وثائقي كسر الصفوف: جنود إسرائيليون يؤكدون استخدام الفلسطينيين دروعًا بشرية
كشف الفيلم الوثائقي البريطاني "كسر الصفوف: داخل حرب إسرائيل"، الذي عرضته قناة ITV، عن سلسلة من شهادات لجنود إسرائيليين شاركوا في العدوان الأخير على قطاع غزة. وتضمنت هذه الشهادات تفاصيل حول استهداف المدنيين العزّل، والهدم واسع النطاق للمنازل الذي أدى إلى تحويل قطاع غزة إلى منطقة منكوبة بالكامل. كما سلط الفيلم الضوء على تلقي الجنود لأوامر بتجاهل القانون الدولي، واستخدامهم المدنيين، بمن فيهم الأطفال، كدروع بشرية، في ممارسة تُعرف إسرائيليًا باسم "بروتوكول البعوضة". وهو وصف لعملية التدرّع بالمدنيين الفلسطينيين المعتقلين أثناء الحرب، وإجبارهم على دخول أماكن يحتمل أن تكون مفخخة، كالأنفاق، منتهكًا بذلك حظر القانون الدولي لهذه الممارسة.

يستعرض هذا المقال شهادات جنود الاحتلال الإسرائيلي التي وردت في الوثائقي، كما يتناول الادعاءات الإسرائيلية المضادة للشهادات، والتي بثتها وسائل الإعلام الإسرائيلية. وفي سياق متصل، يستذكر المقال الاتهامات السابقة التي طالت الجيش الإسرائيلي بناء على شهادات جنوده باستخدامه الفلسطينيين كدروع بشرية، ونفيه المستمر والمتكرر لهذا الاتهام.
الدروع البشرية: بين ادعاءات "إسرائيل" وممارساتها الموثقة
في 14 ديسمبر/كانون الأول 2023، نقلت شبكة سي إن إن تصريحًا للمتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي، كيرين حاجيوف، قالت فيه "بصفتنا جيشًا ملتزمًا بالقانون الدولي وقواعد السلوك الأخلاقية، فإننا نخصص موارد هائلة للحد من الأذى الذي يلحق بالمدنيين الذين أجبرتهم حماس على استخدامهم كدروع بشرية. حربنا ضد حماس، وليست ضد سكان غزة".
يمثل تصريح حاجيوف أحد أبرز المزاعم التي كررتها إسرائيل منذ بداية العدوان الأخير على قطاع غزة، في المقابل، طالما عمدت إسرائيل إلى اتهام حماس باستخدام المدنيين في غزة كدروع بشرية، لإلقاء اللوم عليها في ارتفاع حصيلة الشهداء المدنيين في غزة دون تقديم دليل، وهو الأمر الذي تنفيه حماس باستمرار وتصفه بمحاولات تضليل الرأي العام.

ووفقًا لتقرير آخر نشرته سي إن إن في أكتوبر/تشرين الأول عام 2024، أفاد جندي في الجيش الإسرائيلي، تم التواصل معه عبر منظمة "كسر الصمت"، وهي منظمة إسرائيلية غير حكومية أسست عام 2004، على يد جنود وضباط احتياط خدموا في الجيش الإسرائيلي، تهدف إلى توثيق شهادات الجنود الإسرائيليين، بأن الجيش الإسرائيلي أجبر فلسطينيين على الدخول إلى منازل وأنفاق يحتمل أن تكون مفخخة في غزة، لتجنب تعريض قواته للخطر. وقال الجندي، الذي أشار إلى أن وحدته احتجزت أسيرين فلسطينيين لغرض صريح هو استخدامهما كدروع بشرية لاستكشاف الأماكن الخطرة، إن هذه الممارسة كانت سائدة بين الوحدات الإسرائيلية في غزة، لدرجة أنه أطلِق عليها اسم "بروتوكول البعوضة".
أفاد الجندي بأن ضابط مخابرات إسرائيلي أحضر ذات يوم أسيرين فلسطينيين (صبي بعمر 16 عامًا وشاب بعمر 20 عامًا)، وأمر الوحدات باستخدامهما كدروع بشرية لدخول المباني، زاعمًا ارتباطهما بحماس. وعندما تساءل الجندي عن هذه الممارسة، جاءه الرد من قائده "من الأفضل أن ينفجر الفلسطيني وليس جنودنا'. وبعد رفض الجندي ورفاقه لهذه الممارسة ومواجهة قائدهم، الذي نصحهم بتجاهل القانون الدولي، تراجع القائد وأفرج عن الأسيرين، ما أكد للجندي أنهما ليسا إرهابيين ولا ينتميان لحماس. تتفق رواية الجندي مع مقابلات أجريت مع خمسة معتقلين فلسطينيين سابقين في غزة، قالوا إنهم ضحايا لممارسة بروتوكول البعوضة، إذ وصف الجميع تعرضهم للاعتقال من قبل القوات الإسرائيلية وإجبارهم على دخول أماكن يحتمل أن تكون خطرة قبل الجيش.

