ترحيل اللاجئين السوريين في ألمانيا.. بين الواقع والشائعات المضللة
لم يمضِ وقت طويل على سقوط النظام السوري في ديسمبر/كانون الأول 2024، حتى عاد ملف ترحيل اللاجئين السوريين من أوروبا ليتصدر النقاشات العامة، في ظل عدد من التطورات السياسية والتصريحات الرسمية، التي ساهمت في جعله محط أنظار الصحف والبرامج التلفزيونية والحوارات في منصات التواصل الاجتماعي كافة.
في الآونة الأخيرة، تجدد هذا الجدل مرة أخرى إثر الزيارة التي أجراها وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول إلى مدينة حرستا في ريف دمشق. التي صرّح فيها أن حجم الدمار في سوريا كبير، ومن الصعب الحديث عن إعادة سريعة للاجئين السوريين في ظل هذا الدمار في البنية التحتية، وأن إعادتهم ينبغي أن تكون مشروطة بتوفر ظروف معيشية إنسانية مناسبة.
تداولت الصحف الألمانية تصريح الوزير وصور زيارته إلى العاصمة دمشق على نطاق واسع، ورافق ذلك نقاشات حادة على مواقع التواصل الاجتماعي، اختلفت فيه الآراء بين مؤيد ومعارض لتصريحه. وقد أسفر هذا الزخم الإعلامي عن ردود فعل وتصريحات متفاوتة ومتناقضة من المسؤولين السياسيين الألمانيين، تعكس إلى حد كبير الاختلافات في الرأي العام الألماني بخصوص هذا الموضوع الحساس، فضلًا عن الصحافة العربية، وسط انتشار معلومات غير كاملة أو غير دقيقة أثارت القلق في أوساط السوريين هناك.
يتناول هذا المقال كيف ساهمت المبالغات الإعلامية وغياب موقف رسمي واضح في ظهور ثغرات معلوماتية، وانتشار معلومات مضللة أو غير دقيقة لا يوجد دليل على صحتها. وهكذا تحوّل النقاش من نقاش سياسي هادئ إلى موجة من السجال الذي يصعب ضبطه، ما أثار قلقًا كبيرًا بين السوريين ولا سيما أولئك الذين لم يحصلوا بعد على إقامة أو من الحاصلين على إقامة الحماية المؤقتة.
كيف تناولت الصحف الألمانية تصريحات وزير الخارجية عن اللاجئين السوريين؟
بعد أن صرّح وزير الخارجية يوهان فاديفول عن رأيه في صعوبة عملية ترحيل السوريين في الوقت الحالي إلى سوريا، أكدت وزارة الداخلية الاتحادية، بقيادة حزب الاتحاد المسيحي الاجتماعي، الالتزام بخططها لترحيل اللاجئين إلى سوريا. وتناولت الصحف الألمانية هذا التناقض في التصريحات بشكل مكثف. فذكرت صحيفة دي تسايت Die Zeit عن المتحدّث باسم وزارة الداخلية، أن الوزارة بصدد إبرام اتفاقية مع الحكومة السورية لتسهيل عملية الترحيل إلى سوريا هذا العام.
كذلك أشارت صحيفة بيلد BILD، المعروفة بموقفها المعارض للمهاجرين، إلى أن المكتب الاتحادي BAMF سيواصل البت بطلبات لجوء السوريين التي كان قد علّق دراستها عقب سقوط نظام الأسد، وبالتحديد ملفات الشباب السوريين غير المصحوبين بعائلاتهم في ألمانيا. وذكرت الصحيفة أيضًا أن حزب الائتلاف المسيحي، أكد على الحاجة إلى استراتيجية عودة للسوريين، لا سيما وأن الحرب السورية قد انتهت وفي ظل حاجة البلاد إلى إعادة إعمار على يد أبنائها. كذلك شدد الحزب على ضرورة ترحيل المجرمين والأشخاص الذين لا يملكون إقامة مقبولة إلى سوريا حتمًا.
في الوقت ذاته، ضجت وسائل التواصل الاجتماعي بنقاشات حول السوريين في ألمانيا بين مؤيد ومعارض لبقائهم، خاصة بعد تغير الوضع الإنساني الذي استوجب بقاءهم في ألمانيا وانتهاء الحرب السورية.
بالرغم من أن الهجرة موضوع معقد ويرتبط بعوامل كثيرة، يرى كثيرون أن تصاعد حدة الدعوات لترحيل السوريين من ألمانيا مرتبط مباشرة بالمناخ السياسي الداخلي، خاصة في ظل احتدام الجدل بين الأحزاب المختلفة. وتشير تقارير إعلامية إلى أن الضغوط تأتي أساسًا من أحزاب يمينية متطرفة تستغل ملف الترحيل لتحقيق أهداف سياسية، فيتحول خطاب التحريض ضد مجموعات المهاجرين إلى أداة انتخابية تُستخدم لإثارة الرأي العام وكسب الدعم الشعبي في الاستحقاقات المقبلة. ومع كل دورة انتخابية، يصبح ملف اللاجئين السوريين محورًا مركزيًا في الجدل السياسي والإعلامي الألماني وأداة في صراعات داخلية بين الأحزاب على السلطة والنفوذ، على نحو يتجاوز البعدين القانوني والإنساني.
