات التي يجب استخدامها أو تجنبها خلال تغطية العدوان على غزة. أعد المذكرة فريق المعايير التحريرية بقيادة سوزان ويسلينغ، والمحرر الدولي فيليب بان ونائبيه.
تشير المذكرة إلى ضرورة تجنّب استخدام مصطلح "إبادة جماعية" (Genocide) أو استخدامه بشروط صارمة، وإلى الحد من استعمال كلمة "فلسطين" (Palestine)، ولا سيما في العناوين الرئيسية، في خطوة تحمل أثرًا رمزيًا وسياسيًا يمس الهوية الفلسطينية. كما تحث التعليمات على تجنب استخدام مصطلح "مخيمات اللاجئين" (Refugee Camps)، وتفضيل مصطلحات أكثر عمومية مثل "الأحياء" أو "المناطق"، وهو ما يسهم في محو الإحالة التاريخية لقضية اللاجئين.
وفي المقابل، تكشف المذكرة عن معايير لغوية مزدوجة، إذ تقيد المصطلحات المرتبطة بالجرائم الإسرائيلية، بينما تشجع على استخدام مصطلحات ذات حمولة عاطفية قوية عند الإشارة إلى عملية طوفان الأقصى، بما في ذلك وصف منفذيها بـ"الإرهابيين" (Terrorists)، مع التنبيه إلى تجنب استخدام كلمة "مقاتلين" (Fighters) لأنها توحي، بحسب المذكرة، بـ"حرب تقليدية".
الاستخدام المنهجي لصيغة المبني للمجهول
تعد صيغة المبني للمجهول، أحد أبرز الأدوات اللغوية التي تعتمدها نيويورك تايمز بشكل كثيف منذ عقود عند تناول الجرائم الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، إذ يُستخدم هذا الأسلوب للتخفيف من وطأة الفعل وإخفاء الفاعل وتجنّب تحديد المسؤولية بشكل مباشر.
وتلجأ الصحيفة إلى هذه الصيغة بشكل متكرر عند الحديث عن الهجمات الإسرائيلية، محولة أفعال القتل والقصف إلى حوادث عرضية توحي صياغتها بأنها وقعت تلقائيًا أو أن فاعلها غير معروف.
ومثال على ذلك، رصد مسبار مقالة للصحيفة حول الغارة الجوية على مخيم المغازي في الخامس من نوفمبر/تشرين الثاني 2023، التي أسفرت عن مقتل أكثر من 50 شخصًا. ورغم وضوح الفاعل، جاء عنوان نيويورك تايمز "انفجار يقول سكان غزة إنه غارة جوية يخلّف العديد من الضحايا في حي مكتظ".
وفي هذا المقال، لم تذكر الصحيفة الفاعل في العنوان ولا في الفقرة التمهيدية أو الافتتاحية، واكتفت بصياغة الحدث بالكامل بالمبني للمجهول.
هذا الأسلوب ليس جديدًا، بل يمثل سياسة تحريرية متجذرة. ففي عام 2018، وبعد أن قتلت قناصة الاحتلال نحو 60 فلسطينيًا خلال احتجاجات مسيرة العودة في مايو/أيار 2018، استخدمت نيويورك تايمز عنوانًا نصه: "عشرات القتلى في احتجاجات عنيفة" قبل أن تعدله لاحقًا عدة مرات. ورغم وضوح المسؤول، قدم العنوان الجريمة وكأن القتل وقع في سياق غامض أو نتيجة "عنف" عام، الأمر الذي يحرر الاحتلال من مسؤوليته المباشرة ويحول الجريمة إلى واقعة مبهمة بالنسبة للقارئ، وكأن الضحايا سقطوا بسبب كارثة أو أحداث غير محددة المصدر.
الانتقائية العاطفية في تغطية نيويورك تايمز للضحايا
إلى جانب إخفاء الفاعل، تعتمد صحيفة نيويورك تايمز على تخصيص المصطلحات التي تثير الصدمة والتعاطف عند تناول قتلى من الإسرائيليين، بينما تقدم مقتل الفلسطينيين بلغة إحصائية جافة تجردهم من إنسانيتهم وتحولهم إلى أعداد عابرة.
وفي هذا السياق، يرصد مسبار مثالًا بارزًا اعتمدت فيه الصحيفة لغة عاطفية في تغطية حادثة مقتل جنود إسرائيليين، حيث عنونت أحد مقالاتها بـ"مقتل 9 جنود في يوم واحد، مما يبرز تكلفة الحرب على إسرائيل".
