كيف استغلت حسابات إسرائيلية خللًا في ميزة الموقع على إكس في حملة دعائية ضد معتصم دلول؟
بعد طرح ميزة جديدة على منصة إكس تُظهر الموقع الجغرافي لحساب المستخدم، أطلق مستخدمون إسرائيليون وأميركيون حملة تهدف إلى التشهير بالصحفيين الفلسطينيين، إذ زعموا أن المراسلين الذين يغطون الحرب على غزة موجودون في الحقيقة خارج القطاع.
واستهدفت الحملة بشكل خاص الصحفي معتصم دلول، الذي فقد زوجته وطفليه خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة، وذلك بعد أن أظهر حسابه على إكس أن موقعه في بولندا، ما دفع البعض لاتهامه بتقديم تقاريره من الخارج.
حملة دعائية ضد معتصم دلول
بدأت الحملة عندما شارك مستخدمون يُعرفون بالترويج للدعاية الإسرائيلية لقطات شاشة من حساب دلول بعد إطلاق الميزة الجديدة في منصة إكس. وبدا في اللقطات أن حسابه موجود في بولندا ومتصل عبر متجر التطبيقات في المملكة المتحدة.

وقد تضخّم الادعاء لاحقًا عندما نشر الحساب الرسمي لوزارة الخارجية الإسرائيلية على إكس لقطة شاشة لموقع دلول المزعوم، رفقة تعليق "196,900متابع يتم الكذب عليهم من قِبل صحفي مزيّف يدّعي أنه في غزة. ميزة إكس الجديدة تكشف أن موقعه الحقيقي هو بولندا".مضيفًا: "لعل هذا يجعلك تتساءل: كم عدد التقارير المزيفة التي قرأتها؟".

وصلت التغريدة إلى نحو مليوني مستخدم، مما ساهم بشكل كبير في نشر الرواية المضللة. وتجدر الإشارة إلى أن جميع لقطات الشاشة التي انتشرت في هذه الحملة لم تتضمّن التنبيه الذي يشير إلى إمكانية تأثر الموقع بعوامل مثل استخدام VPN، أو السفر، أو تغيير الموقع الجغرافي، وهو التنبيه الذي يظهر عند عرض معلومات حساب دلول.


مشاهد تؤكد وجود دلول في غزة
للرد على جميع الادعاءات، نشر دلول فيديو من غزة لتكذيب الادعاءات التي استهدفته، مظهرًا الدمار الذي خلفته الحرب الإسرائيلية، بما في ذلك خيام النازحين، وسأل: "هل تعرفون مبانٍ ومخيمات كهذه في بولندا؟".
ورغم ذلك، اتهم بعض المستخدمين دلول بتزوير الفيديو أو استخدام شاشة خضراء في تصويره، رغم عدم وجود أي دليل على التلاعب أو تعديل المحتوى.


كما شارك بعض المستخدمين صورة زعموا أنها تُظهر دلول في بولندا، مدعين أنه "كان أكثر سعادة هناك".

ونفى دلول صحة الصورة، مؤكدًا أنها مُنشأة بواسطة الذكاء الاصطناعي. وكشف "مسبار" أن الصورة مفبركة عن صورة نُشرت أصلًا قبل ستة أشهر على إنستغرام من قبل حساب يحمل اسم @iamdocgelo خلال جولة لصاحبه في بولندا.

دلول ينشر فيديو لأنقاض منزله
كما نشر دلول مقطع فيديو جديدًا من غزة يواجه فيه الاتهامات، صور فيه أنقاض منزله الذي حلت مكانه الآن ثلاث خيام، موضحًا أنه عاش في غزة طوال حياته، باستثناء عام 2012 حين سافر إلى لندن للحصول على درجة الماجستير في الصحافة الدولية.
ورغم ذلك، اتهمه البعض مجددًا بتزوير الفيديو باستخدام شاشة خضراء، مدّعين أنه لم يتفاعل مع خلفية المشهد، على الرغم من وجود دلائل واضحة تثبت أصالة الفيديو، أبرزها ظهور فتاة صغيرة تسير قرب الخيمة على يمين الشاشة خلف دلول.

كما يوفر تحليل الظلال في الفيديو، مؤشرات متعددة تؤكد أن اللقطات أصلية ومصورة في الهواء الطلق تحت ضوء الشمس الطبيعي. فالظل الظاهر على الخيمة خلف دلول ناتج عن رأسه وكتفيه، بما يتسق مع وجود الشمس فوقه وإلى اليسار. كذلك، الظل على سترته ناتج عن ذقنه ووجهه السفلي، حيث يسقط الظل نحو الأسفل وإلى اليمين على الياقة، وفق زاوية الضوء نفسها، ويتحرك الظل بشكل طبيعي مع حركة دلول، مما يدل على أنه غير مضاف أو مُعدل رقميًا.

وتؤكد مؤشرات إضافية اتجاه ضوء الشمس، مثل الإضاءة الأقوى على الجانب الأيسر من وجهه، والظلال المتجهة نحو اليمين خلف العناصر الموجودة في الخلفية مثل الخيام والأعمدة. كما أن وجود ذباب يتحرك طبيعيًا في المشهد يدعم أن الفيديو حقيقي وغير مُفبرك.

