صحة

هجرة الأطباء في تونس.. تباين بين المعطيات الرسمية وتصريحات وزير الصحة

ماجدة عمدونيماجدة عمدوني
date
22 نوفمبر 2025
آخر تعديل
date
7:15 ص
23 نوفمبر 2025
هجرة الأطباء في تونس.. تباين بين المعطيات الرسمية وتصريحات وزير الصحة
مؤشرات على تفاقم موجة الهجرة داخل القطاع الطبي التونسي | مسبار

تزامنًا مع مناقشة مشروع ميزانية وزارة الصحة لعام 2026 في البرلمان التونسي، أدلى وزير الصحة، مصطفى الفرجاني، بتصريحين مساء الأربعاء 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2025. الأول، قوله بشأن "غياب أي دراسة دقيقة تُبيّن العدد الفعلي للأطباء الشبان الذين غادروا البلاد".

مصطفى الفرجاني

والثاني، تأكيده على تسوية المستحقات المالية للأطباء الداخليين، إذ قال إن الوزارة قامت بتحيين كافة المقررات الوزارية المتعلقة بحصص الاستمرار، بحيث لم يعد يوجد أي طبيب شاب يشتغل في حصص الاستمرار دون خلاصه أو دون الاعتراف بعمله.

المستحقات المالية للأطباء الداخليين في تونس

ر

إلا تحليل هذه التصريحات، استنادًا إلى السجلات الحكومية والمهنية الموثقة، يكشف عن تناقضات بين الخطاب الرسمي والواقع الإحصائي والإجرائي.

الفجوة الإحصائية: تناقضات المؤسسات الحكومية 

أصدر المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية (ITES)، التابع لرئاسة الجمهورية، دراسة حول هجرة مهنيي الصحة في مارس/آذار 2024، اعتمد فيها مؤشرين أساسيين لقياس نسق الهجرة المتسارع لدى الأطباء، وهما طلبات شطب التسجيل من جدول عمادة الأطباء، وشهادات حسن السيرة المهنية المطلوبة لمزاولة المهنة في الخارج.

وأظهرت بيانات الدراسة ارتفاعًا في طلبات الشطب النهائي، إذ بلغ عددها نحو 187 طلبًا في النصف الأول من عام 2023، مقارنةً بـ8 طلبات فقط في عام 2011، ما يعكس تسارعًا قياسيًا في وتيرة مغادرة الأطباء.

وفي السياق نفسه، يكشف الرسم البياني الخاص بشهادات حسن السيرة المهنية عن منحًى تصاعديًا، إذ ارتفع عدد الشهادات من 114 سنة 2011، إلى 1110 شهادات سنة 2022، بمعدل نمو سنوي قُدّر بنحو 23 %.

 كما سُجِّل خلال النصف الأول من سنة 2023، 732 شهادة، في مؤشر يدل على تفاقم موجة الهجرة داخل القطاع الطبي التونسي.

وبناءً على تجميع المعطيات المتوفرة من عمادة الأطباء حول عدد شهادات حسن السيرة المهنية المسلَّمة منذ سنة 2011 إلى غاية النصف الأول من سنة 2023، يتبيّن أن ما مجموعه 5985 طبيبًا، قد تقدّموا بطلب هذه الوثيقة، التي تُعد أحد أهم المؤشرات على نية الهجرة والعمل بالخارج. 

والأكثر أهمية، أن الوزير مصطفى الفرجاني كان قد أقرّ علنًا بنتائج هذه الدراسة في مناسبات سابقة، مؤكدًا أنها أبرزت ضرورة تحسين ظروف العمل، وأن 75% من الأطباء التونسيين في الخارج يبدون استعدادهم للعودة شريطة توفر بيئة عمل ملائمة ومحفزة ماليًا.

يُشار إلى أن الدراسة كانت قد أكدت أن غالبية المستطلعين الذين ينوون العودة عددهم 78% وليس 75%، مثلما ورد على لسان الوزير.

المسح الوطني للهجرة الدولية: دراسة حكومية أخرى

يمثل "المسح الوطني للهجرة الدولية"، الذي أنجزه المعهد الوطني للإحصاء بالتعاون مع المرصد الوطني للهجرة وبدعم من المركز الدولي لتطوير سياسات الهجرة، عام 2020، أوّل مسح شامل من نوعه في تونس، ويهدف إلى توفير قاعدة بيانات دقيقة حول ظاهرة الهجرة وفهم اتجاهاتها.

