أخبار

بين إدخال الهواتف الذكية ومنع السلع الأساسية: إسرائيل تعيد تشكيل الواقع المعيشي في غزة

محمد سليمانمحمد سليمان
date
2 ديسمبر 2025
آخر تعديل
date
5:12 ص
3 ديسمبر 2025
بين إدخال الهواتف الذكية ومنع السلع الأساسية: إسرائيل تعيد تشكيل الواقع المعيشي في غزة
وثقت وسائل إعلام دخول شحنات من الأجهزة الذكية إلى غزة | مسبار

بعد حرب إبادة ومجاعة استمرت مدة عامين، ومجاعة فتكت بأهالي قطاع غزة، شملت نقصًا في جميع السلع الأساسية والثانوية، وبالرغم من استمرار هذه الاحتياجات ونقص المواد حتى بعد وقف إطلاق النار، يشهد قطاع غزة تدفقًا كبيرًا من الهواتف الذكية، ولا سيما من نوع آيفون، الأمر الذي دفع كثيرين للتساؤل: كيف يُعقل أن تدخل هذه الكماليات إلى القطاع، في الوقت الذي يشهد فيه القطاع نقصًا في جميع الموارد الأساسية.

في هذا المقال يتتبع مسبار إدخال الهواتف الذكية إلى القطاع، ويسلط الضوء على حقيقة الوضع المعيشي في غزة مقارنة بالصورة التي تسعى إسرائيل إلى الترويج لها في الأوساط الإعلامية.

في ظل تسهيلات مريبة من سلطات الاحتلال الإسرائيلي، اجتاحت أجهزة الهواتف الذكية الأسواق في قطاع غزة، خاصة أجهزة آيفون. في المقابل منعت إسرائيلُ إدخالَ أصناف مختلفة وأساسية من الأدوية، والمستلزمات الطبية، والمواد الغذائية والخيم والكرفانات التي يحتاجها السكان منذ بداية الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023.

أُغرقت مواقع التواصل الاجتماعي بمشاهد من قطاع غزة تظهر أعدادًا كبيرة من الهواتف الذكية في ظل غياب أي إحصائية رسمية ترصد العدد الذي دخل إلى القطاع.

ومن أبرز المشاهد التي لاقت انتشارًا واسعًا على مواقع التواصل الاجتماعي، هو مقطع فيديو لتاجر فلسطيني من داخل قطاع غزة يدعى أمجد مروان، يروج فيه لجهاز آيفون 17 مطلي بالذهب ومرصع بالألماس.

أمجد مروان

استغلت حسابات داعمة لإسرائيل على مواقع التواصل الاجتماعي مقطع الفيديو للادعاء أن الحياة في قطاع غزة تشهد عودة لطبيعتها ومستوى عال من الرفاهية، ومستندة إلى عرض جهاز آيفون 17 المطلي بالذهب كدليل على هذا الادعاء.

فيما كتب التاجر الذي أدخل جهاز آيفون المطلي بالذهب، على حسابه في موقع فيسبوك: "بخصوص آيفون المطلي بالذهب الجميع يعلم أني أعمل في تجارة الأجهزة الخلوية منذ 20 عامًا، وبناءً على طلب الشخص المشتري تم دخول هذا الجهاز إلى قطاع غزة من خلالي، والمعروف دائمًا بأن أهل غزة أهل عز وخير، بجانب حبهم للحياة والرفاهية سواء من غذاء أو ارتداء ملابس من أفضل الماركات العالمية".

أمجد مروان

مسبار يتتبع إدخال آيفون 17 إلى غزة

تتبع مراسل مسبار طريقة إدخال أجهزة الهواتف الذكية ومنها جهاز آيفون المطلي بالذهب، وتبين أن التجار يدخلونها عن طريق المعابر التي تربط قطاع غزة بإسرائيل دون أي معيقات من قبل الإسرائيليين عليها.

أكد تاجر الهواتف الذكية أ.ح لمراسل مسبار، أنه كان خلال الحرب على غزة يدخل الهواتف من خلال تهريبها داخل المساعدات التي تدخل إلى القطاع ولكن منذ قرابة عشرين يومًا، سمحت السلطات الإسرائيلية بإدخالها بدون أي معيقات أو قيود.

وأضاف :"الهواتف تدخل قطاع غزة بكل سهولة ودون أي شروط أو حتى دفع جمارك أو رسوم، وإدخال أي نوع من جهاز آيفون أسهل من إدخال دجاج أو لحوم لسكان القطاع، أو حتى أصناف غذائية كثيرة أخرى".

