أخبار

صفة "عقيد".. كيف صنع الاحتلال من لقب إداري تهمة إرهاب ضد الدكتور أبو صفية؟

أحمد كحلانيأحمد كحلاني
date
١٢ جمادى الآخرة ١٤٤٧ هـ
آخر تعديل
date
١١:٣٠ ص
١٣ جمادى الآخرة ١٤٤٧ هـ
صفة "عقيد".. كيف صنع الاحتلال من لقب إداري تهمة إرهاب ضد الدكتور أبو صفية؟
اتهام الدكتور أبو صفية بأنه "عقيد في حماس" دون أدلة | مسبار

مع استمرار اعتقال الدكتور حسام أبو صفية، مدير مستشفى كمال عدوان، من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي، تتواصل الادعاءات التي تروّجها السلطات الإسرائيلية ضده بهدف تبرير استهدافه واستمرار احتجازه.

نشر "مسبار" في الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني الفائت، تحقيقًا كشف فيه كيف استُخدمت خاصية ملاحظات المجتمع على موقع إكس لترويج رواية مضللة تستهدف الدكتور أبو صفية. ويمثل هذا التحقيق امتدادًا للملف ذاته، عبر التعمق في خلفية المزاعم الجديدة التي روج لها الجندي السابق في سلاح الجو الإسرائيلي إيتان فيشبرغر، فقد نشر فيشبرغر سلسلة منشورات على حسابه في موقع إكس زعم فيها امتلاكه "أدلة" تُثبت أن الدكتور أبو صفية "عقيد في حماس" (Colonel in Hamas)، مقدّمًا تلك المزاعم في سياق يوحي بأنها نتيجة تحقيقات موثوقة.

كما رصد مسبار أن مزاعم فيشبرغر، التي نشرها في 27 ديسمبر/كانون الأول 2024، بالتزامن مع اعتقال الدكتور أبو صفية، ما زالت تُستخدم ويُعاد تداولها سياسيًا وإعلاميًا حتى اليوم بوصفها معلومات مؤكدة، رغم غياب أي أدلة مستقلة تدعمها. ويواصل فيشبرغر تحديث هذه المزاعم وإعادة نشرها، ما منحها حضورًا أوسع في الخطاب الإعلامي والسياسي الإسرائيلي، وأتاح لاحقًا توظيفها في تقارير صحفية وتصريحات رسمية كأنها حقائق قائمة.

ونظرًا لخطورة هذه الادعاءات وتأثيرها المباشر على قضية الدكتور أبو صفية، يتتبع هذا التحقيق مصادرها وآليات انتشارها، ويتحقق من صحتها ويفند مضامينها بالأدلة، كما يكشف الأساليب التي استُخدمت لتحويل مزاعم فردية بلا سند إلى رواية تُقدم كحقيقة راسخة في وسائل الإعلام والمنصات الداعمة للرواية الإسرائيلية.

مزاعم مضللة ضد الدكتور حسام أبو صفية

صحفيون ووسائل إعلام إسرائيلية تستشهد بـ"تحقيقات OSINT" مضللة

رصد مسبار اتهام صحفيين ووسائل إعلام إسرائيلية، الدكتور حسام أبو صفية بأنه "عقيد في حماس"، وقدمت هذا الادعاء بوصفه حقيقة ثابتة لإسناد رواية انتمائه إلى الحركة وتبرير استمرار احتجازه.

ورغم أن سلطات الاحتلال لم تُوجّه إلى الدكتور أبو صفية أي تهمة رسمية حتى الآن، واكتفت باتهامه بالاشتباه في ممارسة "نشاط إرهابي" واحتجازه وفق قانون "المقاتل غير الشرعي" من دون محاكمة أو لوائح اتهام واضحة، فإن وسائل إعلام إسرائيلية وأخرى داعمة لها تواصل الإشارة إليه في تغطياتها بوصفه "عقيدًا في حماس".

وفي تقرير بعنوان "من هو طبيب حماس حسام أبو صفية؟"، زعمت صحيفة يديعوت أحرونوت أن الدكتور أبو صفية يحمل رتبة "عقيد في حماس"، مدعية أنها استندت إلى "تحقيقات مفتوحة المصدر" (Open-source evidence)، كما ادعت الصحيفة أن مستشفى كمال عدوان "مستشفى عسكري تابع لمديرية الخدمات الطبية العسكرية التابعة لحماس"، ووصفته بأنه "مجهز لخدمة العسكريين في وزارة الداخلية والأمن الوطني"، استنادًا إلى المصادر نفسها، من دون تقديم أي دليل مستقل يثبت هذه المزاعم.