وقد شمل المسح ثلاث فئات رئيسية وهم، المهاجرون الحاليون والمهاجرون العائدون، والمقيمون الأجانب في تونس، إضافة إلى استبيان آراء المواطنين غير المهاجرين حول نواياهم في الهجرة.

وفي سياق الهجرة المتزايدة للكفاءات، كشف المسح أن نحو 3300 طبيب تونسي غادروا البلاد فعليًّا بين سنتي 2015 و2020، بحثًا عن فرص عمل بالخارج.

أزمة المستحقات المالية للأطباء الشبان 

أما المحور الثاني في تصريح الوزير، والمتعلق بتسوية مستحقات الأطباء الداخليين عن حصص الاستمرار، فهو يمثل جدلا آخر.

وقد جاء تصريح الوزير عقب تنفيذ الأطباء الشبان المقيمين والداخليين إضرابًا عامًا عن العمل، ووقفة احتجاجية أمام مقر مجلس نواب الشعب، وهو تصعيد نقابي مباشر كرد على "سياسة المماطلة والتجاهل" التي تتبناها وزارة الصحة تجاه ملفهم، وفق ما صرح به عدد من الأطباء الشبان.

وتعود الأزمة إلى تعطل تنفيذ بنود اتفاق الثالث من يوليو/تموز 2025، المبرم بين الوزارة والمنظمة التونسية للأطباء الشبان، والذي نصّ بوضوح على التزام سلطة الإشراف بصرف مستحقات حصص الاستمرار المتراكمة في أجل أقصاه أغسطس/آب 2025.

غير أن المنظمة أكدت في 18 نوفمبر 2025، أن الوزارة لم تلتزم بالموعد النهائي، وأن المتخلدات المتعلقة بهذه المستحقات بلغت تراكمات تصل إلى خمس سنوات في بعض الأقسام.

إضافة إلى ذلك، كشفت المنظمة أن الوزارة تراجعت عن التزامها بإصدار أمر حكومي ينظّم الترفيع في الأجر الشهري للأطباء الشبان، الذي كان مقررًا تفعيله مع بداية 2026، واكتفت بإدراج الزيادة ضمن الزيادة العامة المقررة في مشروع ميزانية الدولة لسنة 2026، وهي زيادة ضئيلة (100 دينار خام). كما تراجعت الوزارة عن نشر شروط الإعفاء من الخدمة المدنية المتفق عليها لدورة سبتمبر 2025. 

في هذا السياق، أكد وجيه ذكار رئيس المنظمة التونسية للأطباء الشبان في حديثه لمسبار، أن تصريحات وزير الصحة "لا تمت للواقع بصلة". وشدد على أن المعطيات الميدانية وشهادات الأطباء الشبان تكشف وجود متخلدات مالية تعود لأكثر من خمس سنوات، إذ ما زالت بعض المؤسسات الصحية لم تصرف مستحقات الإطارات الطبية منذ سنة 2019.

وفي الإطار نفسه، اطلع "مسبار" على وثيقة وجّهتها المنظمة بشكل حصري، تتضمن توقيعات 456 طبيبًا وطبيبة من مختلف الاختصاصات يؤكدون عدم حصولهم على مستحقاتهم من حصص الاستمرار لفترات متفاوتة، وهو ما يناقض تمامًا ما صرّح به وزير الصحة.

 ورغم تخصيص ميزانية ضخمة للوزارة في عام 2026 بلغت 4.350 مليار دينار، وتخطيط الوزارة لترسيم 4,000 خطة جديدة، فإن هذه الجهود لن تؤتي ثمارها ما لم يتم معالجة النزيف السنوي الذي يفوق الـ 1000 (وفق ما أفاد نزار العذاري، كاتب عام عمادة الأطباء السابق في تصريح اعلامي)، وتنفيذ الإصلاحات الهيكلية التي تضمن بيئة عمل محفزة، كما طالبت بها دراسة المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية نفسها.

دوافع الهجرة: العوامل الاجتماعية والاقتصادية والمهنية والسياسية

حدد معهد الدراسات الاستراتيجية مجموعة من العوامل الدافعة الرئيسية للهجرة، لخصتها الدراسة بأنها تتعلق بالظروف المحيطة بالعمل والحياة أكثر من الدافع المالي المباشر.

