تحليل: غروكيبيديا تستشهد بمواقع تابعة للنازيين الجدد وأخرى تروج لنظريات مؤامرة
أطلقت شركة إكس إيه آي موسوعة غروكيبيديا في أكتوبر/تشرين الأول الفائت، بهدف منافسة ويكيبيديا التي يتهمها ماسك وبعض التيارات اليمينية في الولايات المتحدة بالتحيز الأيديولوجي لليسار.

ومنذ الإعلان عنها، بدأت أبحاث أكاديمية وتقارير صحفية بمراجعة محتواها ومقارنتها بويكيبيديا، ليتضح أن المشروع الذي يروَّج له على أنه بديل أكثر حيادًا وصدقًا، يواجه إشكالات جوهرية تتعلق بالموثوقية والشفافية في اختيار المصادر.
مخاوف من الترويج لمعلومات مضللة وخطاب كراهية
حلل باحثان من جامعة كورنيل موسوعة غروكيبيديا وهي موسوعة إلكترونية جديدة أطلقها رجل الأعمال الأميركي إيلون ماسك، وتقدم نفسها كموسوعة بديلة لموسوعة ويكييديا الشهيرة، ووجدا أنها استشهدت بموقع ستورمفرونت التابع للنازيين الجدد، 42 مرة، إضافة إلى اعتمادها على مواقع أخرى يُنظر إليها من قبل الخبراء على أنها غير موثوقة أو تروج للكراهية.
كما وجد الباحثان أن الموسوعة استشهدت بموقع نظريات المؤامرة إنفوورز 34 مرة، وبموقع اليمين المتطرف "في دير" 107 مرات.

تشكل هذه الاستشهادات نسبة صغيرة من إجمالي المصادر التي تعتمد عليها الموسوعة، لكنها لافتة، لأن ويكيبيديا على النقيض، لا تعتبر هذه المصادر موثوقة، ولا تسمح باستخدامها كمرجع أو حتى كمصدر أولي، بسبب عدم مصداقيتها، وفقًا لتحليل كورنيل ولائحة المصادر المعتمدة علنًا في ويكيبيديا.
وقد أوضح التحليل أن حوالي 5.5% من مقالات غروكيبيديا تحتوي على الأقل على استشهاد واحد بمصدر محظور في ويكيبيديا الإنجليزية.
من جهته، قال هارولد ترايدمان، أحد مؤلفَي الدراسة وطالب الدراسات العليا في علوم الحاسوب في جامعة كورنيل، في مقابلة هاتفية مع إني بي نيوز "القواعد المحددة بشكل علني والتي تعتمد على المجتمع للحفاظ على ويكيبيديا كمصدر شامل وموثوق ومنشأ بشريًا غير مطبقة في غروكيبيديا".
ترايدمان كان موظفًا في مؤسسة ويكيميديا المسؤولة عن ويكيبيديا ويعمل بدوام جزئي مع إحدى الجهات التابعة لها، وقد كشف ذلك في الدراسة، لكنه أكد أنه أجرى العمل بشكل مستقل. أما المؤلف الثاني، أليكسيوس مانتزارليس، فهو مدير مبادرة الأمن والثقة والسلامة في كورنيل ومدير سابق لشبكة التحقق الدولية IFCN.
إجمالًا، وجد الباحثان أن غروكيبيديا تحتوي على 12 ألفًا و522 استشهادًا بمصادر إلكترونية تصنفها أبحاث أكاديمية سابقة بأنها منخفضة المصداقية جدًا، كما وجدا أنها تستشهد بهذه المواقع ثلاث مرات أكثر مما تفعل ويكيبيديا.

