صحة

الفلورايد تحت المجهر: مراجعة علمية لادعاءات منتشرة على منصة إكس

محمد عبد اللطيف خرواط محمد عبد اللطيف خرواط
date
٢٤ نوفمبر ٢٠٢٥
آخر تعديل
date
٥:٤٨ ص
٢٥ نوفمبر ٢٠٢٥
الفلورايد تحت المجهر: مراجعة علمية لادعاءات منتشرة على منصة إكس
ساهم روبرت كينيدي في انتشار موجة الادعاءات بخصوص الفلورايد | مسبار

عاد الجدل حول الفلورايد إلى الواجهة الرقمية، بعد أن غزت منصات التواصل وعلى رأسها إكس، موجة من المنشورات التي تصفه بأنه "سم بطيء" يتسلل إلى مياه الشرب ومعاجين الأسنان ليهاجم الدماغ والهرمونات.

يقود هذا الخطاب مؤثرون يقدّمون أنفسهم كـ"كاشفي حقائق" أو "أصوات بديلة" للإعلام الطبي الرسمي، مستندين إلى دراسات قديمة أُسيء تفسيرها أو اقتُطعت من سياقها. وقد ساهم في اتساع نطاق هذه الموجة الخطاب المرافق لحملة روبرت ف. كينيدي الابن، وزير الصحة في إدارة ترامب الثانية، الذي دعا إلى إعادة النظر في بعض الممارسات الصحية مثل فلورة المياه، ضمن حملته الشهيرة "اجعل أميركا صحية مرة أخرى".

هذا الجدل لا يقتصر على مسألة الفلورايد فحسب، بل يعكس أزمة أعمق في الثقة بالطب الحديث وبالمؤسسات الصحية، وهي الأزمة التي تناولها مسبار في مقال سابق بعنوان "من واشنطن إلى العالم: حملة كينيدي الابن وأزمة الثقة في الطب الحديث".

ورغم الضجيج الرقمي، تبقى الحقائق العلمية ثابتة، فالفلورايد عند مستوياته الموصى بها يُعدّ أحد أهم الإنجازات الوقائية في تاريخ الصحة العامة، إذ يقي من تسوس الأسنان ويعزز صحة الفم دون أن يشكل خطرًا على الجهاز العصبي أو الهرموني. وبينما تعيد المنشورات تدوير مخاوف قديمة بعبارات جديدة، تؤكد تقارير منظمة الصحة العالمية وهيئة سلامة الأغذية الأوروبية، أن الجرعة هي ما يصنع الفارق، وبذلك الخطر الحقيقي لا يكمن في الفلورايد نفسه، بل في المعلومات المضللة التي تحوّل إنجازًا علميًا إلى جدل جماهيري متصاعد.

ومع تجدد الجدل حول الفلورايد، شهدت منصة إكس موجة من المنشورات التي تحذّر من مخاطره وتزعم أن وجوده في معاجين الأسنان أو مياه الشرب يسبب أمراضًا خطيرة. فيما يلي، يستعرض مسبار أبرز هذه الادعاءات في ضوء ما تؤكده أحدث المراجعات الصادرة عن الهيئات الصحية والعلمية الدولية.

ادعاء بأن الفلورايد يسبب انخفاض الذكاء ويؤثر على الهرمونات الجنسية 

منشور على منصة إكس حصد 3.5 مليون مشاهدة و682 مشاركة يطرح ادعاءات حول تأثير الفلورايد الموجود في معجون الأسنان. يشير المنشور إلى أن الفلورايد قد لا يقتصر على حماية الأسنان، بل قد يؤثر في بعض الهرمونات، وأنه قد يرتبط بانخفاض معدل الذكاء وتراجع مستويات هرمون التستوستيرون. ويختتم المنشور بطرح تساؤل حول ما إذا كانت هذه المخاطر إهمال من الشركات، أم مؤامرة تهدف إلى التأثير في صحة الرجال؟

تشير التقييمات العلمية الصادرة عن منظمة الصحة العالمية (WHO) والهيئة الأوروبية لسلامة الغذاء (EFSA)، وبرنامج الدراسات السمية الوطني الأميركي (NTP)، إلى أن الفلورايد آمن وفعّال في المستويات الموصى بها، سواء في مياه الشرب أو في معجون الأسنان، ولا توجد أدلة قوية على أنه يسبب انخفاضًا في الذكاء أو اضطرابًا في هرمون التستوستيرون عند التعرض ضمن الحدود المتعارف عليها.