وأوضح أن الأجهزة الخلوية تدخل قطاع غزة بشاحنات كبيرة، لكنه لا يعرف السبب وراء التسهيلات الإسرائيلية الكبيرة لإدخال الهواتف الذكية مرتفعة الثمن.

وحول أجهزة آيفون المطلية بالذهب، بين التاجر أنها تدخل قطاع غزة أيضًا بسهولة ضمن الأجهزة الأخرى التي يُسمح بإدخالها عبر معبر كرم أبو سالم الذي تسيطر عليه إسرائيل بشكل كامل شرق رفح جنوبي قطاع غزة.

وقال: "في الوقت الحالي يمكن لأي تاجر إدخال أي جهاز هاتف من مختلف الأصناف والماركات العالمية دون أي قيود أو حتى دفع رسوم عالية".

الاحتلال يتبع هندسة التجويع في قطاع غزة

المفارقة أن التسهيلات التي تقدمها السلطات الإسرائيلية لإدخال الهواتف الذكية الحديثة لقطاع غزة، يقابلها منع 350 صنفًا من السلع الأساسية لسكان القطاع الذين سجلوا مستوى غير مسبوق من التجويع وفقًا لتقارير الأمم المتحدة.

من جانبه، يؤكد المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، ووكالة الغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، أن أبرز السلع التي تمنع إسرائيل إدخالها لقطاع غزة هي الخيام والمواد الغذائية والطبية الأساسية، بينما تسمح بدخول سلع ذات قيمة غذائية منخفضة.

فيما أفاد مراسل مسبار، وفقًا لرصد ميداني لأسواق قطاع غزة، أن سلطات الاحتلال الإسرائيلية تمنع إدخال البيض واللحوم الحمراء والبيضاء والأسماك والأجبان ومشتقات الألبان والمكملات الغذائية، إضافة إلى عشرات الأصناف التي تحتاجها السيدات الحوامل والمرضى وذوو المناعة الضعيفة.

في المقابل، تسمح بدخول كميات أكبر من سلع عديمة القيمة الغذائية، مثل المشروبات الغازية والشوكولاتة والوجبات المصنعة والشيبس، والتي تصل إلى الأسواق بأسعار تفوق قيمتها الحقيقية بأكثر من 15 ضعفًا نتيجة تحكم إسرائيل بسلاسل الإمداد.

أكد المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة، أن هذه السياسة تكشف اعتماد سلطات الاحتلال هندسة التجويع والتحكم في الأمن الغذائي واستهداف حياة المدنيين بشكل مباشر.

من جانب آخر يؤكد تاجر المواد الغذائية م.أ، أن السلطات الإسرائيلية تفرض جمارك مرتفعة جدًا على إدخال المواد الغذائية التي تدخل قطاع غزة وهي غير أساسية.

ويقول في حديثه لمسبار: "يُسمح لنا بإدخال المعلبات، وأنواع فاخرة من الشوكلاتة، والشيبس، والمشروبات الغازية مع فرض رسوم عالية عليها، ما يجعلها تباع لأهالي القطاع بأضعاف سعرها الحقيقي".

ويوضح أنه يحاول إلى جانب المئات من التجار إدخال أصناف غذائية أساسية كاللحوم الطازجة، والدواجن، والبيض، والأجبان، ولكن كل طلباتهم تقابل بالرفض من الجانب الإسرائيلي الذي يحدد ماهية أصناف البضائع التي تدخل القطاع وليس التاجر.

رصيد الأدوية في قطاع غزة

إلى جانب منع السلطات الإسرائيلية إدخال أصناف كثيرة من المواد الغذائية ومستلزمات الشتاء إلى قطاع غزة، تضع قيودًا صارمة أيضًا على إدخال أصناف عديدة من الأدوية المنقذة لحياة المرضى.

يؤكد مدير وحدة التصوير الطبي في وزارة الصحة الفلسطينية، إبراهيم عباس أن مرضى وجرحى قطاع غزة محرومون من خدمات التصوير الطبي التشخيصية كالأشعة المقطعية والرنين المغناطيسي بفعل التدمير المتعمد لها خلال العدوان.

وقال عباس في تصريح مكتوب لمسبار إن أربعة أجهزة رنين مغناطيسي وأربعة أجهزة تصوير مقطعي وستة عشر جهاز أشعة ثابت، وسبعة عشر جهاز أشعة متحرك، و20 جهاز ألترا ساوند، وأجهزة التصوير المستخدمة في غرف العمليات، جميعها دمرها جيش الاحتلال.

وبين أن هذا الوضع يضيف تحد أمام مهمة الطواقم الطبية وحرمان المرضى من خدمات التصوير التخصصية التي كانت توفرها هذه الأجهزة.