يديعوت أحرنوت تُعرف حسام أبو صفية كـ"طبيب حماس" وتربط مستشفى كمال عدوان بالحركة
يديعوت أحرنوت تُعرف حسام أبو صفية كـ"طبيب حماس" وتربط مستشفى كمال عدوان بالحركة

تبنّى صحفيون إسرائيليون لاحقًا المزاعم ذاتها التي روّجت بشأن الدكتور حسام أبو صفية، وقدموا اتهامه بأنه "عقيد في حماس" بوصفه نتيجة لما وصفوه بـ"تحقيقات المصادر المفتوحة" (OSINT)، في محاولة لإضفاء مصداقية على الادعاء.

ومن أبرز الأمثلة على ذلك ما صرحت به مايان هوفمان (Maayan Hoffman)، رئيسة تحرير قناة ILTV الإخبارية الإسرائيلية، التي زعمت في مقابلة إعلامية أن "عددًا كبيرًا من المصادر المفتوحة يؤكد بسهولة أن الدكتور أبو صفية عقيد في حماس"، مضيفة أن "الجيش" صرّح بأنه اعتقله للاشتباه في كونه "إرهابيًا"، وأن المستشفى الذي يديره "يُستخدم كمقر قيادة وسيطرة وتحكم". ورغم خطورة الادعاءات، لم تقدّم هوفمان أي أدلة مستقلة لدعمها، واكتفت بتكرار الرواية المتداولة دون تحقق.

ILTV تصف حسام أبو صفية بـ"طبيب حماس" خلال مقابلة مع مايان هوفمان
ILTV تصف حسام أبو صفية بـ"طبيب حماس" خلال مقابلة مع مايان هوفمان

إضفاء طابع رسمي على التضليل

لم تتوقف مزاعم اتهام الدكتور حسام أبو صفية عند حدود التغطيات الإعلامية، بل اكتسبت بُعدًا شبه رسمي. ففي هذا السياق، روّج المتحدث السابق باسم الحكومة الإسرائيلية إيلون ليفي للادعاء نفسه، إذ قدّم أبو صفية خلال مقابلة إعلامية بوصفه "عقيدًا في حماس" و"مدير مستشفى كمال عدوان العسكري التابع لحماس"، مصورًا الاعتقال على أنه إجراء مبرر، وأضاف ليفي أن "الإرهابيين لا يحصلون على الحصانة لمجرد ارتدائهم سماعة طبيب"، في محاولة لنزع الحماية الإنسانية عن أبو صفية.

وعند الرجوع إلى مصدر معلوماته، لم يستند ليفي إلى أي وثائق رسمية أو لجان تحقيق مستقلة، بل أرفق رابطًا مباشرًا يقود إلى سلسلة المنشورات التي نشرها الجندي الإسرائيلي السابق إيتان فيشبرغر على موقع إكس، معتمدًا عليها بوصفها المصدر الوحيد لبناء هذه الرواية، رغم أنها لا تتضمن أي أدلة قانونية أو مهنية تثبت صحة الاتهام.

إيلون ليفي يكرر اتهام أبو صفية بـ"عقيد في حماس" ويستند مباشرة إلى منشورات فيشبرغر
إيلون ليفي يكرر اتهام أبو صفية بـ"عقيد في حماس" ويستند مباشرة إلى منشورات فيشبرغر

لم يقتصر تداول الاتهامات الموجهة إلى الدكتور حسام أبو صفية على الصحفيين ووسائل الإعلام الإسرائيلية، بل تجاوز ذلك ليشمل استهداف أي تغطية إعلامية مناقضة للرواية الرسمية. ففي هذا السياق، شنّت منظمة أونست ريبورتينغ (Honest Reporting)، وهي جهة إسرائيلية معروفة بانتقاد التغطيات الغربية المتعلقة بالصراع، حملة رقمية تضمنت سلسلة تدوينات ومقالات هاجمت من خلالها وسائل إعلام دولية، من بينها شبكة سي إن إن، بسبب استخدامها وصف "طبيب فلسطيني" عند الإشارة إلى أبو صفية.

