استغلال صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي لإعادة تدوير رواية "باليوود" ونفي جريمة قتل محمد الدرة
في 31 أكتوبر/تشرين الأول، نشر حساب يحمل اسم "Hamas Atrocities" لقطة شاشة من حساب "عين على غزة"، مرفقة بتعليق ساخر قال فيه "محاولة رائعة! من الشاعري أن يستخدم مؤيدو القضية صورة مزيفة مُعدّة بالذكاء الاصطناعي، لربطها بقصة الدرة المزيفة".
واصل الحساب طرح ادعاءاته قائلًا إن "الصورتين مزيفتان"، موضحًا أن الصورة السودانية مولّدة بالذكاء الاصطناعي، بينما صورة محمد الدرة "حقيقية، لكن قصتها مزيفة"، زاعمًا "استحالة" أن يكون الطفل قد أصيب من جهة الجيش الإسرائيلي. كما استثمر الادعاء للسخرية من المتضامنين مع السودان.
ولم يقتصر استغلال الصورة المولّدة بالذكاء الاصطناعي على التشكيك في جريمة قتل الطفل محمد الدرة، بل جرى توظيفها لإحياء سردية "باليوود" الإسرائيلية، في محاولة لتعميم فكرة أن "التزييف الفلسطيني منهجي وممتد منذ عقود"، وأن كل المشاهد الموثقة لجرائم الاحتلال قابلة للتشكيك بالطريقة ذاتها.

وفي سياق متصل، أعادت حسابات إسرائيلية أخرى تدوير الادعاءات ذاتها، إذ نشر حساب "Lost In Israel" في الرابع من نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، صورة الطفل محمد الدرة إلى جانب والده، مرفقة بتعليق "هكذا بدأت باليوود قبل 25 عامًا". وجاء المنشور في محاولة لإحياء سردية تنفي مسؤولية الجيش الإسرائيلي عن الجريمة، مع إرفاق رابط لتحقيق يدّعي أنه "يكشف حقيقة الحادثة".

الصورة الثانية: محتوى مولّد بالذكاء الاصطناعي للتضامن مع السودان
تبيّن لمسبار أن الصورة التي استخدمها حساب "Hamas Atrocities"، وتُظهر امرأة تحمل طفلها، هي صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي، نشرها صانع محتوى تونسي يُدعى "خبيب بن زيو" ضمن مقطع تضامني مع ضحايا مدينة الفاشر في السودان. وقد أعيد تداولها لاحقًا عبر صفحات ونشطاء، بينهم حسابات فلسطينية، دون التحقق من مصدرها.

وأظهر تتبع سابق أجراه مسبار لنشاط حساب "Hamas Atrocities"، وهو الحساب ذاته الذي افتعل المقارنة بين الصورة المولّدة بالذكاء الاصطناعي وصورة محمد الدرة، أنه يروّج بشكل منهجي لرواية دعائية تعتمد على اختيار انتقائي للصور والمقاطع، من خلال نشر مشاهد مجتزأة من غزة مثل افتتاح مطاعم أو متاجر وترويجها على أنّها دليل بأن "الحياة الطبيعية" في القطاع، مع تعمد إغفال تدهور الأوضاع الإنسانية الناتجة عن الحصار، وانهيار النظام الصحي، وأزمة التجويع التي وثّقتها تقارير أممية.
ويعتمد الحساب كذلك على مشاركة صور لأشخاص يعانون من الوزن الزائد لإنكار سوء التغذية، متجاهلًا مئات الحالات الموثقة لأطفال قضوا أو أصيبوا بسوء تغذية حاد، ويركز على إعادة تدوير مقاطع من السابع من أكتوبر لتبرير الانتهاكات الإسرائيلية الواسعة، بما يخالف مبادئ القانون الدولي الإنساني التي تحظر استهداف المدنيين.
محاولات قديمة تتجدد: تقارير تشكّك في مقتل الطفل محمد الدرة
في عام 2015، نشرت منظمة HonestReporting، وهي جهة ضغط إعلامية إسرائيلية معروفة بدفاعها عن الرواية الرسمية للاحتلال وانتقادها للتغطيات الدولية التي تُبرز جرائمه، تقريرًا بعنوان "في مثل هذا اليوم: ظهور الدرة وباليوود"، شكّكت فيه في جريمة مقتل محمد الدرة التي وثّقتها القناة الفرنسية الثانية خلال الانتفاضة الثانية.