إلى جانب أجهزة الأشعة، تؤكد وزارة الصحة أن الأرصدة الدوائية لخدمات العيون محدودة جدًا ولا تلبي الاحتياج الطارئ، إذ يوجد نقص بالأدوية التخصصية لمرضى العيون ضاعف من معاناتهم الحادة والمزمنة.

وأفادت أن "4000 مريضًا يعانون من ارتفاع ضغط العين (الجلوكوما) مهددين بفقد البصر جراء نقص العلاج ومحدودية الإجراء الجراحي".

وبينت أن 37% من الأدوية و 59% من المهام الطبية رصيدها صفر، كما أن أدوية العمليات والعناية المركزة وأقسام الطوارئ مستنزفة إلى مستويات غير مسبوقة مع استمرار حرب الإبادة الجماعية.

وذكرت أن الأقسام الحيوية في المستشفيات تعمل على المولدات الكهربائية، والتي يتهددها التوقف جراء نقص الوقود وقطع الغيار وتدمير معظمها.

وحذرت من أن منع الإمدادات الغذائية يهدد أكثر من 2 مليون مواطن بسوء التغذية والإصابة بفقر الدم خاصة الأطفال منهم. وشددت على ضرورة الضغط على "إسرائيل" من أجل إدخال الأجهزة التشخيصية والأدوية التخصصية لمرضى العيون.

تؤكد وزارة الصحة أيضًا أن الوضع الإنساني والصحي في قطاع غزة وصل إلى مستويات كارثية غير مسبوقة، على إثر تفاقم أزمة نقص الأدوية والمهام الطبية وتشديد إغلاق المعابر ومنع إدخال الإمدادات الطبية والغذائية.

وزاةر الصحة في غزة

انعدام الأمن الغذائي في غزة

وفي السياق، أكدت ورقة عمل نشرتها الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني "حشد"، الأربعاء 26 نوفمبر/تشرين الثاني الفائت، أن قطاع غزة يعيش اليوم واحدة من أخطر الأزمات الغذائية في العالم.

وبينت الورقة التي أعدها الباحث في الهيئة محمد سليم، أن الحرب الإسرائيلية وما رافقها من حصار ومنع لدخول المواد الأساسية أدى إلى تدمير البنية التحتية الزراعية وسبل العيش، وخلق ظروف تجويع قسري تهدد حياة أكثر من مليوني مدني، معظمهم من النساء والأطفال.

وتوصلت الورقة إلى أن الأزمة الحالية "لم تعد نتيجة مباشرة للأعمال الحربية فقط، بل باتت تعكس نمطًا ممنهجًا يقوم على استخدام التجويع كأداة حرب عبر استهداف الأراضي الزراعية ونقاط الإنتاج ومحاصيل الغذاء وسلاسل التوريد والتخزين"، معتبرة أن هذا السلوك يشكل جريمة حرب مكتملة الأركان وفق القانون الدولي.

وبينت الورقة أن المؤشرات الميدانية تعكس حجم الكارثة، إذ ارتفع انعدام الأمن الغذائي إلى أكثر من 90%، بينما تجاوزت نسبة الأسر المعتمدة على المساعدات 95%، وارتفعت أسعار السلع الأساسية إلى أكثر من أربعة أضعاف.

وذكرت أن معدلات سوء التغذية بين النساء والأطفال بلغت مستويات خطيرة تهدد الصحة العامة وتؤدي إلى أمراض مزمنة وتأثيرات تطورية طويلة الأمد.

وأشارت إلى أن تجويع المدنيين أو حرمانهم من مستلزمات الحياة الأساسية يشكل جريمة حرب وفق نظام روما الأساسي والبروتوكولات الدولية.

وتوصلت الورقة أن أبرز التحديات الراهنة أمام الأمن الغذائي تتمثل في "استمرار الحصار ومنع إدخال المواد الأساسية والدمار الواسع للبنية الزراعية وتلوث التربة بالمخلفات الحربية وشح المياه والطاقة وتعطل سلاسل الإنتاج والتخزين وانهيار الأسواق المحلية وتراجع التمويل الدولي وغياب خطة وطنية شاملة لإعادة الإعمار الغذائي".

حشد

اقرأي أيضًا

كيف استُغلت صورة تعبيرية للتشكيك في معاناة سكان غزة خلال المنخفض الجوي الأخير؟

ضمّ الضفة الغربية بين الخطاب الإسرائيلي والواقع الميداني بعد الحرب على غزة

المصادر

اقرأ/ي أيضًا

الأكثر قراءة

مؤشر مسبار
سلّم قياس مستوى الصدقيّة للمواقع وترتيبها
مواقع تم ضبطها مؤخرًا
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
عرض المواقع
bannar