فايروس ماربورغ على مواقع التواصل الاجتماعي: بين الحقيقة والإثارة
في أعقاب إعلان وزارة الصحة الإثيوبية منتصف نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، عن أول تفشٍ مؤكد لفيروس ماربورغ في تاريخ البلاد، شهدت منصات التواصل الاجتماعي تدفقًا واسعًا للمعلومات غير الدقيقة، تداخلت فيها الحقائق مع المبالغات والتهويل.
زعمت منشورات متداولة أن الفيروس "ينتشر سرًّا في إثيوبيا" وأن "مصر تسجّل وفيات غير معلنة"، بينما ذهبت أخرى إلى مقارنته بـ"الطاعون الأسود والإنفلونزا الإسبانية"، في سرديات تفتقر إلى الأساس العلمي أو التحقق الوبائي. في هذا المقال يستعرض مسبار أبرز هذه الادعاءات في ضوء ما تؤكده البيانات الرسمية الصادرة عن منظمة الصحة العالمية (WHO)، ومركز إفريقيا لمكافحة الأمراض (Africa CDC)، ووزارتي الصحة في كل من إثيوبيا ومصر.
هل تخفي إثيوبيا تفشيًا واسعًا لفيروس ماربورغ؟
حاز منشور على منصة إكس على 54.8 ألف مشاهدة و 163 مشاركة، يدعي أن إثيوبيا تخفي تفشيًا واسعًا لفيروس ماربورغ، وأن مدير مستشفى جينكا، بينيام أسارات، كشف الأمر فتم طرده وسحب رخصته.
وجاء في المنشور أن هناك وفيات غير معلنة تشمل 13حالة في أسيكو، 16 حالة في أنچار، إلى جانب 121 وفاة غير معلنة. وأن الحكومة تنكر بينما أغلق الجيش مدنًا كاملة، وهو ما يدل على انتشار أكبر للفيروس. واتهم المنشور إثيوبيا بالتعتيم بدعم من المنظمات الدولية، إذ اتهم مدير منظمة الصحة العالمية تيدروس بتقليل الأعداد إلى 9 بينما "العدد لحقيقي يصل إلى 200 شخص". ويحذر المنشور من خطر عالمي يشبه جائحة كوفيد-19.

وفقًا لتقرير منظمة الصحة العالمية الصادر في 21 نوفمبر الجاري بعنوان Marburg virus disease Ethiopia، بدأت انتشار الفيروس في إثيوبيا يوم 12 نوفمبر عندما رصدت حالات حمى نزفية فيروسية مشتبه بها في مدينة جينكا جنوبي إثيوبيا. وبعد يومين فقط، في 14 نوفمبر، أعلنت وزارة الصحة الإثيوبية رسميًا أن التحاليل الجزيئية التي أجراها المعهد الإثيوبي للصحة العامة (EPHI) أكدت وجود فيروس ماربورغ. ويُعد هذا الإعلان السريع نسبيًا مؤشرًا على استجابة فعالة من السلطات المحلية، وليس على تستر كما يدعي المنشور. ووفقًا لبيانات السلطات الرسمية الإثيوبية أُجري 33 فحصًا مخبريًا، وأظهرت النتائج ست حالات مؤكدة وثلاث وفيات، كما حُدد 206 مخالطين يخضعون للمراقبة اليومية.

وفي تحديث لاحق، نشرت وكالة رويترز في 26 نوفمبر الجاري، نقلًا عن وزارة الصحة الإثيوبية أن عدد الإصابات المؤكدة ارتفع إلى 11 حالة، من بينها ست وفيات، في حين يخضع 349 شخصًا للعزل الوقائي، أُفرج عن 119 منهم بعد انتهاء فترة المتابعة دون أعراض. ولم يذكر في أي من هذه المصادر أي إصابات أو وفيات في منطقتي أسيكو أو أنچار، وهو ما ينفي المزاعم المتداولة عن "121 وفاة غير معلنة".

أما فيما يخص قصة الطبيب بينيام أسارات فقد تناولتها صحيفة Le Monde الفرنسية في تقرير نُشر بتاريخ 19 نوفمبر الجاري. أشار التقرير إلى أن مدير مستشفى جينكا العام كان قد صرح لوسائل الإعلام في 4 نوفمبر بوفاة ستة أشخاص من بينهم عامل صحي، نتيجة مرض يُشتبه بأنه ماربورغ. أعقب ذلك إيقافه عن العمل من وزارة الصحة الإثيوبية.