يعكس هذا العنوان، والمحتوى المرافق له، كيفية توظيف نيويورك تايمز لغة تقدم الجنود الإسرائيليين بوصفهم "خسائر ثمينة" و"تكلفة باهظة" تتحملها إسرائيل. كما عمد المقال إلى تقديمهم كأفراد عبر سرد قصصهم واحدًا تلو الآخر، بما في ذلك الإشارة إلى أن أحد القتلى ممثل في مسلسل "فوضى"، وهي معالجة تمنحهم حضورًا إنسانيًا كاملًا يعزز التعاطف لدى القارئ.
وفي نموذج آخر، يتضح توظيف صحيفة نيويورك تايمز لازدواجية المعايير في استخدام اللغة العاطفية داخل المقال نفسه، وحتى داخل الفقرة ذاتها، عبر اختيار مصطلحات تُحدث تأثيرًا عاطفيًا متفاوتًا يحد من التعاطف مع الفلسطينيين مقارنة بالإسرائيليين.
فعلى سبيل المثال، في أحد مقالاتها المنشورة بتاريخ 21 نوفمبر 2023 خلال مفاوضات صفقات التبادل الأولى، أشارت الصحيفة إلى الإسرائيليين المشمولين بالصفقة بوصفهم "نساء وأطفالًا إسرائيليين" (Israeli women and children)، في حين وصفت الفلسطينيين المشمولين بالصفقة بأنهم "نساء وقاصرين فلسطينيين" (Palestinian women and minors). ويعكس اختيار كلمة "قاصرين" بدلًا من "أطفال" توظيفًا لغويًا مقصودًا؛ إذ يمنح مصطلح "أطفال" دلالة إنسانية وعاطفية واضحة، بينما يُعدّ مصطلح "قاصرين" توصيفًا قانونيًا وإداريًا خاليًا من أي قيمة وجدانية.
هذا النهج ليس جديدًا في تغطية الصحيفة، إذ تُظهر دراسة أكاديمية من جامعة بيتسبرغ الأميركية حللت تغطية نيويورك تايمز لعملية "الرصاص المصبوب" (2008–2009)، التي شهدت مقتل فلسطينيين بأعداد تفوق الإسرائيليين بـ 106 مرات، أن الصحيفة بالغت في تغطية وفيات الإسرائيليين في العناوين والفقرات الافتتاحية بما نسبته 431% مقارنة بعددهم الفعلي، مقابل ظهور الضحايا الفلسطينيين بنسبة 3% فقط في العناوين والفقرات الأولى.
إن هذا النمط من الازدواجية في الأنسنة واختيار المفردات لا يقتصر على التأثير في الرأي العام الدولي، بل يسهم أيضًا في تشكيل الوعي العاطفي للقارئ، بحيث يدفع غير المطلع إلى الشعور بالصدمة والألم تجاه معاناة الإسرائيليين، مقابل تقبل معاناة الفلسطينيين كحدث عابر أو "متوقع"، يخلو من القيمة الإنسانية نفسها.
وفي السياق، كشف تحليل كمي أجراه موقع ذا إنترسبت لتغطية كبرى الصحف الأميركية، بما فيها نيويورك تايمز، خلال الأسابيع الستة الأولى من العدوان، عن تباين واضح في استخدام اللغة العاطفية. فقد استُخدم مصطلح "مذبحة" (massacre) في سياق الإسرائيليين 125 مرة، مقابل مرتين فقط عند الإشارة إلى الفلسطينيين. كما استُخدم مصطلح "مجزرة" (slaughter) 60 مرة في تغطية أحداث متعلقة بالإسرائيليين، مقابل مرة واحدة فقط لوصف ما جرى للفلسطينيين، رغم أن أعداد الفلسطينيين الذين قضوا خلال الفترة نفسها تفوق بأضعاف كثيرة.
ويكشف هذا التفاوت عن سياسة تحريرية راسخة لدى الصحف الأميركية الثلاث الكبرى (نيويورك تايمز، واشنطن بوست، لوس أنجلوس تايمز)، حيث يمنح الإسرائيليون لغة مشحونة عاطفيًا تضفي بُعدًا إنسانيًا كاملًا على ما يتعرضون له، بينما يقدم ما يتعرض له الفلسطينيون بمصطلحات محايدة أو تقنية مثل (death) أو (killing)، وغالبًا بصيغة المبني للمجهول، ما يؤدي إلى تجريد الأحداث من سياقها وتقليل أثرها العاطفي على القارئ، وإقصاء البعد الإنساني للفلسطينيين من الواجهة التحريرية.
