حملة إسرائيلية مضللة تستهدف المقررة الأممية ريم السالم بزعم "إنكار الاغتصاب"
أثار منشور للمقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالعنف ضد المرأة والفتيات، ريم السالم، حملة رقمية وإعلامية واسعة قادتها حسابات إسرائيلية رسمية وأخرى مؤيدة لها. وجاءت الحملة عقب تعليق للسالم على موقع إكس قالت فيه إن "أي فلسطيني لم يصفق للاغتصاب في غزة.. ولم يثبت أي تحقيق مستقل وقوع اغتصاب في السابع من أكتوبر"، وذلك خلال نقاش حول ازدواجية المعايير في تقييم الجرائم وردود الفعل عليها.
عقب هذا التعليق، اتهمت جهات إسرائيلية السالم بـ"إنكار" العنف الجنسي الذي يزعم الاحتلال أن حركة حماس ارتكبته في السابع من أكتوبر، وبالتحيز وانتهاك المعايير المهنية. وزعمت حسابات رسمية وأخرى داعمة أن تصريحها يتناقض مع تقارير أممية قالت إنها "تثبت" وقوع "جرائم اغتصاب"، وأن حماس نفسها وثقت هذه الجرائم.
تتبع "مسبار" الحملة وفحص التصريحات والتقارير الأممية التي استشهدت بها جهات إسرائيلية، وتبين أن ما ورد في منشور السالم دقيق، إذ لم يصدر أي تقرير أممي أو تحقيق مستقل يثبت ارتكاب فصائل المقاومة الفلسطينية لجرائم اغتصاب خلال عملية طوفان الأقصى، كما رصد مسبار نمط الاستهداف الرقمي الذي توسع من التشكيك والتشهير إلى التحريض وإطلاق عرائض تطالب بإقالتها.
ويفند هذا المقال جملة المزاعم التي جرى الترويج لها خلال الحملة، بالاستناد إلى النصوص الأصلية للتقارير والتحقيقات الصادرة خلال العامين التاليين للعملية.
مزاعم إسرائيلية بأن حماس وثقت جرائم الاغتصاب بنفسها
قادت حسابات رسمية إسرائيلية الحملة ضد المقررة الأممية ريم السالم، وفي هذا السياق، زعم حساب "إسرائيل في الأمم المتحدة – جنيف" أن السالم "تستمر في إنكار العنف ضد المرأة – لأنهن إسرائيليات"، واتهمها باستغلال منصبها الأممي "للتشكيك في الجرائم التي ارتكبتها حماس" والتقليل من شأنها، مستشهدًا في ذلك بتقرير الخبيرة الأممية براميلا باتن.
وفي السياق نفسه، اتهمت وزارة خارجية الاحتلال السالم صراحة بـ"إنكار جرائم الاغتصاب التي ارتكبتها حماس"، واعتبرت أنها لا تلبي المعايير المهنية المطلوبة من المسؤولين الأمميين. كما زعمت الوزارة أن "حماس نفسها وثقت قيامها بجرائم الاغتصاب"، في محاولة لإظهار أن السالم تجاهلت ما وصفته بـ"الأدلة الواضحة".
وانضمت منظمات وهيئات داعمة للاحتلال إلى الحملة، ومنها حساب يُدعى "اللجنة المدنية" (The Civil Commission)، الذي نشر بيانًا قال فيه إن الجرائم الجنسية التي يُزعم وقوعها في السابع من أكتوبر تعد "من بين الفظائع الأكثر توثيقًا في التاريخ".
وكرر الحساب المزاعم ذاتها التي روجتها الحسابات الرسمية، مدعيًا أن هذه الجرائم "موثقة في فيديوهات حماس الخاصة وفي تقارير الأمم المتحدة الرسمية"، وواصفًا إياها بأنها "واضحة بشكل مأساوي".
تفنيد المزاعم الإسرائيلية بشأن "الأدلة القاطعة على الاغتصاب"
دقق مسبار في المزاعم الإسرائيلية التي حاولت من خلالها جهات رسمية تصوير تصريح المقررة الأممية الخاصة المعنية بالعنف ضد المرأة والفتيات، ريم السالم، كما لو أنها "تنكر" أدلة مثبتة على وقوع جرائم اغتصاب. وتبين أن التقارير الأممية التي استشهدت بها تلك الجهات لا تتضمن أي أدلة قاطعة على ارتكاب فصائل المقاومة الفلسطينية جرائم اغتصاب في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، بل تشدد جميعها على محدودية الأدلة وصعوبة التحقق، وهو ما يتسق مع ما أشارت إليه السالم حول غياب أي "تحقيق مستقل".