هذا التسلسل الزمني يعني أن تصريح الطبيب سبق الإعلان الرسمي عن التفشي بنحو ثمانية أيام تقريبًا، وهو فارق زمني مهم يجب تثبيته في سياق التغطية؛ إذ قد يُفسَّر من البعض على أنه مؤشر تأخر في الإعلان، لكنه لا يكفي وحده لإثبات وجود تعتيم منهجي، كما لا يبرّر أيضًا نفي هذا الاحتمال بصورة قاطعة دون معطيات إضافية.
وخلال مراجعة المحتوى الإعلامي المحلي، اطلع مسبار على مواد نشرتها منصات إثيوبية مستقلة أو تنشر حول الشأن الإثيوبي مثل Borkena وZehabesha وAmjambo Africa قدّمت رواية نقدية تفيد بأن إيقاف الطبيب قد يكون رسالة ردع للأطقم الطبية وتقليصًا لمساحة الحديث العلني حول التفشي.

لكن يجدر التنويه إلى أن جميع هذه المواد ذات طابع تحليلي غير رسمي، وتعتمد على سرد استنتاجي دون تقديم وثائق منشورة أو أدلة مباشرة تُثبت طبيعة الإجراءات المتخذة بحق الطبيب أو دوافعها. وبالتالي، فإن الجزء الوحيد المثبت من القصة هو أن الطبيب أُوقف عن عمله بعد تصريحه الإعلامي المبكر، بينما تبقى باقي التفاصيل مثل الاحتجاز أو سحب الرخصة أو الدوافع السياسية غير مؤكدة.
وفيما يتعلق بالحديث عن الإغلاق العسكري خلال تفشي الفيروس، فقد تداول عدد من المواقع والمنصات روايات تزعم أن الجيش الإثيوبي أغلق بلدات في منطقة أرسي تحديدًا في أسلا وأسيكو، عقب ادعاءات بتسجيل 13 وفاة بأعراض شبيهة بفيروس ماربورغ، وأن العدوى بدأت عقب دفن بقرة يُشتبه إصابتها بالجمرة الخبيثة (Anthrax)، قبل أن يتم –وفق هذه المصادر– فرض حظر كامل على حركة الدخول والخروج من البلدتين.

غير أن هذا الطرح، لا يستند إلى وثائق أو بيانات حكومية منشورة، كما أنه لا يجد ما يسانده في تقارير منظمة الصحة العالمية أو مركز إفريقيا لمكافحة الأمراض، ولم يشر إليه أي مصدر إعلامي موثوق.
في المقابل، تُظهر البيانات الصادرة عن وزارة الصحة الإثيوبية والمعهد الإثيوبي للصحة العامة (EPHI) في بيان يوم 26 نوفمبر الجاري، إلى جانب ما نشرته منظمة الصحة العالمية ومركز إفريقيا لمكافحة الأمراض، صورة مختلفة لطبيعة الاستجابة، إذ تفيد هذه المصادر بأن السلطات الصحية شكلت فريقًا وطنيًا للتنسيق داخل وزارة الصحة لوضع التوجيهات الاستراتيجية واتخاذ القرارات وتعبئة الموارد، وأعدت خطة استجابة وطنية ممتدة لثلاثة أشهر بتكاليف محددة، وفعلت مراكز عمليات الطوارئ (EOCs) على المستويين الوطني والإقليمي مع بنية لإدارة الحوادث واجتماعات تنسيق يومية.
كما أشارت إلى تنفيذ أنشطة ترصد واستجابة ميدانية متكاملة تشمل المراقبة المجتمعية، وتتبع المخالطين، والزيارات المنزلية، وتعزيز تقديم الخدمات الطبية، وتخصيص مستشفيين كمراكز علاجية مع فرق صحية مدرَّبة، وإيفاد فرق استجابة سريعة (RRT) للتحقيق الوبائي وتعزيز إجراءات مكافحة العدوى في المرافق التي تستقبل الحالات المشتبه بها. وعلى مستوى التواصل، تعمل فرق التواصل حول المخاطر والمشاركة المجتمعية (RCCE) على نشر رسائل الوقاية، وإعداد خطط تدخل موجّهة، ومتابعة ما يُنشر على وسائل التواصل لمعالجة المعلومات المضللة وتقييم قنوات الاتصال الموثوقة لدى الجمهور.