وثقت تقارير صحفية أخرى استخدام "بروتوكول البعوضة" في غزة، ففي 12 أكتوبر 2024، نقلت صحيفة نيويورك تايمز عن جنود ومسؤولين إسرائيليين، أن الجيش الإسرائيلي استخدم فلسطينيين كدروع بشرية، مؤكدة أن ما لا يقل عن 11 فريقًا، يضم جنودًا وعناصر مخابرات إسرائيليين، طبقوا هذه الممارسة في خمس مدن في قطاع غزة.

وفي سياق متصل، أفاد عدد من الفلسطينيين والجنود الإسرائيليين لوكالة أسوشييتد برس، أن قوات الاحتلال تُجبر الفلسطينيين بشكل ممنهج على العمل كدروع بشرية في غزة. وردًا على ذلك، قدم الجيش الإسرائيلي للوكالة تصريحًا يقول فيه "يُحظر تمامًا استخدام المدنيين كدروع بشرية"، وأنه "يحقق في عدة حالات تزعم مشاركة فلسطينيين في مهام"، لكنه لم يُقدم لوكالة أسوشييتد برس أي تفاصيل، ولم يُجب عن أسئلة حول نطاق هذه الممارسة أو أي أوامر من القادة.

شهادات جنود الاحتلال في فيلم "كسر الصفوف: داخل حرب إسرائيل"
قدم ما لا يقل عن 12 جنديًا إسرائيليًا روايات مفصلة عن ممارساتهم ضد المدنيين خلال عامين من الحرب على قطاع غزة، إذ أكد الجنود، الذين تحدث بعضهم علنًا وطلب آخرون إخفاء هويتهم، اختفاء قواعد السلوك الرسمية المتعلقة بالمدنيين. وعلى النقيض من النفي الرسمي، أكد الجنود الاستخدام الروتيني للدروع البشرية من قبل الجيش الإسرائيلي. كما قدموا تفاصيل حول استهداف المدنيين من غير مبرر.
كشف جندي عرف في الفيلم باسم إيلي، بأن قرارات القتل والاستهداف لم تستند إلى قواعد إطلاق النار، بل إلى "ضمير القائد الميداني". وأشار إلى أن أي سلوك مدني يمكن أن يُصنَّف كعمل عسكري، موضحًا "إذا كان مجموعة من المدنيين يسيرون بسرعة كبيرة، فهم مشبوهون، وإذا كانوا يسيرون ببطء شديد، فهم مشبوهون، وإذا كان ثلاثة رجال يسيرون وتخلف أحدهم، فهذا تشكيل مشاة بنسبة اثنين إلى واحد - تشكيل عسكري".
وفي مثال على عشوائية استهداف المدنيين، روى إيلي كيف أمر ضابط كبير دبابة بتدمير مبنى في منطقة آمنة للمدنيين، فقط لأن رجلًا كان ينشر الغسيل على السطح. ورغم يقين إيلي بأن الرجل كان مدنيًا ولا يفعل شيء سوى نشر الغسيل، إلا أن الضابط صنّفه بأنه يقوم بعمل المراقبة، وأمر بإطلاق قذيفة دبابة تسببت في انهيار المبنى جزئيًا وأسفرت عن قتلى وجرحى كثر.

تضمنت شهادات الفيلم رواية الرائد نيتا كاسبين التي كشفت عن ترويج بعض الحاخامات في الجيش لآراء متطرفة، إذ نقلت عن حاخام اللواء قوله "علينا أن ننتقم منهم جميعًا، بمن فيهم المدنيون". وقد عزز هذه الروايات الحاخام المتطرف أبراهام زاربيف، الذي خدم في غزة أكثر من 500 يوم، بقوله: "كل شيء هناك هو عبارة عن بنية تحتية إرهابية كبيرة". وتجاوز دور زاربيف إضفاء الشرعية الدينية على عمليات الهدم الجماعي للأحياء الفلسطينية ليصل إلى قيادة الجرافات بنفسه.