وأوضح تقرير البرنامج الوطني للسموم الأميركي (NTP) أن الارتباط بين مستويات الفلورايد المرتفعة جدًا، وانخفاض معدل الذكاء، يقتصر على الحالات التي تتجاوز فيها التركيزات 1.5 ميليغرام/لتر، وهي مستويات تفوق بكثير تلك المعتمدة في أنظمة المياه المفلورة في الدول المتقدمة (0.7 ميليغرام/لتر). كما أكد التقرير أن هذه النتائج لا تثبت علاقة سببية، وأن الفلورايد عند المستويات الموصى بها آمن وفعّال في الوقاية من تسوس الأسنان.

وبعد صدور هذا التقرير، نشرت مجلة JAMA Pediatrics، دراسة تحليلية شاملة أجراها باحثون من المعهد الوطني للصحة الأميركي (NIH)، شملت 74 دراسة من عشر دول. أظهرت النتائج أن الأطفال الذين تعرضوا لمستويات مرتفعة جدًا من الفلورايد، سجلوا انخفاضًا طفيفًا في معدل الذكاء (بمقدار 1.6 نقطة IQ لكل 1 ميليغرام/لتر من الفلورايد في البول)، غير أن هذا الارتباط اختفى تمامًا عند المستويات الأقل من 1.5 ميليغرام/لتر، أي عند التركيزات الشائعة في مياه الشرب المفلورة ومعاجين الأسنان.

أما فيما يتعلق بتأثير الفلورايد على الهرمونات والخصوبة، فتشير الدراسات إلى غياب أي علاقة سببية مثبتة. فالدراسة الوحيدة التي أشارت إلى انخفاض طفيف في التستوستيرون (Environmental Pollution, 2020)، كانت إحصائية فقط، ولم تُظهر تغيرات وظيفية حقيقية، بينما استخدمت التجارب المخبرية جرعات تفوق المستويات البشرية بأكثر من مئة مرة، مما يجعل نتائجها غير قابلة للتطبيق على الإنسان.

هل الفلورايد يضر الكلى والكبد والغدة الدرقية ويسبب هشاشة العظام؟

منشور على منصة إكس حصد أكثر من 82 ألف مشاهدة و148 مشاركة، تضمن مقطعًا لوزير الصحة الأميركي روبرت ف. كينيدي الابن، وهو يدعو إلى إزالة الفلورايد، مدّعيًا أنه يسبب أضرارًا للكلى والكبد والغدة الدرقية، ويزيد خطر هشاشة العظام، مشيرًا إلى أن النساء أكثر عرضة بنسبة 50% للإصابة بكسور الورك.

الادعاء بأن الفلورايد في مياه الشرب أو معجون الأسنان يسبب أضرارًا للكلى والكبد لا تدعمه الأدلة العلمية الحالية. فدراسة منشورة في مجلة Environment International عام 2019، حلّلت بيانات NHANES لدى المراهقين الأميركيين، ووجدت فقط ارتباطات بسيطة وغير سريرية بين ارتفاع فلورايد الدم وبعض مؤشرات وظائف الكلى والكبد، بينما بقيت كل القيم ضمن الحدود الطبيعية. كما أن الدراسة كانت مقطعية، ما يعني أنها لا تستطيع إثبات أن الفلورايد هو السبب، وقد تكون التغيرات في وظائف الكلى هي التي تؤثر على مستوى الفلورايد في الدم لا العكس.