أما الاتهام الموجه إلى مدير منظمة الصحة العالمية، الدكتور تيدروس أدهانوم، بأنه قلّل من حجم التفشي عمدًا، فلا أساس له من الصحة من الناحية الإجرائية. فوفقًا للوائح الصحة الدولية (IHR 2005)، فإن مسؤولية الإبلاغ عن الأوبئة تقع على عاتق الدولة العضو -في هذه الحالة وزارة الصحة الإثيوبية- بينما يقتصر دور منظمة الصحة العالمية على النشر الدولي والتنسيق الفني بعد تلقي البلاغ الرسمي. وقد أعلنت الوزارة رسميًا عن التفشي في 14 نوفمبر، ونشرت المنظمة تقريرها في 21 نوفمبر، وهو الإطار الزمني الطبيعي والمعتمد عالميًا في التعامل مع الأمراض الوبائية.

وفي السياق، صنف تقرير تقييم المخاطر الذي أصدرته منظمة الصحة العالمية مستوى الخطر بأنه مرتفع داخل إثيوبيا، ومتوسط إقليميًا، ومنخفض عالميًا، مؤكدًا أنه لا توجد أي حالات انتقال دولي للفيروس، وأن المنظمة لا توصي بفرض قيود على السفر أو التجارة مع إثيوبيا.


ما حقيقة تفشي فيروس ماربورغ بمصر؟
انتشر ادعاء آخر على منصة إكس حقق 94.7 ألف مشاهدة و 107 مشاركة، يزعم أن فيروس ماربورغ "بدأ منذ أسابيع بالفتك ببعض الناس في مصر"، ويدعو إلى تشديد إجراءات دخول المصريين إلى الكويت، بزعم أن بعضهم يحمل "شهادات صحية مزوّرة".

أكدت وزارة الصحة والسكان المصرية عدم تسجيل أي إصابات أو حالات اشتباه بفيروس ماربورغ داخل البلاد. وأوضحت أن فرق الترصد الوبائي والحجر الصحي تعمل على مدار الساعة لرصد أي حالة محتملة قادمة من الدول التي ظهر فيها الفيروس، مشيرةً إلى جاهزية المستشفيات المصرية للتعامل مع أي طارئ إذا لزم الأمر.
كما صرح الدكتور حسام عبد الغفار، المتحدث الرسمي باسم الوزارة، أن الزيادة الملحوظة في أعراض البرد والإنفلونزا خلال الأسابيع الأخيرة ترتبط بالنشاط الموسمي الطبيعي للفيروسات التنفسية مع دخول فصل الشتاء، وتشمل الإنفلونزا الموسمية والفيروس المخلوي التنفسي (RSV) وبعض فيروسات كورونا الموسمية. وأوضح أن سلالة إنفلونزا A (H1N1) هي الأكثر انتشارًا خلال الفترة الحالية، وتمثل حوالي 66% من الحالات التي تم رصدها.

هل يعد ماربورغ أخطر من الطاعون والإنفلونزا الإسبانية؟
وانتشر ادعاء على موقع فيسبوك نال 8.7 ألف تفاعل و1.4 ألف مشاركة، مفاده أن فيروس ماربورغ من أخطر الفيروسات في العالم، وقارنه بالطاعون الأسود والإنفلونزا الإسبانية باعتبار أن معدل وفاته قد يصل إلى 80–90% في بعض التفشيات، مقارنة بوفاة أقل من 1% من فيروس كورونا.
وأشار المنشور إلى أن مصدر الفيروس الأساسي هو خفافيش الفاكهة (Rousettus aegyptiacus)، وينتقل للإنسان عبر ملامسة سوائل جسم الخفاش أو المصابين (دم، لعاب، قيء، عرق، بول) أو أدوات ملوّثة. كما جاء في المنشور أن الفيروس يسبّب حمى نزفية خطيرة من عائلة فيروسات الإيبولا، وتظهر الأعراض بعد 2–21 يومًا وتشمل حمى شديدة، صداع، إرهاق، قيء وإسهال، طفح جلدي ونزيف قد ينتهي بفشل أعضاء الجسم.