وفي هذا السياق، استخدم تقرير صادر في مارس/آذار 2024 عن بعثة الممثلة الخاصة للأمين العام المعنية بالعنف الجنسي في حالات النزاع، براميلا باتن، وهو التقرير الذي استندت إليه جهات إسرائيلية لـ"تكذيب" السالم، لغة حذرة للغاية. فقد تحدث عن وجود "أسباب معقولة للاعتقاد" (reasonable grounds to believe) بوقوع عنف جنسي، وهو مصطلح قانوني يعني وجود شبهات تستدعي التحقيق، لا أدلة قاطعة. كما يقر التقرير بوضوح بـ"غياب الأدلة الجنائية الشاملة"، وبغياب أي إثبات مباشر رغم مراجعة أكثر من 5 آلاف صورة ونحو 50 ساعة من اللقطات التي قدمتها مؤسسات إسرائيلية. ويشير كذلك إلى أن البعثة "لم تلتق بأي ناج أو ضحية للعنف الجنسي من السابع من أكتوبر" رغم محاولاتها الحثيثة.
كما يؤكد تقرير آخر صادر عن "لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن الأرض الفلسطينية المحتلة" في مايو/أيار 2024 أن اللجنة لم تتمكن من التحقق بصورة مستقلة من الادعاءات الإسرائيلية، مرجعة ذلك إلى "عرقلة السلطات الإسرائيلية لتحقيقاتها" ومنعها من الوصول إلى "الضحايا والشهود ومواقع الأحداث". ويوضح التقرير أيضًا أن اللجنة وجدت أن "بعض الادعاءات المحددة كاذبة أو غير دقيقة أو متناقضة مع أدلة أو أقوال أخرى، واستبعدتها من تقييمها".
ومن الجدير بالذكر أن أيًّا من المواد البصرية التي عرضتها إسرائيل، أو نُشرت عبر المنصات المختلفة، لم يتضمن ما يشير أو يوثق وقوع جرائم اغتصاب، وهو ما أكدته البعثة الأممية في مراجعتها لآلاف الصور واللقطات.

تصعيد رسمي إسرائيلي للمطالبة بإقالة المقررة الأممية ريم السالم
لم تكتفِ الحملة الإسرائيلية بالتشكيك في مصداقية المقررة الأممية ريم السالم، بل تحولت إلى مطالبات بإقالتها من منصبها. وقاد هذه الحملة الرسمية سفير الاحتلال لدى الأمم المتحدة، داني دانون، الذي نشر منشورًا على حسابه الرسمي على إكس طالبًا فيه إقالة أي ممثل للأمم المتحدة ينكر ارتكاب حماس جرائم اغتصاب.
واعتبر السفير الإسرائيلي "إنكار" ريم السالم "للعنف الجنسي الذي وقع في السابع من أكتوبر" بمثابة وصمة عار في سمعة الأمم المتحدة، موجهًا حديثه للأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بالقول: "صمتك هو تواطؤ".
ونشر السفير الإسرائيلي لاحقًا رسالة قال إنه توجه بها إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، طالبًا فيها اتخاذ إجراءات ضد السالم، واعتبر دانون في رسالته أن تصريحها "يتناقض بشكل أساسي مع الأدلة غير القابلة للجدل"، مستشهدًا بالتقرير السنوي للأمين العام حول العنف الجنسي المرتبط بالنزاع، والذي راجعه مسبار وتبين أنه لا يتضمن أي أدلة قاطعة ولا يجزم بارتكاب حماس لهذه الجرائم المزعومة.
وأظهر تحليل مسبار لرسالة السفير أنها ركزت أساسًا على التعبير عن الغضب، والمطالبة بالاعتذار، واتهام المقررة الأممية بالانحياز، والدعوة إلى إقالتها والنظر في مرشح بديل للمنصب، دون أن تقدم أي أدلة أو مراجع أو الإشارة إلى تقارير أو تحقيقات يمكن أن تدعم ما ذهب إليه دانون.