وفي إحدى منشوراتها، استبدلت المنظمة هذا الوصف بعبارة "إرهابي فلسطيني مشتبه به"، قبل أن تكرر الادعاء نفسه الذي يروّجه الإعلام الإسرائيلي. كما أدرجت المنظمة ضمن تقريرها سلسلة المنشورات التي نشرها الجندي الإسرائيلي إيتان فيشبرغر على موقع إكس بوصفها "دليلًا" يدعم هذا الاتهام.

Honest Reporting تستبدل وصف CNN لـ أبو صفية بـ"إرهابي فلسطيني مشتبه به"
Honest Reporting تستبدل وصف CNN لـ أبو صفية بـ"إرهابي فلسطيني مشتبه به"

"تحقيقات استقصائية" ترتكز على معلومات مضللة

في سياق إعادة تدوير المزاعم وتقديمها بأشكال متعددة لإضفاء طابع الموثوقية عليها، نشر موقع "The Daily Wire" مقالًا قدّمه للقارئ باعتباره "تحقيقًا استقصائيًا" حول مديري مستشفيات غزة، من بينهم الدكتور حسام أبو صفية، مدعيًا أنهم يشغلون مناصب قيادية في حركة حماس.

اعتمد المقال في تأكيد ادعائه بأن أبو صفية "عقيد في حماس" على المصادر نفسها التي استند إليها إيتان فيشبرغر في منشوراته على موقع إكس، إذ أعاد توظيف خمسة تقارير صحفية قديمة (بين 2017 و2021) وردت فيها صفة "عقيد" عند ذكر اسم أبو صفية، فضلًا عن منشور على صفحة الخدمات الطبية في غزة استخدم المصطلح ذاته. كما استعان بتصريح لرئيس معهد أبحاث الإعلام في الشرق الأوسط (MEMRI)، يغال كارمون، الذي قدّم تفسيرًا مضللًا للمصطلح، زاعمًا أن استخدام كلمة "عقيد" يدل على رتبة عسكرية حقيقية وليست توصيفًا إداريًا.

غير أن المفارقة تكمن في أن ما وصفه الموقع بـ"التحقيق الاستقصائي" يستند في جوهره إلى منشور واحد نشره فيشبرغر على موقع إكس، بوصفه المصدر الأول الذي "كشف صلة أبو صفية بحماس".

موقع Daily Wire يكرر مزاعم "عقيد في حماس" ويعتمد على منشور فيشبرغر كمصدر رئيسي
موقع Daily Wire يكرر مزاعم "عقيد في حماس" ويعتمد على منشور فيشبرغر كمصدر رئيسي

كيف صُنعت رواية "المستشفى العسكري" من توصيف إداري مدني؟

يكشف تحليل مسبار أن الجهات الإعلامية والسياسية الإسرائيلية التي تبنّت الاتهامات الموجهة إلى الدكتور حسام أبو صفية، لم تقدّم أي دليل مستقل يثبت صحتها، واعتمدت جميعها على مصدر واحد فقط جرى الترويج له بوصفه "تحقيقًا مفتوح المصدر" (Open-source investigation). غير أن مراجعة هذا المصدر تظهر أنه لا يتجاوز سلسلة منشورات نشرها الجندي السابق في سلاح الجو الإسرائيلي إيتان فيشبرغر على حسابه في موقع إكس.

وتبين مراجعة مسبار أن فيشبرغر ركز في منشوراته على إثبات أن الدكتور حسام أبو صفية "عقيد في حماس"، وأن مجمع كمال عدوان الطبي "مستشفى عسكري يتبع للحركة"، ولإضفاء طابع موثوق على هذا الطرح، استند إلى منشورات إعلامية قديمة استخدمت صفة "عقيد" عند الإشارة إلى أبو صفية، وإلى توصيف سابق للمستشفى بوصفه "المستشفى العسكري". وجرى توظيف هذه المصطلحات خارج سياقها الإداري والتنظيمي، إذ لا تحمل أي معنى عسكري فعلي أو صلة قتالية.

