أبرز التناقضات بين الوقائع والخطاب الرسمي حول توظيف المرسوم 54 في تونس
أثارت الجلسة البرلمانية المخصصة للنقاش حول ميزانية وزارة العدل في تونس حالة من الجدل، بعدما أدلت وزيرة العدل بتصريحات حول عدد من الملفات القضائية والحقوقية.
وخلال الجلسة المنعقدة بتاريخ 15 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، أكدت الوزيرة، أن المرسوم عدد 54 المتعلق بمكافحة الجرائم المتّصلة بأنظمة المعلومات والاتصال "لا يمس من حرية الرأي"، وأنه لم يتم تطبيقه على أي شخص تبعًا لآرائه ومواقفه أو في علاقة بحرية التعبير.
وتتعارض تصريحات الوزيرة التونسية مع ما وثقته منظمات وطنية ودولية من حالات اعتقال عدد من الصحفيين استنادًا إلى أحكام هذا المرسوم، واعتبرته ممارسةً مقيّدة لحرية التعبير.
سيتطرق هذا المقال إلى الإشكالية المرتبطة بتضارب الخطاب الرسمي مع المعطيات الميدانية التي قدمتها المنظمات الحقوقية، وكيف أسهم هذا التناقض في تعميق الجدل حول مدى تأثير المرسوم 54 على حرية الصحافة والتعبير في تونس.
ما هو المرسوم 54؟
صدر المرسوم عدد 54 في 13 سبتمبر/أيلول 2022، بهدف مكافحة الجرائم المتعلقة بأنظمة المعلومات والاتصال، بما في ذلك نشر الأخبار الكاذبة أو الإشاعات التي تُنسب إلى مؤسسات الدولة.
وينصّ فصله الأوّل على أنه يهدف إلى "ضبط الأحكام الرامية إلى التوقّي من الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال وزجرها وتلك المتعلقة بجمع الأدلة الإلكترونية الخاصة بها ودعم المجهود الدولي في المجال، في إطار الاتفاقيات الدولية والإقليمية والثنائية المصادق عليها من قبل الجمهورية التونسية".
ويُعد المرسوم من النصوص الأكثر صرامة من حيث العقوبات المرتبطة بنشر الإشاعات أو الأخبار الكاذبة، حيث ينص في الفصل 24 على عقوبات تصل إلى خمس سنوات سجن وغرامات مالية عالية تتضاعف في حال استهدفت موظفين عموميين.

وقد أثار منذ صدوره جدلًا في الأوساط الإعلامية والحقوقية، لما اعتُبر ضبابية في عدد من مصطلحاته وقابليتها لتأويلات مختلفة، ما جعل تطبيقه محل متابعة دقيقة من قبل المنظمات المعنية بحرية التعبير.
إدانات ومطالبة بسحب المرسوم 54 أو تنقيحه
رغم أن الهدف المُعلن للمرسوم 54 هو مكافحة الجرائم الإلكترونية، فقد تعرض لانتقادات واسعة من قبل منظمات حقوقية تونسية ودولية، إذ طالبت النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين في مناسبات عديدة بسحبه أو تنقيحه مؤكدة في بيان صدر في 16 سبتمبر الفائت، رفضها للمرسوم معتبرة أنه يوظف كأداة تقييدية لا تنسجم مع المعايير الدولية لحرية الصحافة والتعبير ويُمثّل تهديدًا مباشرًا لعمل الصحفيين ويُستخدم لإسكات الأصوات الناقدة وتصفية الحسابات السياسية.
كما أدانت منظمات حقوقية، المرسوم وحثت رئيس الجمهورية التونسية على سحبه حفاظًا على حرية الرأي والصحافة.
وفي بيان مشترك نشرته "مراسلون بلا حدود" بعد أيام من إصدار المرسوم، أعربت الجمعيات والمنظمات الحقوقية الموقعة عن بالغ قلقها، لافتة إلى أن أحكام هذا القانون فيه مخالفة صارخة للفصول 37 و38 و55 من الدستور التونسي، وللفصل 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي صادقت عليه تونس.