تجريد العدوان من سياقه التاريخي
يمثل إغفال السياق التاريخي والقانوني الممتد لعقود أحد أبرز الأدوات التي تُسهم في تأطير العدوان الإسرائيلي بطريقة تخدم الرواية الرسمية، إذ تُقدم أحداث السابع من أكتوبر 2023 بوصفها نقطة الانطلاق الوحيدة، ما يدفع القارئ غير المطلع إلى اعتبار العملية التي نفذتها فصائل المقاومة الفلسطينية "هجومًا غير مبرر"، ويضع العدوان الإسرائيلي اللاحق في خانة "رد الفعل" أو "الدفاع عن النفس".
وفي السياق، نشرت صحيفة نيويورك تايمز مقالًا بعنوان "كيف غيّرت هجمات السابع من أكتوبر الشرق الأوسط". ويظهر الانحياز في الجملة الافتتاحية التي تقول فيها الصحيفة "عندما قاد مسلحو حماس غارة دامية عبر الحدود في 7 أكتوبر 2023، أشعلوا حربًا مع إسرائيل دمّرت غزة…"
يُعاد طرح السابع من أكتوبر كنقطة بدء للسردية، ويُؤطر باعتباره "الشرارة" التي أدت إلى الحرب، في تجاهل لعقود من الاحتلال والقتل والتهجير، وللحصار المفروض على غزة منذ عام 2007، والحروب المتكررة التي شنتها إسرائيل على القطاع. وبهذا التأطير، تُصاغ الصورة بحيث يبدو الفلسطينيون وكأنهم "بدأوا" العدوان، بينما يُقدم القصف الواسع الذي تنفذه إسرائيل وقتلها عشرات آلاف الفلسطينيين ضمن إطار "الرد" أو "الدفاع عن النفس".
المحور الثاني: هرمية المصداقية والمعيار المزدوج في التوثيق
لا يقتصر الانحياز في تغطية نيويورك تايمز على اللغة وحدها، بل يتجلى أيضًا في اعتماد هرمية مصطنعة للمصداقية. تقوم هذه الهرمية على منح المصادر الإسرائيلية، سواء كانت رسمية مثل جيش الاحتلال والحكومة، أو غير رسمية، ثقة شبه مطلقة، مع تخصيص مساحات واسعة لعرض روايتهم وتقديم تصريحاتهم بوصفها حقائق لا تحتاج إلى تدقيق أو تشكيك.
في المقابل، تعامل الصحيفة جميع المصادر الفلسطينية، بما في ذلك الجهات الرسمية مثل وزارة الصحة في غزة، بقدر عالٍ من التحفظ، حيث تقدم البيانات والأرقام الصادرة عنها باعتبارها "ادعاءات" يتوجب الحذر منها أو التحقق منها بشكل مستقل.
وعبر تحليل عينة من التغطيات، رصد مسبار أن نيويورك تايمز درجت خلال العدوان على تقديم الرواية الإسرائيلية في صيغة الخبر المؤكد، بينما تقدم الرواية الفلسطينية في صيغة الادعاء، وهو ما يرسخ مسبقًا في ذهن القارئ من هو الطرف الجدير بالثقة ومن هو الطرف الذي ينبغي التشكيك فيه.
تشكيك ممنهج بالمصادر الفلسطينية مقابل ثقة مطلقة بالرواية الإسرائيلية
تتجلى ازدواجية المعايير بشكل واضح في تغطية نيويورك تايمز لأعداد الضحايا خلال العدوان على غزة. ففي مراحل مختلفة من الحرب، اتبعت الصحيفة سياسة تحريرية ثابتة تقوم على التشكيك المسبق في أي رقم أو معلومة صادرة عن جهة فلسطينية، بما في ذلك الجهات الرسمية، مقابل التعامل مع الأرقام الإسرائيلية بوصفها حقائق لا تحتاج إلى تحقق إضافي.