وبنى فيشبرغر على ذلك رواية ادعى فيها امتلاك "سبق صحفي"، مستغلًا توقيت اعتقال أبو صفية في 27 ديسمبر 2024، لنشر سلسلته وتقديمها كمعلومات حصرية، وقد سهل هذا الطرح لاحقًا تبني عدد من وسائل الإعلام لهذه المزاعم على أنها نتائج "تحقيق" موثق.

ثم انتقل فيشبرغر من استهداف الشخص إلى المؤسسة، مستخدمًا عبارة "الخدمات الطبية العسكرية" لتصويرها كجهاز تابع لهيئة عسكرية، رغم أنها جهة حكومية مدنية تُنظم العمل الصحي في غزة وتستخدم تسميات ورتبًا إدارية لأغراض تنظيمية فقط. وبذلك حاول إعادة تأطير المستشفى بوصفه جزءًا من بنية عسكرية تابعة لحماس، وصولًا إلى تجريم كوادره بالكامل عبر خلط متعمد بين النظام الإداري المدني والمفاهيم العسكرية.

منشور فيشبرغر الذي روّج اتهام أبو صفية بأنه "عقيد في حماس"
منشور فيشبرغر الذي روّج اتهام أبو صفية بأنه "عقيد في حماس"

بعد أن سعى إيتان فيشبرغر إلى تثبيت ادعاء انتماء الدكتور حسام أبو صفية للجناح العسكري لحركة حماس، مستندًا إلى "أدلة مؤسسية" مضللة مثل استخدام صفة "عقيد" وتسمية "الخدمات الطبية العسكرية"، انتقل في السلسلة ذاتها إلى البحث في صفحة أبو صفية الشخصية على فيسبوك بحثًا عن أي محتوى يمكن استغلاله لإسناد روايته.

وفي هذا السياق، اقتطع فيشبرغر عددًا من منشورات أبو صفية التي عبّر فيها عن دعمه للمقاومة، من بينها منشور نُشر عقب عملية "طوفان الأقصى"، وقدمها على أنها "احتفاء بقتل المدنيين"، متجاهلًا السياق السياسي والمكاني لأبو صفية في غزة. كما استند إلى منشورات قديمة تعود إلى عامي 2021 و2022 تضمنت أدعية لأهالي جنين والضفة والأقصى، وصورًا تجمع متحدثين باسم الفصائل الفلسطينية، ليعرضها كقرائن مزعومة على "الانتماء العسكري" أو "التطرف الأيديولوجي".

فيشبرغر يستعرض صفحة أبو صفية على فيسبوك لتوظيف منشوراته في الاتهام
فيشبرغر يستعرض صفحة أبو صفية على فيسبوك لتوظيف منشوراته في الاتهام

وفي سياق تعزيز روايته، قام فيشبرغر بترجمة مواد إعلامية فلسطينية إلى الإنجليزية، استخدمت فيها صفة "عقيد" للإشارة إلى الدكتور أبو صفية، ووصف "عسكري" لمجمع كمال عدوان الطبي، وركز في ترجمته على المصطلحين Colonel و Military Medical Services ليقدمهما لجمهوره بوصفهما دلالتين على صفة عسكرية، مستفيدًا من الفارق اللغوي والثقافي وعدم إلمام الجمهور الأجنبي بالسياق الإداري الذي تُستخدم فيه هذه المصطلحات محليًا.

فيشبرغر يبرر استخدام لقب "عقيد" باعتباره دليلًا على صفة عسكرية
فيشبرغر يبرر استخدام لقب "عقيد" باعتباره دليلًا على صفة عسكرية

تدقيق مسبار في مزاعم فيشبرغر، أظهر أن نشاطه لم يقتصر على حسابه في موقع إكس، بل توسع إلى نشر المزاعم نفسها عبر مواقع ومدونات متعددة، مستخدمًا صياغات مختلفة تقود جميعها إلى المصدر ذاته وهو سلسلته الأصلية على إكس.

مدونة فيشبرغر تعيد ترويج مزاعم "عقيد في حماس" عن مدير مستشفى كمال عدوان
مدونة فيشبرغر تعيد ترويج مزاعم "عقيد في حماس" عن مدير مستشفى كمال عدوان

ما هي "الخدمات الطبية العسكرية" في غزة؟

بحث مسبار في طبيعة صفة "عقيد" التي تُستخدم للإشارة إلى الدكتور حسام أبو صفية، وتبين أنها صفة تنظيمية مدنية تُمنح ضمن منظومة الرتب الإدارية في بعض المؤسسات الحكومية في فلسطين، وليست رتبة عسكرية بمعناها القتالي، ويستعرض مسبار في التحقيق الخلفية القانونية والإدارية لهذه الصفة، استنادًا إلى التشريعات المعمول بها في فلسطين والمعتمدة في قطاع غزة.