كما طالبت هذه الجهات بإجراء مراجعة شاملة للمرسوم، مع ضرورة وضع معايير واضحة لتحديد ما يُعتبر جريمة إلكترونية، وحماية الصحفيين والمدونين من ملاحقات قد تُفهم خطأ على أنها نقد مشروع أو تعبير عن الرأي.
تخوفات المنظمات ودعواتها إلى السحب أو تنقيح المرسوم 54، تتزامن مع مُحاكمة إعلاميين وصحفيين وإحالتهم إلى القضاء وفقًا للمرسوم وتحديدًا، فصله الرابع والعشرين، إذ اعتبرت أن هذه المحاكمات حد من حرية الرأي و التعبير و لا علاقة لها بهذا المرسوم.
صحفيون في السجن على معنى المرسوم 54
أشارت لجنة حماية الصحفيين في 22 يناير/كانون الثاني، إلى أن أربعة من بين خمسة صحفيين تونسيين يقضون عقوبات أو يواجهون ملاحقات قضائية، تمت محاكمتهم بموجب المرسوم 54.
ومن بين هؤلاء، أوقف الصحفيان مراد الزغيدي وبرهان بسيّس من إذاعة إي أف أم، في اليوم نفسه من شهر مايو/أيار 2024، على خلفية تطبيق المرسوم ذاته، وجاء إيقاف بسيّس بسبب تعليقاته الإذاعية والتلفزيونية التي انتقد فيها رئيس الجمهورية، فيما استندت السلطات في إيقاف الزغيدي إلى منشورات نشرها على وسائل التواصل الاجتماعي عبّر فيها عن تضامنه مع الصحفي محمد بوغلاب.
وقد صدر في حقهما حكم بالسجن لمدة عام بعد إدانتهما بتهم تتعلق بالتشهير ونشر أخبار زائفة، بينما تواصل السلطات توجيه ملاحقات إضافية لهما، من بينها التحقيق في شبهات غسل الأموال.
وفي ندوة صحفية عقدتها هيئة الدفاع انعقدت في 7 مايو 2024، قال مرابط أن الزغيدي يتعرض لـ"هرسلة قضائية" بسبب ممارسته حقه في حرية التعبير ونقد السلطة. وأضافت أن البحث التحقيقي في قضيته الأولى استند إلى تدوينة نشرها على حسابه الشخصي دعم فيها الصحفي محمد بوغلاب، إضافة إلى سبع مداخلات قدّم خلالها تحليلات سياسية "بكل اعتدال وموضوعية"، بحسب تعبيره.
وفي 12 مايو 2024، كشف المحامي غازي مرابط، أن النيابة التونسية قد أقرت وضع الصحفي مراد الزغيدي قيد الاحتجاز الاحتياطي لمدة 48 ساعة، على خلفية تحليلاته السياسية والاجتماعية التي قدمها خلال الأشهر السابقة على إذاعة "آي أف أم" المحلية.
التحليلات التي أشار لها المحامي غازي مرابط والتي اعتُقل الزغيدي على إثرها، كانت لانتقاده الرئيس التونسي قيس سعيد، محذرًا من أنه ينفرد بكل السلطات، كما انتقد القضاء بالقول إنه قد أتيحت له فرصة لإصلاح لكنه أضاعها.
كما وجه الزغيدي انتقادات في برنامج على إذاعة "أي أف أم" المحلية بتاريخ 16 فبراير/شباط 2025، للمجلس الأعلى للقضاء معتبرًا أنه قدم صورة سلبية عن المنظومة القضائية.

في هذا السياق اعتبرت جمعية تقاطع من أجل الحقوق و الحريات المحلية في تقرير أن قضية الزغيدي من أبرز الانتهاكات، إذ إن اعتقاله بسبب آرائه وانتقاداته في سياق عمله الإعلامي، رغم أنه لم ينشر أخبارًا زائفة ولم يمارس سوى دوره في التحليل وإبداء الرأي. ونقلت شقيقته أنه أكد خلال أول زيارة له في السجن أنه "صحفي يؤدي عمله"، وأن التعبير عن المواقف جزء من مهامه المهنية، وهو ما جعله عرضة للملاحقة.
وتعكس قضية الزغيدي، وفق جمعية تقاطع، استخدام المرسوم 54 كأداة لتجريم العمل الصحفي وتقييد حرية التعبير، ما يُظهر حجم التحديات التي يواجهها الصحفيون التونسيون في مطلع عام 2025.

كما أظهر تقرير الجمعية أن هناك توجهًا متصاعدًا نحو التضييق على الصحافة في تونس، بعد تعطيل الإطار القانوني الذي كان يوفّر حماية للصحفيين، على غرار مرسوم 115 وتعطيل عمل الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري. وفي هذا السياق، توسّعت صلاحيات هيئة الانتخابات خارج دورها الأصلي، ما ساهم في ارتفاع الإحالات القضائية ضد صحفيين على معنى المرسوم 54.
سنية الدهماني تواجه نفس مصير الزغيدي
إلى جانب مراد الزغيدي، تواجه المحامية والإعلامية سنية الدهماني نفس المصير، إذ تمت إحالتها إلى القضاء بموجب ذات المرسوم عقب تعليق ساخر لها على شاشة التلفزيون، شككت فيه بالمزاعم القائلة إنّ أفارقة جنوب الصحراء يحاولون البقاء في تونس، إذ استخدمت التعبير بالدارجة التونسية "البلاد الهايلة" وهو ما يعني "البلاد العظيمة" في سياق تهكمي.

وفي يوليو/تموز الفائت، طالبت منظمات حقوقية وإعلامية دولية وإقليمية بإطلاق سراحها لافتة إلى أن الحكم الصادر في حقها ظالم و جاء لمجرد ممارستها حقها في حرية التعبير.
وأشارت المنظمات في رسالتها، آنذاك، إلى أن اعتقال الدهماني جاء بعد انتقادها سياسات الحكومة التونسية في الهجرة والحريات المدنية، وأنها تواجه أحكامًا بالسجن تصل إلى خمس سنوات في عدة قضايا.
وأكدت الجهات الحقوقية في رسالتها أن هذه القضية مثال على الاستخدام التعسفي للمرسوم 54 لقمع الأصوات المنتقدة، واستهداف الصحفيين والمعلقين السياسيين، في ظل غياب حماية قانونية فعالة لحرية التعبير.