قلق في الأوساط السورية في ألمانيا
أدت هذه التطورات إلى نشوء بيئة خصبة لانتشار المعلومات المضللة، خاصة في ظل غياب توضيحات رسمية شاملة وتباين الخطاب السياسي حول ملف الترحيل من يوم إلى آخر. فالتصريحات الحكومية المتباينة، سواء من قيادات في الائتلاف الحاكم أو من مسؤولين في الولايات، فتحت المجال لانتشار كمّ كبير من المعلومات غير الدقيقة.
ففي ظل تضارب الأخبار والروايات، لجأ كثيرون إلى منصات التواصل الاجتماعي التي شهدت موجة من التساؤلات والأخبار المتعلقة بملف الترحيل. وفي هذا السياق، انتشرت روايات مبالغ فيها واجتهادات فردية لتفسير المعلومات دون الرجوع إلى المصادر الرسمية أو التحقق من صحتها. فقد روّجت بعض الحسابات مثلًا لادعاءات أفادت أن الحكومة الألمانية بصدد دراسة ترحيل أعداد كبيرة من السوريين الذين لا يمتلكون إقامة دائمة، وهي معلومات غير دقيقة، إذ إن أي إجراءات من هذا النوع تستغرق وقتًا طويلًا وتخضع لمسارات قانونية فردية تتطلب دراسة كل ملف على حدة.
كذلك انتشرت شائعات أخرى تزعم أن الحكومة الألمانية تدرس ملفات السوريين على أساس الانتماء الديني أو الطائفي، وأن الترحيل سيطال فئة معينة دون غيرها. غير أن هذه الادعاءات تفتقر إلى أي أساس قانوني أو رسمي، إذ يؤكد القانون الألماني على أن قرارات اللجوء والحماية لا تبنى على أساس الدين أو الطائفة، بل وفق معايير موضوعية تتعلق بالخطر المحيط بالشخص طالب اللجوء أو الحماية في حال عودته إلى بلده الأم والظروف الأمنية السائدة هناك.
أدى هذا كله إلى تصاعد حدة القلق بين السوريين المقيمين في ألمانيا، فضلًا عن تنامي إحساس الكثيرين بعدم الاستقرار والرفض من المجتمع الألماني. ولعل ما يعزز هذا القلق هو الوضع الأمني والاقتصادي غير المستقر في سوريا، فما زال هناك كثير من الملفات الأمنية العالقة فضلًا عن تلكؤ جهود إعادة الإعمار في بلد يعاني من دمار واسع خلّفته سنوات الحرب الطويلة.
يبدو هذا القلق طبيعيًا، ولا سيّما لدى الوافدين الجدد الذين لم يحصلوا بعد على الإقامة الدائمة أو الجنسية الألمانية. فكثيرٌ منهم بذل جهودًا كبيرة في تعلّم اللغة الألمانية، ونجح في تأمين سكن وفرص عمل مستقرة، ويعمل اليوم على الاندماج والمساهمة في المجتمع والاقتصاد الألماني بعد رحلة لجوء طويلة ومعقّدة أثقلتها الإجراءات البيروقراطية. يضاف إلى ذلك وجود العديد من السوريين، ومنهم معارضون سابقون لنظام الأسد، غير الراضين عن الوضع القائم حاليًا في سوريا، والقلقين من العودة في ظل الأوضاع الأمنية والاقتصادية المتردية.
الترحيل إلى سوريا بين الواقع والشائعات المضللة
على الرغم من التصريحات التي أدلى بها المستشار الألماني فريدريش ميرتس ووزير الداخلية ألكسندر دوبرينت بشأن إمكانية تنفيذ عمليات ترحيل إلى سوريا، فإن الحكومة الألمانية لم تُعلن حتى الآن عن نيتها البدء بأي عملية ترحيل قسرية، باستثناء الحالات المتعلقة بالسوريين الذين لديهم سجلات جنائية أو ممن لا يمتلكون حقًا قانونيًا للإقامة على أراضيها. وأوضحت الحكومة أنها على تواصل مع رئيس الحكومة السورية الانتقالية أحمد الشرع بهذا الشأن، وهو إجراء روتيني تتّبعه ألمانيا مع جميع دول العالم فيما يخص ملفات المرحّلين من أصحاب السوابق الجنائية.
ولعل الفئة الأشد قلقًا في الوقت الحالي هي فئة الواصلين الجدد الذين لم يحصلوا بعد على حق اللجوء أو الإقامة. فقد ذكر المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين (BAMF)، أن المكتب بدأ للمرة الأولى منذ سنوات باتخاذ قرارات رفض بحق طالبي لجوء سوريين، ولا سيما من فئة الشباب غير المصحوبين بذويهم. ووفقًا لبيانات المكتب، شهد شهر أكتوبر/تشرين الأول ارتفاعًا غير مسبوق في عدد حالات الرفض، إذ رُفض نحو 1906 طلبات لجوء لسوريين في هذا الشهر وحده، وهو رقم يفوق مجموع قرارات الرفض المسجّلة منذ بداية العام.
وفي ظل تواصل التصريحات المتغيرة وغياب موقف حكومي واضح، يبقى السؤال المطروح: إلى متى تستمرّ السياسات الألمانية في التذبذب بين الضغوط الأمنية والاعتبارات الإنسانية؟ وهل تستطيع الحكومة بالفعل إيجاد توازن يضمن أمنها الداخلي ويحفظ حقوق اللاجئين في آن.
اقرأ/ي أيضًا
قتلى ومعتقلون ولاجئون.. قراءة في تفاوت أرقام ضحايا النزاع السوري
مفوضية شؤون اللاجئين تنفي صحة رابط يقدم دعمًا ماليًا للاجئين السوريين

