تُعد الخدمات الطبية العسكرية جهازًا يتبع لوزارة الداخلية والأمن الوطني في قطاع غزة، وتقوم بتقديم الرعاية الصحية لأفراد الأجهزة الأمنية وأسرهم، بالإضافة إلى خدمات طبية موجهة للمواطنين. ويندرج مجمع كمال عدوان الطبي ضمن هذا الجهاز، ويضم ثلاثة مستشفيات تخصصية تشمل مستشفى الأطفال، ومستشفى النساء والتوليد، ومستشفى الجراحة، إلى جانب عيادات خارجية تقدم خدمات صحية متنوعة للمدنيين، بمن فيهم النساء والأطفال.

وتُظهر طبيعة الخدمات التي يقدمها المجمع، والتخصصات المدنية التي يضمها، أن دوره طبي وخدماتي بحت، ولا يحمل أي وظيفة أو طابع عسكري، وبالتالي فإن استخدام توصيفات مثل "عقيد" أو "الخدمات الطبية العسكرية" خارج سياقها الإداري والقانوني يسهم في خلق تصور مضلل عن طبيعة هذه المؤسسات والعاملين فيها.

الخدمات الطبية في غزة

شهادات خاصة لمسبار تكشف الخلفية القانونية لصفة "عقيد" في القطاع الطبي بغزة

أظهرت مراجعة مسبار للصفة التي يُشار بها إلى الدكتور حسام أبو صفية، وعدد من العاملين في القطاع الطبي في غزة، أنها ليست رتبة عسكرية بالمعنى المتعارف عليه في المؤسسات الأمنية أو القتالية، وإنما توصيف إداري مدني يُستخدم داخل بعض المؤسسات الخدماتية في القطاع منذ سنوات.

وأوضح المحامي الفلسطيني مراد نعيم وافي أن منح الرتب العسكرية في فلسطين يخضع حصريًا لقانون الخدمة في قوى الأمن الفلسطينية رقم (8) لسنة 2005، وأن استخدام هذه الرتب خارج الأجهزة الأمنية غير جائز قانونيًا. لكنه يشير إلى أن الانقسام الفلسطيني الذي وقع عام 2007 أدى إلى نشوء واقع إداري مواز في غزة، تداخلت فيه المهام والصلاحيات بين مؤسسات مدنية كانت سابقًا مرتبطة إداريًا بأجهزة أمنية، ما سمح باستمرار استخدام تسميات وظيفية ذات طابع رتبي مثل "عقيد" و"مقدم" لأغراض تنظيمية داخل مؤسسات خدمية غير قتالية.

وبين وافي أن هذه التسميات لا تمنح أصحابها أي امتيازات أو صلاحيات ذات طبيعة عسكرية، ولا تدل على انتساب تنظيمي أو عملياتي لأي جناح مسلح، بل تُعد صيغة إدارية تُعادل درجة وظيفية في السلم التنظيمي، كما هو الحال في عدد من الدول التي تستخدم رتبًا مشابهة في قطاعات مدنية مثل الشرطة الصحية أو الأجهزة الطبية الحكومية.

وفيما يتعلق بالدكتور حسام أبو صفية، أكد وافي أن صفة "عقيد" التي تُنسب إليه ليست رتبة عسكرية ترتبط بحركة حماس، كما تدعي وسائل الإعلام الإسرائيلية، وإنما توصيف إداري مرتبط بعمله ضمن الخدمات الطبية العسكرية، وهي جهة خدمية مدنية تُعنى بتقديم الرعاية الصحية، وليست وحدة قتالية أو جهازًا عسكريًا. ووصف وافي الادعاءات الإسرائيلية التي تربط هذه الصفة بانتساب عسكري فعلي بأنها باطلة قانونيًا وتحريفًا واضحًا للحقائق.