ومن العوامل الاقتصادية، الإحباط من مستوى الرواتب المنخفض مقارنة بتكاليف المعيشة، والعجز في تمويل المشاريع الطبية الخاصة، إذ يشكو الشباب من صعوبة الحصول على قروض بنكية لفتح عياداتهم الخاصة.

 وتشير الدراسة إلى أن المرتبات والتعويضات التنافسية هي عامل جوهري، فمثلًا أكثر من نصف الأطباء المقيمين في طب الأسرة غير راضين عن أجورهم ويفكرون بجدية في الهجرة.

ومن العوامل المهنية، بيئة العمل المجهدة وقلة وسائل الدعم، ونقص التدريب المتواصل، بالإضافة إلى غياب الاعتراف الكافي بخبرة الأطباء وخدماتهم.

كما يبرز البعد الأمني والاجتماعي، حيث يشعر كثير من الأطباء بالانعدام الأمن داخل المستشفيات وحدوث اعتداءات، وكذلك بالافتقار لرؤية مستقبلية واضحة في عملهم.

فضلًا عن ذلك، أعلنت الدراسة أن عدم الثقة في وضع البلاد الحالي كان عاملًا حاسمًا لدى نحو 70% من أطباء الأسرة الراغبين في الهجرة.

 ولا يغفل التحليل جانب جودة الحياة الاجتماعية، فقد لُوحظ أن تحسين مستقبل الأطفال ورغبة العائلات في نقل أبنائها إلى بيئة اجتماعية وتعليمية أفضل، يلعب دورًا ملحوظًا في قرار الرحيل.

 على الصعيد التشريعي والقانوني، أشارت الدراسة ضمنيًا إلى أهمية مراجعة القوانين المنظمة للمهنة، لا سيما قانون مارس 1991، ليواكب متطلبات الكفاءات الطبية ويضمن حقوقهم المهنية والأخلاقية.

إلى أين يهاجر مهنيّي الصحة في تونس؟

تتوزع وجهات هجرة التونسيين على دول كثيرة، إلا أن دول أوروبا الغربية تحتل المقدمة، فوفقًا للدراسة تتصدر ألمانيا قائمة الدول المستقبلة حاليًا، ثم تأتي فرنسا في المرتبة الثانية.

وتنتشر أعداد متزايدة من الأطباء التونسيين إلى جانب بقية مهنيي الصحة في مشافي ألمانية، بسبب إجراءات معادلة المهنة المبسطة مقارنة بفرنسا، ما جعل ألمانيا وجهة "رسمية" للعديد منهم.

إضافة إلى ذلك، بدأت مسارات أخرى في الظهور نحو بلدان خليجية أو أفريقية، لكن تبقى بيانات الدراسة والدراسات ذات الصلة مركزة في أوروبا كمُلتقى رئيسي.

توصيات الدراسة والحلول المقترحة

اختتم المعهد دراسته بمجموعة مقترحات تهدف إلى استبقاء الأطباء وتشجيع العائدين، بالاعتماد على نهج متعدد الأبعاد. ومن أبرز التوصيات، شددت الدراسة على تحسين ظروف العمل والأجور والأفاق المهنية داخل القطاع الصحي، من خلال تطبيق سياسات أجور تنافسية وحوافز مادية ومعنوية تُرضي الأطباء، وتطوير برامج تدريب متواصل يرفع من كفاءتهم المهنية.

كما اقترح المعهد تعزيز الهجرة الدائرية وتشجيع العودة الطوعية للمهاجرين؛ من ذلك تسهيل إجراءات عودتهم وتوفير حوافز للاستثمار الطبي في تونس، إضافة إلى توسيع شراكات القطاعين العام والخاص في المجالات الصحية والبحثية.

ورُكز كذلك على الجانب التشريعي، إذ أوصت الدراسة بمراجعة قانون مارس 1991 الخاص بمزاولة الطب والكود الأخلاقي للطبيب لتأمين حماية أكبر للأطباء من جهة وإرساء توازن بين حقوقهم وواجباتهم.

اقرأ/ي أيضًا

جامعة جندوبة ليست في مراتب الترقيم العالمية العليا كما ادعى سفيان بن فرحات

هيئة المسح الجيولوجي الأميركية لم تنشر تقريرًا جديدًا عن الاحتياطات النفطية في تونس

المصادر

كلمات مفتاحية

اقرأ/ي أيضًا

الأكثر قراءة

مؤشر مسبار
سلّم قياس مستوى الصدقيّة للمواقع وترتيبها
مواقع تم ضبطها مؤخرًا
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
عرض المواقع
bannar