كيف استُغلت صورة تعبيرية للتشكيك في معاناة سكان غزة خلال المنخفض الجوي الأخير؟
في 14 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، ضرب منخفض جوي قوي مختلف مناطق فلسطين، حاملًا معه أمطارًا غزيرة وعواصف رعدية ضاعفت معاناة آلاف النازحين في قطاع غزة.
إذ تحولت مساحات واسعة من المخيمات إلى برك من الوحل والمياه، وغرقت آلاف الخيام تحت السيول.
ورغم التوثيقات والمشاهد الحية التي رصدت معاناة الفلسطينيين في القطاع جراء المنخفض الجوي، استغلت بعض الحسابات الإسرائيلية صورة تعبيرية عن الوضع المأساوي للتشكيك في حجم المعاناة وتقليلها، مدّعية أنها جزء من حملات "باليوود" و"غزة وود"، التي تتهم الفلسطينيين بفبركة مشاهد معاناتهم، في إطار دعائي يسعى إلى تشويه المعاناة الإنسانية التي يعيشها السكان منذ الإبادة.
حسابات تستغل صورة تعبيرية للتشكيك في معاناة الفلسطينيين خلال الشتاء
نشرت حسابات إسرائيلية وأخرى مؤيدة لها على مواقع التواصل الاجتماعي، وبلغات عدة، خلال الأيام الأخيرة، لقطة شاشة من حساب مصوّر صحفي فلسطيني من غزة يُدعى "أسامة أبو ربيع" على منصة إكس. وقد نقل في منشوره تصريحًا للدفاع المدني في غزة يفيد بأن القطاع يحتاج إلى ما لا يقل عن 450 ألف خيمة لإيواء النازحين، وأرفق المنشور بصورة تعبيرية تُظهر شابًا يحمل طفلًا وسط مياه غزيرة وخيمة خلفه.
ورغم أن المصوّر لم يذكر صراحة أن الصورة ملتقطة في قطاع غزة، استغلت الحسابات المنشور لتوظيفه ضد الفلسطينيين. وراجع مسبار حسابه على منصة إكس، واتضح أنه حذفها، لاحقًا.
ادعت الحسابات أن الصورة جزء من حملتي "غزة وود" و"باليوود"، وأن الفلسطينيين يتعمدون نشر صور من سوريا على أنّها من غزة. وادعت حسابات أخرى أنّها "دعاية لحماس".
حصدت هذه الادعاءات تفاعلًا ومشاركات واسعة، تهدف إلى التشكيك في معاناة الفلسطينيين أو التقليل من واقعهم الإنساني الصعب.
وأرفقت الصورة بلقطة شاشة أخرى للصورة الأصلية ذاتها، مرفقة بتعليق يفيد بأنّها تعود لرجل سوري يحمل طفلًا أثناء إخلاء أمتعته من خيام غمرتها المياه في مخيم كفر لوسين للاجئين، بعد الفيضانات التي تسببت بها الأمطار في إدلب بسوريا، بتاريخ 19 يناير/كانون الثاني 2021.



أما تعليقات المستخدمين التي رافقت الصورة، فجاءت في شكل تشكيك أو سخرية، وتكرار الادعاءات المتداولة منذ بدء الحرب، بأنّ معاناة الفلسطينيين التي يشاركونها في الإعلام أو مواقع التواصل الاجتماعي جزء من حملات دعائية وتمثيلية ولا تصور حقيقة الوضع في القطاع.
صورة استُخدمت منذ سنوات في سياقات متعددة
بالبحث عن الصورة عبر خاصية البحث العكسي في عدسة غوغل، ظهرت عشرات النتائج لها خلال السنوات الفائتة، وقد استُخدمت من قبل حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل إعلام ومواقع إلكترونية بوصفها صورة تعبيرية في سياقات مختلفة، من بينها تغطية أحداث في سوريا أو توصيف الظروف الإنسانية القاسية في قطاع غزة.
ويكشف هذا التتبع أن الصورة لم تُقدَّم في بعض الحالات على أنها توثيق مباشر للحظة محددة، بل كانت تُوظَّف كتعبير بصري عن المعاناة في بيئات شتوية قاسية.


وبمقارنة الصورة المتداولة مع الصور والمشاهد الميدانية من قطاع غزة خلال المنخفض الجوي الأخير، يتبيّن أنه لا توجد اختلافات كبيرة بينها، إذ تُظهر جميعها غمر مياه الأمطار خيام النازحين والشوارع والطرقات، وصعوبة تنقل الفلسطينيين بسبب المياه، وتحول الطرقات إلى برك من المياه والوحل. وبالتالي، فإن الظروف الواقعية في غزة تعكس تمامًا ما تُمثّله الصورة التعبيرية.