وفي سياق توضيح طبيعة الجهاز ذاته، أكد الدكتور منير البرش، مدير عام وزارة الصحة في غزة، في تصريح لمسبار، أن الخدمات الطبية العسكرية جهة مدنية تتبع لوزارة الداخلية في شقها الإداري، وتقدم خدمات صحية للأفراد الأمنيين وللجمهور المدني، بما في ذلك النساء والأطفال. وأشار إلى أن مجمع كمال عدوان يُدار بالشراكة بين الخدمات الطبية العسكرية ووزارة الصحة، وأن هذا النموذج الإداري معمول به في فلسطين منذ تأسيس السلطة، ويشبه ترتيبات معمولًا بها في دول عربية وأجنبية عدة تعتمد نظام الرتب الإدارية في قطاعات مدنية متخصصة.

وأضاف البرش أن التعامل مع الكوادر الطبية داخل هذا الجهاز يتم وفق أحكام قانون الخدمة في قوى الأمن الفلسطينية، خاصة القسم المتعلق بالضباط الاختصاصيين من حملة الشهادات الجامعية (المادة 43)، والذي يضع آلية معادلة الدرجة العلمية بالتصنيف الوظيفي. وذكر أمثلة توضح هذا النظام، منها أن الطبيب عند تخرجه يحصل على رتبة تنظيمية تعادل ثلاث نجوم، كما تُمنح رتبة "عقيد" للصيادلة ضمن المستوى الوظيفي نفسه، دون أن يعني ذلك انتماءً عسكريًا أو مشاركةً في أي مهام قتالية.

ولإزالة أي التباس بشأن طبيعة هذه المؤسسة، كشف البرش أن منظمات دولية، بينها منظمة الصحة العالمية واللجنة الدولية للصليب الأحمر، تتعامل مع الخدمات الطبية العسكرية في غزة بوصفها جهة مدنية خدمية تقدم رعاية صحية، ولا تنظر إليها كهيئة عسكرية أو طرف ذي طبيعة عملياتية. وهو ما يؤكد الطابع المدني الخدمي للجهاز، وينفي ادعاءات الإعلام الإسرائيلي التي تحاول استخدام صفة "عقيد" كقرينة لإثبات انتماء عسكري أو صلة تنظيمية بحركة حماس.

وفي سياق جمع المعلومات، تواصل مسبار مع عدد من الأطباء ومديري المستشفيات في قطاع غزة ممن يعرفون الدكتور حسام أبو صفية وعملوا معه قبل اعتقاله. طلب هؤلاء عدم ذكر أسمائهم لأسباب أمنية تتعلق بمخاطر الاستهداف، وأكدوا أن صفة عقيد المتداولة داخل الخدمات الطبية العسكرية تصنيف إداري بحت لا يحمل أي مدلول عسكري أو ارتباط تنظيمي بحركة حماس، وأن هذه الصفة مستخدمة منذ سنوات في الجهاز الصحي بوصفها جزءًا من السلم الوظيفي المدني، دون أن تترتب عليها أي صلاحيات أو مهام ذات طابع عسكري.

وأشار أحد المصادر الطبية لمسبار إلى أن الخدمات الطبية العسكرية في غزة تُعامل عمليًا كجهة طبية خدمية، وأن التعامل الدولي معها يتم على هذا الأساس ضمن إطار الحماية الصحية والإنسانية، وليس باعتبارها جهازًا عسكريًا. وأضاف أن المؤسسات الطبية في القطاع تخضع لمعايير العمل الصحي وتقدّم خدمات علاجية للمدنيين، بمن فيهم النساء والأطفال.

كما تحدث نجل الدكتور أبو صفية، إلياس أبو صفية، لمسبار، موضحًا أن والده كان موظفًا حكوميًا لدى السلطة الفلسطينية قبل الانقسام، وأن حصوله على هذه الصفة الإدارية يعود إلى سنوات سبقت تولي حركة حماس إدارة قطاع غزة. وأضاف أن والده شغل مواقع طبية متعددة في مستشفيات حكومية وخاصة، وأن مجمع كمال عدوان انتقل لاحقًا إلى إشراف وزارة الصحة، وليس الخدمات الطبية العسكرية، قبل الحرب بعدة سنوات. وأكد أن والده تعاون خلال مسيرته المهنية مع مؤسسات دولية بصفته مستشارًا طبيًا، ما يعكس طبيعة عمله المدني والخدمي التي لا تمتلك أي بعد عسكري.