ادّعى التقرير أن الاتهامات الموجّهة للجيش الإسرائيلي استندت إلى "لقطات محرّرة"، وأن المصوّر طلال أبو رحمة، الذي وثّق المشهد، صوّر مقطعًا "محرفًا" حتى يظهر إطلاق النار من جهة القوات الإسرائيلية. كما عرضت المنظمة مقطع فيديو زعمت فيه أن الجيش الإسرائيلي لم يكن في الموقع الذي يُفترض أن النار أطلقت منه على الدرة ووالده، وأن الرصاص "لم يكن ممكنًا أن يصيبهما من جهة القوات الإسرائيلية". وادّعت كذلك أن شارل أندرلين لم يكن في غزة أثناء الحادثة، وأن التصوير نفّذه مصوّر فلسطيني متعاون مع القناة الفرنسية.
واتهم التقرير الفلسطينيين بـ"اختلاق مشاهد تمثيلية" خلال الانتفاضة الثانية، مستندًا إلى لقطات قال إنها تُظهر ضحك بعض المصابين، زاعمًا أن الطفل محمد الدرة "حرك يده بعد مقتله". وترافقت هذه المزاعم مع عرض لقطات متعددة في محاولة لتعزيز رواية تشكّك في صدقية المشهد الذي وثّق مقتل الدرة.

إلا أن هذه المزاعم خضعت لتفنيد واسع من صحفيين دوليين ومؤسسات إعلامية، كانت شاهدة على الجريمة لحظة وقوعها.
شهادات وأدلة ميدانية تدحض الرواية الإسرائيلية حول مقتل محمد الدرة
جمعت صحيفة ذا غارديان البريطانية شهادات مباشرة حول الجريمة، من بينها شهادة المصوّر طالب أبو رحمة الذي أكد أن إطلاق النار جاء من موقع الجيش الإسرائيلي المقابل، وأن التصوير كان مباشرًا دون أي إعادة تمثيل.
كما دافع شارل أندرلين، مراسل فرانس 2 في القدس، عن صدقية الرواية، مشيرًا إلى أن شهادة أبو رحمة جاءت متطابقة مع شهادات جميع الصحفيين والمصورين الذين كانوا في المكان، معتبرًا أن الهجوم عليه وعلى تقريره جزء من حملة سياسية لإسقاط مصداقيته، خصوصًا بعد تقاريره التي ناقضت السردية الإسرائيلية حول مفاوضات كامب ديفد.
ونقلت ذا غارديان أيضًا ملاحظات مراسلتها التي وصلت إلى الموقع بعد دقائق، ورصدت دائرة واضحة لثقوب الرصاص على الجدار المقابل بمستوى منخفض يطابق مكان اختباء الطفل ووالده، إضافة إلى بقعة دم كبيرة تشير إلى إصابة مباشرة. كما أكدت طواقم الإسعاف أن الطفل كان ما يزال يتنفس قبل أن يُقتل سائق الإسعاف الذي حاول نقله.
ودعمت الأدلة الطبية هذه الشهادات، إذ شاهد صحفيون جثة الطفل في مشرحة مستشفى الشفاء، بينما مكث جمال الدرة ثلاثة أشهر في مستشفى أردني يتلقى العلاج من إصابات خطيرة. ولم تطلب اللجنة الإسرائيلية مراجعة السجلات الطبية أو مقابلة الشهود الرئيسيين، رغم ادعائها أنها راجعت "كافة المواد المتاحة"، وفقًا لما أوردته الصحيفة.