توسع المطالبات بإقالة المقررة الأممية ريم السالم
توسعت الحملة الإسرائيلية المطالبة بإقالة المقررة الأممية، وفي هذا السياق التقطت منظمات وحسابات داعمة للاحتلال هذه الدعوات الرسمية، وعملت على تضخيمها، ومن بين هذه المنظمات "The Lawfare Project"، التي طالبت بدورها بإقالة ريم السالم فورًا.
وكررت المنظمة الادعاء بأن "حماس صورت بنفسها جرائم التعذيب الجنسي"، معتبرة أن تصريح المقررة الأممية في هذا الشأن لا يعكس جهلًا بالمعلومات فحسب، بل انحيازًا أيضًا.
لم تتوقف الحملة الإسرائيلية ضد المقررة الأممية ريم السالم عند حدود المطالبات الرقمية والمراسلات السياسية الرسمية، بل امتدت لتشمل تحركات على الأرض. وفي هذا السياق، وثق الناشط الإسرائيلي يوسف حداد في منشور له على حسابه على إكس مشاركته في وقفة احتجاجية أمام مقر الأمم المتحدة برفقة عدد ممن قال إنهم عرب ويهود ومسيحيون، لا يتجاوز عددهم عشرة أشخاص وفق ما أظهره الفيديو، وذلك للمطالبة بإقالة المقررة الأممية.
وطالب حداد الأمم المتحدة بطرد السالم، فيما ردد المشاركون عبارات مثل "عار عليكِ ريم السالم". ووصف حداد منشور السالم بأنه "إنكار مقزز وكاذب للاغتصاب الذي حدث في 7 أكتوبر"، مكررًا الاتهامات ذاتها التي تداولتها جهات إسرائيلية، ومستشهدًا بالتقارير نفسها التي زعم أنها تثبت ارتكاب حماس لجرائم اغتصاب.
من التشكيك والاحتجاج إلى العرائض الرقمية المطالبة بإقالة ريم السالم
بهدف إضفاء طابع شعبي على المطالبة بإقالة المقررة الأممية ريم السالم، أطلقت حسابات إسرائيلية أخرى حملات للتوقيع على عريضة رقمية تطالب الأمم المتحدة بطردها فورًا.
واستخدمت هذه الدعوات لغة تحريضية، حيث زُعم أن السالم باتت "تشكل تهديدًا مباشرًا للناجيات"، وأن تصريحاتها "تشجع المتطرفين"، وأنها "حطمت السلطة الأخلاقية للأمم المتحدة". ووُصف موقفها كذلك بأنه "اعتداء خطير على مصداقية منظومة حماية حقوق الإنسان العالمية".
نمط إسرائيلي ممنهج لاستهداف خبراء الأمم المتحدة
لا تعد الحملة ضد المقررة الأممية ريم السالم حدثًا معزولًا، بل تندرج ضمن نمط إسرائيلي ممنهج يستهدف إسكات أو تقويض مصداقية خبراء الأمم المتحدة، خاصة أولئك الذين يسلطون الضوء على الانتهاكات الإسرائيلية أو يدافعون عن حقوق الفلسطينيين.
وفي هذا السياق، تتبع مسبار في مقال سابق حملة دعائية مضللة شنتها وزارة خارجية الاحتلال ضد المقررة الخاصة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فرانشيسكا ألبانيز، ووثق مسبار استخدام الاحتلال حملات إعلانية ممولة على محرك البحث غوغل لمهاجمة ألبانيز واتهامها بـ"معاداة السامية" و"التحيز".
ويكشف التشابه بين الحملتين عن استراتيجية إسرائيلية واضحة تعتمد على أساليب متكررة، من بينها استخدام تهم جاهزة مثل "التحيز ضد الإسرائيليين" و"معاداة السامية"، وتوظيف الأدوات الرقمية، بما فيها مواقع التواصل ومحركات البحث والعرائض الإلكترونية، لتشويه سمعة المقررات الأمميات والتشكيك في مهنيتهن.
اقرأ/ي أيضًا




