كل هذه التفاصيل تدعم الاستنتاج بأن الفيديو صُوّر في بيئة خارجية حقيقية، وليس باستخدام شاشة خضراء أو أي تلاعب رقمي.
لماذا أبلغت منصة إكس عن موقع دلول بشكل غير دقيق؟
في 24 نوفمبر/تشرين الأول الجاري، ظهر دلول ضيفًا في بودكاست "The Mael Podcast"، الذي يقدّمه الطالب والكاتب اليهودي دانيال ميل. وكانت خلفية المشهد نفسها -الأنقاض والخيام- مرئية خلف دلول، وفي الدقيقة الأولى تظهر طفلة تدخل إحدى الخيام، مما يؤكد مرة أخرى عدم استخدام خلفية صناعية أو شاشة خضراء.

ومع ذلك، أوضح دلول في المقابلة أن سبب ظهور موقعه على أنه في بولندا يعود على الأرجح إلى استخدامه الشريحة الافتراضية "eSIM" للوصول إلى الإنترنت، بسبب تدمير البنية التحتية في غزة خلال الحرب الإسرائيلية.
كما شدد دلول مرة أخرى على أن المرة الوحيدة التي غادر فيها غزة كانت في عام 2012 للدراسة في لندن، وأشار إلى أنه أنشأ حسابه على إكس في تلك الفترة، وهو ما يفسّر ظهوره كمُسجل عبر متجر التطبيقات البريطاني.
ما مدى موثوقية ميزة تحديد الموقع في منصة إكس؟
في مقال سابق، أثار مسبار مخاوف بشأن شفافية ميزة الموقع الجغرافي الجديدة في منصة إكس، فقد أثارت هذه الأداة الجدل بسبب إظهارها مواقع غير صحيحة لعدد من المؤثرين السياسيين حول العالم. كما اشتكى مستخدمون من احتواء قسم "حول هذا الحساب" على معلومات غير دقيقة، وفي بعض الحالات، اختفت الميزة مؤقتًا بسبب هذه الشكاوى.

وقد رد نيكيتا بير، رئيس المنتج في منصة إكس، على سؤال لأحد المستخدمين عن سبب "إغلاق الميزة فور إطلاقها"، موضحًا أنها أوقفت لمجموعة صغيرة جدًا من الحسابات القديمة لأن بلد إنشاء الحساب كان خاطئًا نتيجة تغيّر نطاقات عناوين الـIP بمرور الوقت.

كما رد بير على منشور سابق له عند الإعلان عن إطلاق الميزة، قائلًا: "هناك بعض الجوانب التي لا تزال بحاجة إلى تحسين وسيتم حلها بحلول الثلاثاء".
وأضاف "إذا كانت هناك بيانات غير دقيقة، فسيتم تحديثها دوريًا بناءً على أفضل المعلومات المتاحة. ويتم هذا وفق جدول عشوائي ومتأخر للحفاظ على الخصوصية".

كل هذا يدل على أن ميزة تحديد الموقع في إكس ما تزال حتى اليوم غير دقيقة ومثار شكوك واسعة، مع استمرار القيود التقنية والعوامل الخارجية في التأثير على موثوقيتها.
الدعاية لإسرائيل" تجارة مربحة في عدة دول
على الرغم من جميع الأدلة التي قدّمها دلول، لم تتراجع وزارة الخارجية الإسرائيلية عن ادعاءاتها بشأن موقعه، مما أثار انتقادات واسعة.

والمفارقة أن هذا الاتهام أعاد تسليط الضوء على تقارير تشير إلى أن العديد من الحسابات الأكثر نشاطًا المؤيدة لإسرائيل على مواقع التواصل الاجتماعي لا توجد في الحقيقة داخل إسرائيل، بل في دول مثل الهند وغيرها.
كشف تحقيق أجراه موقع العربي الجديد في عام 2023، أن شبكات هندية يمينية وقومية هندوسية تلعب دورًا محوريًا في تضخيم المعلومات المضللة المؤيدة لإسرائيل والرسائل المعادية للفلسطينيين، ووصفت الهند بأنها مركز رئيسي لـ"منظومة عالمية لنشر المعلومات المضللة المؤيدة لإسرائيل" تنتج كميات كبيرة من المحتوى الفيروسي الذي يهاجم الفلسطينيين وينشر ادعاءات غير موثقة ويعكس سرديات يروج لها مسؤولون إسرائيليون.
كما تظهر تقارير نشرتها يورو نيوز وذا ديبلومت أن العديد من الحسابات الهندية، المرتبطة غالبًا بالسياسة القومية الهندوسية، تتداول منشورات وفيديوهات تزعم أن الفلسطينيين يختلقون الإصابات أو يفبركون الفظائع وهي ادعاءات دحضتها منصات التحقق مرارًا.
وفي السياق نفسه، أشارت قناة NDTV، أن المعلومات المضللة المتعلقة بالعدوان الإسرائيلي على غزة أو فلسطين عامة، والتي يروج الكثير منها لصالح إسرائيل، أصبحت تجارة مربحة على منصة إكس، حيث يحقق مؤثرون في الهند ودول أخرى دخلًا من خلال نشر محتوى مثير أو مضلل حول الحرب.
اقرأ/ي أيضًا
خاصية عرض موقع الحساب في إكس: بين الأخطاء التقنية وشكاوى المستخدمين
وثائقي كسر الصفوف: جنود إسرائيليون يؤكدون استخدام الفلسطينيين دروعًا بشرية



