تعتمد الصحيفة في هذا السياق على أسلوب وصم المصدر الفلسطيني قبل عرض المعلومة، إذ يجري تقديم وزارة الصحة في غزة بصياغات مثل "الوزارة التي تديرها حماس" أو "الوزارة التي تسيطر عليها حماس". هذا الربط السياسي لا يضيف معلومة جوهرية، بل يؤدي عمليًا إلى زرع الشك في مصداقية الوزارة لدى القارئ، خصوصًا الجمهور الغربي الذي يرى حركة حماس ضمن تصنيف "منظمة إرهابية".
ومن الأساليب الأخرى تحويل البيانات الفلسطينية، بما فيها الإحصاءات الرسمية، إلى "ادعاءات" (claims). ففي مثال رصده مسبار، نشرت الصحيفة بتاريخ 26 أكتوبر 2023 مقالًا بعنوان "سكان غزة ينشرون أسماء 6,747 شخصًا يقولون إنهم قُتلوا في الغارات الإسرائيلية".
يحجب هذا العنوان المصدر الرسمي ويُحيله إلى "سكان يقولون"، ما يحول قائمة موثقة تحتوي أسماء وأرقام تعريفية إلى مجرد رواية شعبية غير مؤكدة.
إلى جانب ذلك، تكرر الصحيفة قبل نقل أي معلومة فلسطينية عبارات مثل "لا توجد وسيلة للتحقق بشكل مستقل من صحة الأرقام"، وهي عبارة لا تُستخدم بالوتيرة نفسها عند عرض أرقام صادرة عن جهات إسرائيلية، رغم أن هذه الجهات تمتلك سجلًا معروفًا من التعتيم والرقابة على المعلومات، على عكس المصادر الفلسطينية التي تتيح الوصول للمنظمات الدولية وتعمل وفق آليات توثيق واضحة.
ومع مرور الأشهر، وبعد أن أثبتت البيانات الفلسطينية دقتها وفق دراسات مستقلة، حاولت نيويورك تايمز تعديل موقفها جزئيًا. فقد أقرت في أحد مقالاتها بأن حصيلة القتلى التي أعلنتها وزارة الصحة في غزة "كانت دقيقة إلى حد كبير في الأيام الأولى من الحرب"، مستندة إلى دراسة أجرتها منظمة Airwars.
لكن حتى هذا الاعتراف جاء بصيغة مشروطة، إذ أدرجت الصحيفة نقلًا عن الدراسة أن الأرقام "الأحدث" قد تكون "أقل دقة" بسبب انهيار النظام الصحي، في استمرار لخطاب التشكيك الذي رافق تغطيتها منذ بداية العدوان.
دراسة حالة: تحقيق "صرخات بلا كلمات" (Screams Without Words)
يُعد التحقيق الذي نشرته صحيفة نيويورك تايمز في 28 ديسمبر/كانون الأول 2023 بعنوان "صرخات بلا كلمات: كيف استخدمت حماس العنف الجنسي كسلاح في 7 أكتوبر" نموذجًا واضحًا لتراجع معايير الصحافة المهنية عندما تتقاطع التغطية مع الرواية الإسرائيلية. فقد حظي التحقيق بتغطية واسعة وإشادة إسرائيلية كبيرة، واستُخدم لتبرير العدوان على غزة، قبل أن يتعرض لاحقًا لموجة انتقادات منهجية كشفت عن مشكلات جوهرية في مصداقيته وفي الطريقة التي بُنيت بها روايته.
التحقيق استند إلى شهادات مزعومة لإسرائيليات قلن إنهن تعرضن أو شاهدن حالات عنف جنسي خلال عملية طوفان الأقصى، وإلى روايات قدمها أعضاء في منظمة "زاكا". غير أن التدقيق اللاحق كشف عن تضارب واسع في هذه الشهادات، وعن أن العديد منها لا يستند إلى توثيق مادي أو طب شرعي، وهو ما يُعدّ خللًا جوهريًا في مثل هذه التحقيقات، التي تتطلب أدلة عالية المستوى ومعايير تحقق صارمة.
كما تبين أن الصحفية الإسرائيلية المشاركة في إعداد التحقيق لا تمتلك خبرة استقصائية، وأن سجلّها الرقمي يتضمن تفاعلات وإعجابات بمحتويات ذات طابع متطرف معادٍ للفلسطينيين، وهو ما أثار تساؤلات حول حياديتها وقدرتها على التعامل مع ملف حسّاس بهذا الحجم.