وفي حين تضمن المنشور معلومات صحيحة، إلا أنها اختلطت بأخرى مضللة وغير دقيقة، فمن الصحيح أن الفيروس ينتمي لعائلة الإيبولا (Filoviridae) ومصدره خفاش الفاكهة المصري (Rousettus aegyptiacus) وينتقل عبر ملامسة سوائل الجسم لا الهواء، ويسبب حمى نزفية خطيرة. إلا أن الادعاء بأن معدل الوفاة “يصل إلى 80–90%” غير دقيق؛ فوفقًا لمنظمة الصحة العالمية تراوحت النسبة تاريخيًا بين 24% و88%.

من جانب آخر، فإن المقارنة بين فيروس ماربورغ وبين أوبئة تاريخية مثل الطاعون الأسود أو الإنفلونزا الإسبانية هي مقارنة غير دقيقة علميًا وتفتقر إلى الأساس الوبائي. فبحسب منظمة الصحة العالمية، يختلف ماربورغ جذريًا عن تلك الأوبئة من حيث طبيعة العامل الممرض وآلية الانتقال ونطاق الانتشار.
ماربورغ هو فيروس من عائلة Filoviridae، وهي نفس عائلة فيروس إيبولا، ويُصاب به الإنسان عادة بعد ملامسة مباشرة لسوائل جسم مصاب كالدم أو القيء أو العرق، أو للأسطح الملوثة بها، ولا يمكن أن ينتقل عبر الهواء أو التنفس. ولهذا السبب فإن تفشياته عادة ما تكون محصورة جغرافيًا ومحدودة العدد. وتشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أن عدد الإصابات البشرية المسجلة منذ اكتشاف الفيروس عام 1967 لم يتجاوز 500 حالة في المجموع، مع معدلات وفاة تراوحت بين 24% و88% حسب مستوى الرعاية الصحية المتاح.
في المقابل، كان الطاعون الأسود الذي اجتاح أوروبا في القرن الرابع عشر ناتجًا عن بكتيريا Yersinia pestis، وينتقل عبر البراغيث والقوارض أو أحيانًا من إنسان لآخر في شكله الرئوي عبر الرذاذ، مما أدى إلى وفاة نحو 25 مليون شخص في أوروبا وحدها، أي ما يقارب ثلث السكان آنذاك.
أما الإنفلونزا الإسبانية التي تفشت عام 1918 فكانت ناتجة عن فيروس إنفلونزا H1N1 الذي ينتقل عبر الهواء والقطيرات التنفسية، وأصابت نحو 500 مليون شخص حول العالم، وتسببت في وفاة ما بين 20 إلى 50 مليونًا خلال عام واحد فقط.

وعليه، فإن الاختلاف الجوهري في آلية الانتقال يجعل من المستحيل علميًا مقارنة ماربورغ، وهو مرض نزفي محدود الانتشار وغير تنفسي، بأوبئة تنفسية عالمية مثل الطاعون أو الإنفلونزا الإسبانية التي انتشرت عبر الهواء وقطاعات سكانية واسعة. كما أن غياب أي تفشٍ عالمي لماربورغ منذ اكتشافه قبل أكثر من نصف قرن يؤكد أن الحديث عن “وباء شبيه بالطاعون أو الإنفلونزا الإسبانية” هو تهويل غير قائم على العلم أو البيانات الوبائية.
أخيرًا، فإن هذا النوع من الادعاءات غير المستند إلى مصادر موثوقة أو المبني على منهج علمي، لا يجب أن يزعزع الثقة بمصداقية المصادر الرسمية أو الدراسات العلمية المحكمة التي تستند إليها الجهات المعنية من قبيل منظمة الصحة العالمية ووزارات الصحة، لأن هذه المصادر تقدّم أدلة واضحة على المعلومات التي تنشرها، في حين أن الذين ينشرون المعلومات المغلوطة لا يستندون إلى أي مصادر موثوقة ولا يرجعون إلى المنهج العلمي كأساس لمسائلة ادعاءاتهم وفقه.
اقرأ/ي أيضًا
المصادر

