أوضحت الهيئة الأوروبية لسلامة الأغذية (EFSA) في تقييمها العلمي الصادر عام 2025 بعنوان، Updated Consumer Risk Assessment of Fluoride in Food and Drinking Water، والذي شمل مراجعة أكثر من 450 دراسة بشرية وتجريبية، أن الفلوريد ضمن المستويات المعتادة في مياه الشرب والغذاء لا يشكل خطرًا على الغدة الدرقية. فقد بينت الهيئة أن التعرض لتركيزات مرتفعة تتجاوز 1.5 ميليغرام/لتر، قد يؤدي إلى زيادة طفيفة في هرمون الغدة الدرقية المحفز (TSH)، لكنها زيادة غير ذات أهمية حيوية لأنها لا تُرافق بأي تغيرات في هرموني T3 وT4، ما يعني أن وظيفة الغدة تبقى طبيعية. كما أكدت أن الدراسات الحيوانية لم تُظهر أي تأثير نسيجي أو وظيفي واضح للفلوريد عند الجرعات البشرية المعتادة، وأن الدراسات التي أبلغت عن ضرر استخدمت جرعات تفوق المستويات الواقعية بعشرات المرات.

تدعم هذه النتائج ما توصلت إليه دراسة حديثة نُشرت في مجلة Environmental Research عام 2023، والتي شملت 33 دراسة وضمت نحو 45 ألف مشارك، إذ وجدت أن الفلوريد لا يؤثر على هرمون TSH عند مستويات أقل من 2 ميليغرام/لتر، وأن أي زيادة طفيفة في هذا الهرمون لا تظهر إلا عند تجاوز 2.5 ميليغرام/لتر، وهي مستويات أعلى بكثير من تلك المستخدمة في برامج فلورة المياه الوقائية.

كما لم تسجل الدراسة أي تغيرات ذات دلالة في هرموني T3 وT4، وأشارت إلى أن التأثيرات الملحوظة اقتصرت على مناطق ذات مياه جوفية عالية الفلوريد طبيعيًا (10–25 ميليغرام/لتر)، وهي ظروف لا علاقة لها بفلورة المياه العامة. وأكدت الدراسة أن معظم الأبحاث التي زعمت وجود علاقة كانت منخفضة الجودة ولم تأخذ في الحسبان مستويات اليود، وهو العامل الأساسي المنظم لوظائف الغدة الدرقية.

أما الزعم بأن الفلورايد يسبب هشاشة العظام أو يزيد من كسور الورك فهو غير صحيح. فالمراجعة المنشورة في مجلة Osteoporosis International عام 2007، وجدت أن الفلوريد لا يسبب هشاشة العظام، بل يمكن أن يزيد من كثافتها عندما يُستخدم بجرعات منخفضة. فقد وجدت الدراسة، التي حللت نتائج 25 تجربة سريرية، أن العلاج بالفلوريد يرفع كثافة العظام في العمود الفقري والورك دون زيادة خطر الكسور، وأن الجرعات المنخفضة (≤20 ميليغرام/يوم) تقلل فعليًا من خطر الكسور الفقرية بنسبة تصل إلى 70%.

الفلورايد "سم فئران" ويسبب التوحد والسرطان وتلف الأعصاب؟

منشور على منصة إكس حصد أكثر من 105 آلاف مشاهدة و511 مشاركة، يزعم أن الفلورايد "سم فئران في هيئة معجون أسنان"، محذرًا من أنه خطر على الأطفال ومسبب لتلف الأعصاب والتوحد والسرطان وعدد من الأمراض الأخرى، من بينها تلف الغدة الصنوبرية.

الادعاء بأن الفلورايد "سم فئران" ناتج عن خلط كيميائي بين مركبين مختلفين كليًا: فلوريد الصوديوم (NaF) المستخدم في معاجين الأسنان وفلورة المياه، وفلوروأسيتيت الصوديوم (CH₂CO₂NaF) المستخدم في بعض مبيدات القوارض.

فلوروأسيتيت الصوديوم مركب شديد السمية لأنه يوقف إنتاج الطاقة في الخلايا، بينما فلوريد الصوديوم مستقر وآمن عند الجرعات المنخفضة، ويقوّي مينا الأسنان ويمنع التسوس. وكما يوضح الكيميائي جو شوارتز من جامعة مكغيل "الجرعة هي التي تصنع السم، فحتى الماء يصبح سامًا عند تناول كميات مفرطة". ولهذا فإن وجود عنصر الفلور في كلتا المادتين لا يجعلهما متكافئتين في السمية، تمامًا كما أن وجود الصوديوم في الملح لا يجعله سامًا كالصوديوم النقي.