إلى جانب ذلك، اعتمد التحقيق بشكل كبير على شهادات من منظمة "زاكا"، وهي جهة سبق أن واجهت اتهامات بالتضخيم والادعاء دون أدلة في أكثر من واقعة. ورغم خطورة المزاعم التي قدمتها، لم تُرفق نيويورك تايمز أي دعم بصري أو تقارير طب شرعي مستقل يؤكد وقوع هذه الجرائم، مكتفية بروايات متداخلة ومتناقضة.
هذا الخلل المنهجي في انتقاء المصادر وتدقيقها، والاعتماد على روايات غير مدعومة بأدلة مادية أو تقارير طب شرعي، دفع الصحيفة لاحقًا إلى فتح تحقيق داخلي بخصوص المادة والمحررين الذين شاركوا في إعدادها، قبل أن تُقر بوجود مخالفات وعيوب مهنية شابت التحقيق.

المحور الثالث: الجذور المؤسسية والتاريخية لانحياز صحيفة نيويورك تايمز
وفي سياق العمل على كشف انحياز صحيفة نيويورك تايمز للرواية الإسرائيلية خلال تغطيتها للعدوان على غزة بين أكتوبر 2023 وأكتوبر 2025، حلل مسبار أيضًا بنية الصحيفة المؤسسية والارتباطات الأيديولوجية التي تجمع عددًا من مسؤوليها ذوي المواقع المؤثرة بالاحتلال الإسرائيلي أو بالكيانات الداعمة له.
القيادة التنفيذية والروابط الأيديولوجية المباشرة
يكشف تحقيق أعده مسبار عن وجود روابط أيديولوجية ومؤسسية مؤثرة تجمع عددًا من كبار المسؤولين التنفيذيين والمحررين في صحيفة نيويورك تايمز بمؤسسات إسرائيلية أو منظمات داعمة لها، ومن خلال تتبع معطيات منشورة في مصادر مفتوحة، وتحليلات سابقة، ونبذات تعريفية متاحة علنًا، يتضح وجود علاقات وخلفيات قد تسهم في تفسير بعض أنماط الانحياز في تغطية الصحيفة.
فمثلًا، شغلت ميريديث كوبيت ليفين منصب الرئيسة والمديرة التنفيذية لنيويورك تايمز، وسبق أن كانت ضمن مجلس استشاري تابع لمنظمة "بني بريث للشباب" (BBYO)، وهي حركة شبابية يهودية تُعرف نفسها بأنها إطار لتعزيز الهوية اليهودية والارتباط بإسرائيل لدى المراهقين اليهود، وهو ارتباط يضع القيادة التنفيذية للصحيفة على تماس مباشر مع منظمة ذات أجندة سياسية وهوية صهيونية واضحة.
أما جوزيف خان، رئيس التحرير التنفيذي والمسؤول عن الإشراف على غرفة الأخبار العالمية، فيرتبط اسمه أيضًا بسياق مؤيد لإسرائيل من خلال والده ليو خان، الذي شغل عضوية في مجلس إدارة منظمة "كاميرا" (CAMERA)، وهي لجنة مراقبة إعلامية معروفة بدفاعها الصريح عن الرواية الإسرائيلية وممارسة الضغط على وسائل الإعلام لتعديل تغطيتها بما يتوافق مع هذه الرواية.
وتظهر روابط إضافية على المستوى التحريري الميداني، إذ تشير تقارير منشورة إلى أن زوج مراسلة الصحيفة في القدس، إيزابيل كيرشنر، يعمل باحثًا في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS)، وهو مركز أبحاث مقرب من المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، كما أن أحد أبنائها خدم في جيش الاحتلال، ما يمثل تضاربًا محتملًا في المصالح بالنظر إلى طبيعة عملها.
وبالمثل، تظهر سير ذاتية منشورة أن مراسل نيويورك تايمز في القدس، ناتان أودنهايمر، خدم لعدة سنوات في الجيش الإسرائيلي، بما في ذلك في وحدة الكوماندوز الخاصة "ماغلان"، وهي وحدة نخبوية شاركت في عمليات عسكرية داخل الأراضي الفلسطينية ولبنان، وهو ما يضعه في موقع قريب من المؤسسة العسكرية الإسرائيلية التي تسلط الصحيفة الضوء على ممارساتها.