وأوضح دانيال، وهو قائد وحدة دبابات، الانتشار الواسع لبروتوكول البعوضة وظاهرة استخدام المدنيين كدروع بشرية. ما يؤكد كافة التقارير السابقة التي تحدثت عن هذه الممارسة، والتي دأبت الرواية الإسرائيلية على نفيها. يقول دانيال في الفيلم الوثائقي "أرسلت الدرع البشري إلى تحت الأرض، كان يحمل هاتف آيفون في سترته، وبينما كان يسير في النفق، كان يُرسِل لك خريطةً شاملة. رأى القادة كيف يعمل النظام، وانتشرت الممارسة كالنار في الهشيم، بعد حوالي أسبوع، أصبحت كل سرية تُشغّل بعوضتها الخاصة".

ردود الفعل الإسرائيلية بعد بث الفيلم الوثائقي
نقل موقع تايمز أوف إسرائيل، رد الجيش الإسرائيلي على مضامين الفيلم الوثائقي في بيان مكتوب، جاء فيه أنه "يظل ملتزمًا بسيادة القانون"، وأن "ادعاءات سوء السلوك يتم فحصها بدقة"، مضيفًا أن العديد من التحقيقات التي يجريها قسم التحقيقات الجنائية في الشرطة العسكرية ما تزال جارية.

فيما هاجم موقع "هونست ريبورتينغ" الفيلم الوثائقي وصانعيه بقوة، معنونًا مقاله بأن الوثائقي "حاد عن الحقيقة". اعتبر الموقع أن الفيلم عمل على تشويه واقع الحرب بتقديم الجيش الإسرائيلي على أنه يحارب المدنيين، متجاهلًا حقيقة أن الجيش يحارب منظمة إرهابية زرعت نفسها في البنية التحتية المدنية. وادعى الموقع أن صانعي الفيلم تعمّدوا اختيار "عدد قليل من الجنود تم اختيارهم بعناية" لرواية قصة الحرب، مؤكدًا أن هذه الروايات "تُشوه - إن لم تحذف بالكامل - حقائق أساسية".
ولم يقتصر الهجوم على الفيلم بحد ذاته، بل امتد ليشمل وسائل الإعلام التي نقلت مضمونه، مثل صحيفة ذا غارديان وموقع ذي إندبندنت. كما ركز على نزع الصدقية عن جميع الأطراف المشاركة في الفيلم، وتحديدًا الجندي الذي عُرف باسم يعقوب، الذي هاجمه الموقع لكونه قد أدلى بشهادته سابقًا لصحيفة نيويورك تايمز عبر منظمة "كسر الصمت"، التي زعم الموقع بأنها منظمة تبث "ادعاءات غير موثقة"، وأن بعض المشاركين يتلقون رواتب منها.
بالإضافة إلى ذلك، شنّ الموقع هجومًا على الخبير القانوني الدكتور إيتامار مان، أستاذ القانون الدولي في جامعة حيفا، بسبب تعليقاته التي تنتقد بشدة تصرفات الجيش الإسرائيلي. كما طعن الموقع في صحة البيانات والإحصائيات التي يشير إليها الفيلم، وخاصة الدراسة التي تفيد بأن 83% من ضحايا الحرب في غزة هم من الأطفال والنساء، مدعيًا أن هذا الرقم يعتمد على بيانات غير موثوقة صادرة عن وزارة الصحة التي تديرها حماس.

إن هذه الشهادات تثبت بشكل قاطع استخدام الجيش الإسرائيلي للمدنيين كدروع بشرية، وتدحض النفي المستمر من الجيش لهذه الممارسات. وتكشف بوضوح كذب الرواية الرسمية للجيش وتجاهله للقانون الدولي الذي يحظر هذه الممارسة، وهو ما أكده رقيب فصيل عُرف في الفيلم باسم يعقوب، الذي نقل عن قائده قوله 'لا ينبغي على الجنود القلق بشأن القانون الدولي، بل فقط بشأن قيم الجيش الإسرائيلي".
اقرأ/ي أيضًا
بشهادات وأدلة.. استخدام إسرائيل للمدنيين كدروع بشرية في غزة كان ممنهجًا
كيف استُغلت صورة تعبيرية للتشكيك في معاناة سكان غزة خلال المنخفض الجوي الأخير؟



