وفي كتابه "موت طفل"، وثق شارل أندرلين اعتراف قائد العمليات في الجيش الإسرائيلي، جيورا عيلاد، لهيئة الإذاعة البريطانية بأن إطلاق النار “جاء على ما يبدو من الجنود الإسرائيليين”. ورغم اعتراف أولي من الجيش الإسرائيلي نفسه، تراجعت المؤسسة العسكرية لاحقًا وبدأت حملة إنكار واسعة.
وفي عام 2013، كسب أندرلين معركة قضائية بعد اتهامه بتزييف المشاهد، ما عزّز صدقية التوثيق الصحفي للحظات التي أودت بحياة الطفل محمد الدرة.
وفي مقابلات صحفية عدة، روى جمال الدرة، والد محمد، تفاصيل اللحظات التي سبقت الجريمة، موضحًا أنه كان في طريقه مع ابنه لشراء سيارة مستعملة قبل أن يجدا نفسيهما عالقَين تحت وابل من الرصاص. وأكد أن إطلاق النار استمر رغم صراخهما ومحاولتهما الاحتماء، إلى أن أُصيب ابنه إصابة قاتلة.
كما بث التلفزيون العربي في 30 سبتمبر/أيلول 2023، تقريرًا خاصًا تضمن مشاهد توثيقية للحظة مقتل الدرة، إلى جانب مقابلات مع جمال الدرة والمصور طلال أبو رحمة، يرويان فيها ما شاهداه وعايشاه ووثقاه خلال وقوع الجريمة.

منظمة HonestReporting: شبكة نفوذ دعائية مموّلة رسميًا
فيما يتعلق بمنظمة HonestReporting التي استُخدمت سرديتها في محاولات التشكيك بجريمة قتل الطفل محمد الدرة منذ سنوات، وصولًا إلى المزاعم التي أعادت حسابات إسرائيلية نشرها مؤخرًا، يُظهر تحليل سابق لمسبار أنها، رغم تقديم نفسها كجهة "رقابية على التحيز الإعلامي"، ترتبط بشبكة مؤسسات تديرها جهات حكومية إسرائيلية ومنظمات فاعلة ضمن منظومة الهاسبارا.
وتشير الوثائق إلى تعاون المنظمة مع "شورات هدين" و"StandWithUs"، وهما جهتان تلقتا دعمًا مباشرًا من مسؤولين إسرائيليين، بينهم عناصر من الموساد ومجلس الأمن القومي، فضلًا عن مشاركتها في اجتماعات رسمية أعلنت خلالها وزارة الخارجية الإسرائيلية تخصيص 150 مليون دولار لتمويل حملات دعائية حول العالم.
كما تُظهر بيانات ProPublica أن إيرادات HonestReporting لعام 2024 بلغت 3.4 ملايين دولار، نحو 96% منها تبرعات لم يُكشف عن مصادرها، ما يعزز الشكوك حول استقلالية المنظمة وطبيعة الجهات الداعمة لأنشطتها.
شبكات تُعيد إنتاج روايات تنفي مقتل محمد الدرة
أظهر تحليل سابق لمسبار نُشر عام 2022، أن موجات التشكيك في مقتل محمد الدرة تتجدد كلما برزت أدلة دامغة على استهداف المدنيين. وقد رصد المقال، آنذاك، حسابات معظمها مجهول الهوية وتنشط من دول خليجية أعادت طرح روايات قديمة تنفي مسؤولية الجيش الإسرائيلي، بالتزامن مع اغتيال الصحافية شيرين أبو عاقلة. وخلص التحليل إلى أن هذه الحملات تستعيد السردية الإسرائيلية التاريخية كلما عادت جريمة الدرة إلى الواجهة للمقارنة أو التذكير، في محاولة لتعميم الشك وتقويض الحقائق الموثقة.
اقرأ/ي أيضًا
