وعلى مستوى الرأي، يُعد كاتب العمود بريت ستيفنز أحد أبرز الأصوات المؤيدة لإسرائيل داخل الصحيفة، إذ عبّر في تصريحات سابقة عن دعمه القوي لمنظمة "إيباك" (AIPAC)، واصفًا عملها بأنه "مهم للغاية"، ما يمنحه تأثيرًا واضحًا في صياغة اتجاهات الرأي المتعلقة بالشأن الإسرائيلي.
تأثير جماعات الضغط ومحاولات إعادة صياغة التغطية
لا يقتصر بناء السردية الإسرائيلية في نيويورك تايمز على القرارات التحريرية الداخلية فحسب، بل يتأثر أيضًا بضغوط تمارسها جماعات ضغط منظمة تُعرف بمتابعتها الدقيقة للمصطلحات والتغطيات المتعلقة بفلسطين. وتصل هذه الضغوط أحيانًا إلى مستوى الرقابة اللغوية المباشرة، عبر حملات تستهدف كلمات بعينها بهدف تجريد التغطية من أي بعد قانوني أو سياسي غير مرغوب فيه بالنسبة للرواية الإسرائيلية.
وفي السياق، رصد مسبار تعديلًا أجرته صحيفة نيويورك تايمز على مقال حول حصار مستشفى كمال عدوان، كانت الصحيفة قد وصفت فيه القوات المحاصرة بـ "قوات الاحتلال الإسرائيلي" (Israeli occupation forces). وقد هاجمت منظمة "كاميرا" هذا الوصف في حملة علنية، واعتبرته دليلًا على "انحراف صحفي"، لتقوم الصحيفة لاحقًا بحذف كلمة "الاحتلال" من النص.
وللتأكد من ذلك، عثر مسبار على نسخة مؤرشفة من المادة عبر موقع Wayback Machine تُظهر الصياغة الأصلية قبل التعديل، بما يتضمن استخدام مصطلح “occupation” كما نُشر أولًا. ويؤكد وجود النسخة المؤرشفة أن التغيير لم يكن جزءًا من تحديث صحفي اعتيادي، بل جاء بعد حملة ضغط مباشرة قادتها منظمة "كاميرا"، ما يعكس حجم التدخل الخارجي في صياغة التغطيات المتعلقة بغزة والمصطلحات المستخدمة لوصف ممارسات الجيش الإسرائيلي.
كما نشر موقع ذا إنترسبت تحقيقًا موسعًا كشف فيه عن الدور المنهجي الذي تمارسه منظمة "كاميرا" للتأثير على التغطية العامة لصحيفة نيويورك تايمز بشأن القضية الفلسطينية، موضحًا أن جهود المنظمة تمثل واحدة من أكثر أشكال الضغط المنظم تشددًا في مراقبة الإعلام الأميركي ودفعه نحو تبني سردية متوافقة مع الرواية الإسرائيلية.
قمع الأصوات المعارضة للانحياز
تُعد استقالة الكاتبة جازمين هيوز من صحيفة نيويورك تايمز في نوفمبر 2023 مثالًا بارزًا على الضغوط التحريرية التي يتعرض لها الصحفيون الذين يعبرون عن مواقف ناقدة للسياسات الإسرائيلية. وجاءت استقالتها بعدما وقعت على رسالة مفتوحة أصدرتها مجموعة Writers Against the War on Gaza، التي تقدم نفسها على أنها "ملتزمة بالتضامن وآفاق التحرّر للشعب الفلسطيني".
وبحسب نص الرسالة التي وقعتها هيوز، فإن "حرب إسرائيل على غزة هي محاولة لارتكاب إبادة جماعية ضد الشعب الفلسطيني". وقد اعتبرت إدارة الصحيفة توقيعها مخالفة لسياسات غرفة الأخبار التي تمنع صحافيي أقسام الأخبار والرأي من المشاركة في فعاليات أو عرائض تتبنى مواقف سياسية عامة، وعدته إخلالًا بقواعد الحياد التحريري المعمول بها داخل المؤسسة.
موجة الاحتجاجات ضد انحياز نيويورك تايمز
برزت خلال تغطية صحيفة نيويورك تايمز للعدوان الإسرائيلي على غزة سلسلة من ردود الفعل المنتقدة لتغطيتها، سواء داخل المؤسسة أو بين جمهور القراء، ورصد مسبار تطور هذه الردود، التي تراوحت بين الانتقادات المهنية، وفقدان الثقة، والمطالبة بالمساءلة، وصولًا إلى الدعوات العلنية للمقاطعة والتحرك الاحتجاجي ضد سياسات الصحيفة التحريرية.