قضية رشاد طمبورة
كما طال المرسوم مواطنين على خلفية تعبيرهم عن آرائهم، على غرار رسام الغرافيتي رشاد طمبورة الذي حوكم بالسجن لمدة سنتين بسبب رسومات غرافيتي تضمنت صورة لوجه قيس سعيد بجانب عبارتي "عنصري" و"فاشي". انتقد فيها مواقف الرئيس التونسي تجاه المهاجرين الأفارقة.
وفي تصريح لإذاعة محلية يوم 6 يناير 2024، أكدت شقيقة رشاد طمبورة، نهلة طنبورة، أن التهمة الموجهة لشقيقها هي ارتكاب أمر موحش ضد رئيس الجمهورية بسبب برسم غرافيتي.
وأعربت، آنذاك، عن استغرابها من اعتقاله بسبب هذه الرسمة، مشيرة إلى أن هناك العديد من الرسومات الأخرى التي تنتقد الرئيس في تونس دون أن تُفضي إلى ملاحقات قضائية.

وفي بيان أصدرته فروع الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان في المهدية والمنستير والقيروان وسوسة، أعربت عن قلقها الشديد حيال محاكمة واعتقال الشاب رشاد طمبورة بسبب رسمه على جدران مدينة المنستير، الذي عبر فيه عن غضبه وانتقاداته لأداء رئيس الجمهورية وموقف النظام تجاه مهاجري الأفارقة جنوب الصحراء.
وأشارت الرابطة إلى أنه أودع السجن بعد تكييف الرسم والغرافيتي كجناية، وحُكم عليه بالسجن لمدة سنتين من قبل الدائرة الجنائية بالمحكمة الابتدائية بالمنستير، وصادقت محكمة الاستئناف على العقوبة في 31 يناير 2024.
ودعت الرابطة السلطات في بيانها في تلك الفترة، إلى رفض جميع المحاكمات السياسية وإطلاق سراح الحريات، و إلغاء التشريعات التي تستبيح حرية التعبير، وأبرزها المرسوم 54.
وأفرج عن رشاد طمبورة من السجن في 17 يوليو الفائت، بعد انقضاء نحو عام و نصف من العقوبة.
في إطار المرسوم 54: السلطات التونسية تتراجع عن حكم بالإعدام في حق مواطن
كما برزت حالة أخرى من حالات محاكمة تونسيين على معنى المرسوم، أصدرت فيها المحكمة حكمًا بالإعدام في حق مواطن بسبب منشورات على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك.
وأعلن بسام الطريفي، رئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، في منشور على موقع فيسبوك، أنّ الدائرة الجنائية بالمحكمة الابتدائية في نابل أصدرت يوم الأربعاء مطلع أكتوبر الفائت، حكمًا بالإعدام بحق صابر شوشان البالغ من العمر 51 عاما على خلفية "منشورات فيسبوكية".
ووفقًا للطريفي فقد وجهت السلطات إليه تهمًا تتعلق بـ"إتيان أمر موحش تجاه رئيس الجمهورية، والاعتداء المقصود به تبديل هيئة الدولة، ونشر أخبار زائفة تستهدف موظفًا عموميًا".
واعتبر بسام الطريفي أنّ الحكم "خطير وغير مسبوق" لأنه صادر بسبب منشورات انتقد فيها الرئيس قيس سعيد.
أثار الحكم العديد من ردود الفعل المنتقدة، ليصدر في حق المواطن المعني عفوًا رئاسيًا وفقًا لما أعلن عنه محاميه أسامة بوثلجة عبر منشور على فيسبوك بتاريخ 7 أكتوبر الفائت.

ويذكر أن الجدير صحفيي تونس نظموا صباح اليوم 20 نوفمبر، احتجاجًا أمام مقر رئاسة الحكومة التونسية في القصبة بالعاصمة التونسية، و جهويًا أمام مقرات المحافظات التونسية، بدعوة من النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، للمطالبة بمجموعة من المطالب المهنية إضافة إلى سحب المرسوم 54.
ويتبيّن من خلال الخطاب الرسمي والمعطيات الحقوقية التناقض الواضح في تقييم تأثير المرسوم المذكور على حرية التعبير في تونس، ففي وقت تؤكد فيه الحكومة أنه يُطبق في سياق احترام الحريات، أشارت متابعة المنظمات إلى أنه أصبح أداة تُستخدم ضد كل صوت ناقد.
اقرأ/ي أيضًا
خبر اعتقال رئيس جبهة الخلاص الوطني في تونس بتهمة التآمر على الدولة زائف
حجب المعلومات وصعوبة الوصول إليها.. أبرز أسباب التضليل في الفضاء الرقمي التونسي
المصادر



