ولم تكن هذه المرة الأولى التي تسعى فيها حسابات إسرائيلية للتشكيك في معاناة الفلسطينيين خلال المنخفض الجوي الأخير. فقد انتشرت خلال الأيام الفائتة ادعاءات زعمت أن مشاهد غرق خيام النازحين "مفبركة"، متهمة امرأة داخل خيمة غارقة بافتعال المشهد، وادعت كذلك أن الأطفال استُخدموا كـ"دمى تمثيلية" لتوثيق غرق الخيام. وقد فنّدها مسبار، موضحًا أنها تهدف إلى نزع المصداقية عن الرواية الفلسطينية.
غرق خيام آلاف النازحين في غزة مع أول منخفض جوي هذا الشتاء
أفاد المكتب الإعلامي الحكومي في غزة بأن المأساة الإنسانية في القطاع تفاقمت بعد أن أغرقت الأمطار عشرات آلاف الخيام البالية التي تؤوي نحو 1.5 مليون نازح، في ظل ظروف جوية صعبة.
وأشار المكتب إلى أن استمرار معاناة الفلسطينيين يرتبط بسياسات الاحتلال التي تمنع إدخال المساعدات الإنسانية والغذاء والدواء ومواد الإعمار، إضافة إلى مستلزمات الإيواء كالخيام والكرفانات، رغم اتفاق وقف إطلاق النار، فيما تبقى المعابر مغلقة.
وقال إسماعيل الثوابتة، مدير المكتب الإعلامي في غزة، إن القطاع يحتاج إلى نحو 300 ألف خيمة وبيت متنقل لتأمين الحد الأدنى من السكن الإنساني، محذرًا من أن التحرك الدولي لم يكن كافيًا للتخفيف من معاناة النازحين.
ومن جهته، قال المتحدث باسم الدفاع المدني في غزة، محمود بصل، إن الأمطار الأخيرة، رغم قصر مدتها، كشفت حجم الدمار الهائل الذي خلّفه الاحتلال الإسرائيلي خلال الحرب على القطاع.
وأوضح بصل أن المنخفض الجوي لم يكن قويًا، إذ استمرت الأمطار لساعتين أو ثلاث ساعات فقط، لكنها كانت كافية لإغراق آلاف الخيام في مدينة غزة ومحيطها، ما أدى إلى تدهور أوضاع مئات آلاف النازحين.
وأشار إلى أن طواقم الدفاع المدني تلقت آلاف المناشدات بعد ارتفاع منسوب المياه داخل الخيام ومراكز الإيواء إلى 30-40 سنتيمترًا، مضيفًا أن العديد من العائلات اضطرت لقضاء ليلتها في الشوارع أو تحت أسقف المباني المتضررة بعد أن جرفت المياه خيامهم بالكامل.
وأكد بصل أن نحو 90% من الخيام المتوفرة في القطاع لا تصلح للعيش الطويل، إذ صُمّمت أساسًا للإيواء المؤقت وليس للإقامة الممتدة.

كما ذكر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "OCHA" أن الأمطار الغزيرة التي هطلت، يوم 14 نوفمبر الجاري، تسببت في فيضانات واسعة في مختلف أنحاء قطاع غزة، لا سيما في مدينة غزة وشمالي القطاع، ما أثر على أكثر من 13 ألف أسرة.
وأضاف المكتب أن الأمطار ألحقت أضرارًا إضافية بشبكات الصرف الصحي ودمرت آلاف الخيام التي تؤوي النازحين.
معاناة النازحين تتفاقم مع تسرب مياه الأمطار إلى الخيام
أظهرت مشاهد مصورة غرق العديد من المخيمات في منطقة المواصي غرب خانيونس، حيث غمرت مياه الأمطار خيام النازحين واختلطت بمياه الصرف الصحي، ما زاد من تفاقم معاناتهم الإنسانية.
واستيقظ العديد من النازحين في مختلف مناطق قطاع غزة على تسلّل مياه الأمطار إلى خيامهم، ما أدى إلى بلل جميع متعلقاتهم وتلف الطعام القليل المتوفر لديهم في ظل الظروف الاقتصادية المتردية. وأفاد الأهالي بأن مياه الأمطار جرفت معهم بعض المستلزمات الصغيرة، بينما ارتجفت أجساد الأطفال بشدة نتيجة البرد والبلل.
اقرأ/ي أيضًا
ادعاءات مضللة للتشكيك في غرق خيام النازحين في قطاع غزة
ضمن نهج مستمر منذ بداية الحرب: حسابات إسرائيلية تشكك في إصابات الأطفال الفلسطينيين

