تحرك مهني داخل نيويورك تايمز احتجاجًا على التحيّز ضد الفلسطينيين
لم يقتصر الجدل حول انحياز صحيفة نيويورك تايمز على الانتقادات الخارجية من منظمات حقوقية أو جهات إعلامية، بل امتد أيضًا إلى داخل البيئة المهنية القريبة من الصحيفة. فقد أعلن عدد من الكتاب والأكاديميين وشخصيات بارزة من المساهمين في قسم الرأي عن مقاطعتهم للصحيفة ضمن حملة حملت اسم "لا رأي" (No Opinion)، مؤكدين أنهم سيتوقفون عن إرسال مقالاتهم ما لم تُجرِ الصحيفة تغييرات جوهرية، أبرزها معالجة ما وصفوه بـ"التحيز ضد الفلسطينيين" في تغطية الحرب على غزة.
واتهم الموقعون الصحيفة في بيانهم العلني بأنها تمارس "تغطية متحيّزة وغير أخلاقية للعدوان على غزة"، وأن السياسات التحريرية المتبعة تقلل من حجم الانتهاكات وتتبنى الرواية الرسمية الإسرائيلية، معتبرين أن تحويل الوقائع الميدانية والانتهاكات الواسعة إلى "مسألة رأي" يفرغ التغطية من بعدها الحقوقي والإنساني.
وتعكس هذه المقاطعة، بوصفها تحركًا من مساهمين سابقين في قسم الرأي، أن الانتقادات الموجهة لتغطية الصحيفة لم تعد مقتصرة على الجمهور أو الجهات الخارجية فحسب، بل باتت صادرة أيضًا عن فاعلين مهنيين ارتبطوا بالمنبر ذاته.
ولم تقتصر الانتقادات الموجهة لتغطية نيويورك تايمز للحرب على غزة على النخب الأكاديمية أو المهنيين فحسب، بل امتدت إلى شخصيات عامة ومؤثرين يمتلكون تأثيرًا واسعًا لدى الجمهور. ويشير هذا الامتداد إلى أن ملامح الانحياز باتت مرئية لشرائح لا تُعرف عادة بمتابعة الملفات السياسية المعقدة.
وفي السياق، أعلنت صانعة المحتوى الأميركية الشهيرة "السيدة راشيل"، وهي واحدة من أبرز منشئي محتوى الأطفال في العالم، إلغاء اشتراكها في الصحيفة بسبب ما وصفته بانحياز تغطيتها ومعالجتها غير الإنسانية لمعاناة الفلسطينيين. وتتمتع راشيل بقاعدة جماهيرية ضخمة تشمل نحو 17.8 مليون مشترك على يوتيوب، وأكثر من 8 ملايين متابع على تيك توك، وما يزيد على 4 ملايين متابع على إنستغرام.
ويُظهر هذا الموقف الفردي، رغم بساطته الظاهرية، انتقال الجدل حول انحياز الصحيفة من الأوساط المهنية المتخصصة إلى جمهور أوسع، ما يعكس تنامي الشكوك بين فئات مختلفة بشأن موثوقية تغطية الصحيفة للأحداث في غزة، وطريقة عرضها لمعاناة المدنيين الفلسطينيين.
تصاعد الاحتجاجات وصولًا إلى الفعل المباشر
اتخذ الرفض الموجه لتغطية نيويورك تايمز في بعض الحالات شكل فعل ميداني مباشر، إذ أقدم نشطاء متضامنون مع غزة في أواخر أغسطس/آب الفائت، على رشّ طلاء أحمر عند مدخل المبنى السكني الذي يقطنه رئيس تحرير الصحيفة، جوزيف كاهن، في مانهاتن بمدينة نيويورك، وكتبوا على الجدار عبارة: "جو كاهن يكذب.. غزة تموت"، في خطوة احتجاجية ضد ما اعتبروه انحيازًا في تغطية الصحيفة للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة.
اقرأ/ي أيضًا
انحياز وتضليل: كيف روّجت صحيفة بيلد للرواية الإسرائيلية وتجاهلت المعاناة في غزة؟
انحياز الإعلام الغربي في أسلوب صياغة الأخبار عن الحرب على غزة
المصادر


















