ويشير التحليل إلى أن هذا النمط يبدو واضحًا بصورة خاصة في الموضوعات المتصلة بالسياسة والشخصيات العامة، حيث يلاحظ اعتماد متكرر على منصات يمينية أميركية وهندية ووسائل إعلام حكومية من دول مثل الصين وإيران، إضافة إلى مواقع تنشر نظريات مؤامرة أو علومًا زائفة.
وفي الوقت نفسه، توضح التحقيقات أن أجزاء واسعة من محتوى غروكيبيديا ليست أصلية، بل مقتبسة حرفيًا من ويكيبيديا ثم يعاد تحريرها عبر الذكاء الاصطناعي لإضفاء سياق أو سردية مختلفة. ويثير ذلك سؤالًا حول القيمة الإضافية التي تقدمها الموسوعة الجديدة، خاصة أنها تعلن نفسها بديلًا أكثر حيادًا بينما تعتمد على المصدر نفسه الذي تنتقده، قبل أن تعيد تشكيل المحتوى وفق توجهات مختلفة.
وعلى عكس ويكيبيديا، تتحكم غروكيبيديا بعملية التحرير، إذ يمكن للمستخدمين اقتراح تعديلات، لكن بدلًا من مراجعتها من قبل متطوعين، تتحكم شركة إكس إيه آي التابعة لماسك في قرار قبول أو رفض التعديل. كما أشارت الشركة إلى أن غروك وهو روبوت الدردشة الخاص بها بالذكاء الاصطناعي، يلعب دورًا في مراجعة التعديلات، حيث تظهر عبارة Grok Feedback عند قبول أو رفض أي تعديل.
غروكيبيديا بين الواقع وادعاءات ماسك
من جهته، يقدم ماسك مشروعه كوسيلة لقول الحقيقة بعيدًا عن ما يعتبره تحيزات الإعلام التقليدي أو المنصات الرقمية القائمة. وقد أعلن رغبته في إعادة تسمية غروكيبيديا إلى "إنسايكلوبيديا غالاكتيكا" عندما تصل إلى المستوى الذي يريده، داعيًا المهتمين إلى الانضمام لبناء ما يشبه نسخة خيالية من مكتبة الإسكندرية.
روج ماسك لغروكيبيديا باعتبارها موسوعة مدفوعة بالذكاء الاصطناعي تهدف إلى تقديم الحقيقة بلا تحرّز، إذ صرّح بأن “هدف غروك وغروكييديا هو "الحقيقة، كل الحقيقة، ولا شيء سوى الحقيقة". مضيفًا "لن نكون مثاليين، ولكننا سنسعى نحو ذلك الهدف”.
كما وصفها بأنها منصة "أقل تحيزًا أيديولوجيًا" من نظيراتها، مستهدفًا ما يسميه تحكمًا يساريًا في الموسوعات القديمة ومنصات المعرفة.
في المقابل، تؤكد مؤسسة ويكيميديا أن نموذج ويكيبيديا القائم على الشفافية والمراجعة المجتمعية هو ما يجعلها أكثر قابلية للتدقيق والحياد، خلافًا لمنصة تعتمد على قرارات مركزية ومحتوى تولده نماذج الذكاء الاصطناعي.
من جهة أخرى، أشارت بعض مدونات مراجعة التقنية والمواقع الأكاديمية التي وثقت تجربة بعض المستخدمين، أنهم أشاروا إلى أن واجهة الموسوعة بسيطة وسريعة، وأنهم تمكنوا من إيجاد مقالات حول مواضيع ثانوية أو أقل شهرة بكفاءة أعلى مما وجدوها في ويكيببيديا، وذلك بفضل القدرة على توليد المحتوى تلقائيًا.
ومع ذلك، لاحظ عدد من هؤلاء المستخدمين أن المعلومات في بعض الحالات كانت تحتوي على أخطاء أو مصادر ضعيفة، خصوصًا في المواضيع السياسية أو التاريخية الحساسة. كما لفت بعضهم إلى أنه رغم تصميم المنصة البسيط والحديث، فإن خيار "اقتراح تعديل" هو المتاح فقط بدلًا من تحرير مباشر للمقال، مما يجعلهم يشعرون بأنهم أقل قدرة على المساهمة مثلما يفعلون في ويكيبيديا.

مع كل هذه التحديات، يظل من الضروري التعامل مع محتوى غروكيبيديا بحذر، خصوصًا في القضايا السياسية والتاريخية والعلمية الحساسة، والاعتماد على مصادر متعددة ومستقلة للتحقق من المعلومات.
اقرأ/ي أيضًا
كيف ساهم غروك في تضليل آلاف المستخدمين على منصة إكس؟
كيف روّجت ملاحظات المجتمع وغروك في إكس لرواية الاحتلال المضللة ضد الطبيب حسام أبو صفية؟