أما عن معاجين الأسنان، فهي تحتوي عادة على تركيز يتراوح بين 1000 و1450 جزءًا بالمليون من الفلورايد (أي نحو 0.1–0.15%)، وهي النسبة التي توصي بها منظمة الصحة العالمية ومراكز CDC لأنها تخفّض معدل تسوس الأسنان بنسبة 25–30% عند الاستخدام المنتظم.

 أما الادعاءات التي تربط الفلورايد بالسرطان، فقد فُحصت علميًا على مدى سبعين عامًا ولم تُثبت أي علاقة سببية. فوفقًا لتقرير المعهد الوطني للسرطان (NCI) الذي شمل أكثر من 2.2 مليون حالة وفاة و125 ألف حالة إصابة بالسرطان في الولايات المتحدة، لم يُلاحظ أي فرق في معدلات السرطان بين المناطق التي تستخدم مياه مفلورة وتلك التي لا تستخدمها.

كما أكدت الهيئات العلمية الدولية هذا الاستنتاج، إذ صنّفت الوكالة الدولية لأبحاث السرطان (IARC) الفلورايد بأنه غير مصنف من ناحية التسرطن في البشر. وخلصت الخدمة الصحية العامة الأميركية (USPHS) إلى أنه لا يشكل خطرًا يمكن اكتشافه. وأكد المجلس القومي للبحوث (NRC) في تقريري 1993 و2006 عدم وجود دليل على علاقة الفلورايد بالسرطان.

كذلك، لم تجد مراجعة جامعة يورك عام 2000، ولا اللجنة العلمية الأوروبية للمخاطر الصحية والبيئية (SCHER) عام 2010 أي دليل واضح على أن الفلورايد مادة مسرطنة، وهو ما أقرته أيضًا لجنة كاليفورنيا للتعرف على المواد المسرطنة (CIC) عام 2011.

وفيما يخص الادعاءات العصبية، فقد استعرض تقرير NTP مئات الدراسات حول تأثير الفلورايد على النمو العصبي، وأشار إلى ارتباط محتمل فقط عند مستويات عالية تتجاوز 1.5 ميليغرام/لتر بانخفاض طفيف في معدل الذكاء لدى الأطفال، بينما لم يجد أي علاقة بين الفلورايد وأمراض النمو العصبي مثل التوحد أو اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه (ADHD). كما أكد التقرير عدم وجود تأثيرات على الإدراك أو التطور العصبي عند مستويات الفلورايد المنخفضة المستخدمة في مياه الشرب أو منتجات العناية بالأسنان.

أما ما يتعلق بالغدة الصنوبرية، فتشير مراجعة علمية منشورة في Applied Sciences (2020)، إلى أن هذه الغدة قادرة على تراكم الفلورايد، وأن جرعات عالية جدًا في بعض الدراسات الحيوانية قد ترافقها تغيّرات في بنيتها ووظيفة الميلاتونين. لكن المراجعة تؤكد بوضوح أن الأدلة البشرية غير كافية لإثبات أن مستويات الفلورايد الشائعة في مياه الشرب المحسّنة أو معجون الأسنان تسبب أي تلف وظيفي للغدة. الثابت علميًا هو قابلية التراكم، أما الضرر الفعلي عند التعرض الاعتيادي فلم يتم إثباته، وما تزال الحاجة قائمة لدراسات بشرية أكثر دقة لتقييم العلاقة السببية.

اقرأ/ي أيضًا

من واشنطن إلى العالم.. حملة كينيدي الابن وأزمة الثقة في الطب الحديث

حقيقة الجدل بين كيم كارداشيان وناسا: هل الهبوط على القمر كان خدعة فعلاً؟

المصادر

اقرأ/ي أيضًا

الأكثر قراءة

مؤشر مسبار
سلّم قياس مستوى الصدقيّة للمواقع وترتيبها
مواقع تم ضبطها مؤخرًا
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
عرض المواقع
bannar