حقوقي متخصص يكشف حقيقة الصفة الإدارية "عقيد" في الملفات الطبية بغزة

في سياق متصل، أكد مدير قسم الأسرى في منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان في إسرائيل، ناجي عباس، في تصريح لمسبار، أن صفة "عقيد" التي تُستخدم في غزة للإشارة إلى الدكتور حسام أبو صفية صفة صحيحة في أصلها الإداري، لكنها مدنية خالصة لا تحمل أي مدلول عسكري، باعتباره طبيبًا مختصًا في طب الأطفال. وأضاف أن هذه الصفة تُستخدم تنظيميًا داخل الجهاز الصحي، ولا ترتبط بانتماء لجهة عسكرية أو جناح مسلح، خلافًا لما تزعمه وسائل الإعلام الإسرائيلية.

وأوضح عباس أنه لو كانت هذه المزاعم صحيحة، لكانت النيابة الإسرائيلية قد وجهت لائحة اتهام رسمية إلى الدكتور أبو صفية، سواء بتهمة الانتماء لحركة حماس أو بحيازة رتبة عسكرية. لكنه أشار إلى أنه حتى اليوم، لا توجد ضده أي لائحة اتهام في هذا السياق، وهو ما ينفي قانونيًا صحة الادعاءات المتداولة إعلاميًا حول رتبته أو دوره المزعوم.

واعتبر عباس أن غياب هذه الاتهامات الرسمية دليل على أن ما يجري ترويجه هو معلومات مضللة جرى انتزاعها من سياقها. وأوضح أن اعتقال أبو صفية يتم وفق قانون "المقاتلين غير الشرعيين"، وهو توصيف لا يستند إلى أي أساس في القانون الدولي، الذي لا يعترف بمصطلح من هذا النوع أصلًا.

وأكد المحامي أن مجمع كمال عدوان منشأة طبية مدنية تابعة للجهات الحكومية في غزة، وتقدم خدماتها لجميع السكان، بصرف النظر عن البنية السياسية الحاكمة. وشدد على أن الإعلام الإسرائيلي يسعى عبر هذه المزاعم إلى تجريم البنية المؤسسية في غزة بالكامل، بما في ذلك القطاعات الطبية والتعليمية، عبر ربطها بحماس، في محاولة لتبرير استهدافها أو نزع صفتها المدنية.

نبذة عن المسار المهني للدكتور حسام أبو صفية

يُعد الدكتور حسام أبو صفية أحد أبرز المختصين في طب الأطفال وحديثي الولادة في قطاع غزة، ويشغل مكانة مهنية معروفة في الوسط الطبي المحلي، تولى قبل اعتقاله منصب مدير مستشفى الأطفال في مجمع كمال عدوان، وهو المنصب الذي تقلده منذ افتتاح المجمع في ديسمبر 2016.

وُلد أبو صفية في مخيم جباليا، حيث أتم تعليمه الأساسي، قبل أن ينتقل إلى كازاخستان لدراسة الطب في جامعة أحمد ياساوي في مدينة تركستان، وتخرج فيها عام 1996. وخلال السنوات الأخيرة، ارتبط اسمه بتقديم خدمات طبية في ظروف استثنائية، خصوصًا خلال العمليات العسكرية الإسرائيلية على قطاع غزة، إذ واصل عمله داخل المستشفى رغم التهديدات المباشرة والقصف الذي تعرضت له المنطقة.

كما شغل أبو صفية منصب الطبيب الرئيسي لمشاريع منظمة MedGlobal في غزة، وأشرف من خلاله على برامج تدريبية متعددة استهدفت الأطباء الشبان والممرضين في مجال إنعاش الأطفال وعناية حديثي الولادة، الأمر الذي أكسبه حضورًا مهنيًا واسعًا في المحافل الطبية المحلية والدولية.

آليات التضليل والمغالطة الرقمية

سبق لمسبار أن تناول في تحقيق مستقل منهجية إيتان فيشبرغر في صناعة وترويج السرديات المضللة، التي تُستخدم لتبرير الاعتداءات الإسرائيلية أو لتشويه الفلسطينيين وتقويض التضامن معهم، كما حدث في حالة الدكتور حسام أبو صفية.

وتتبع التحقيق نشاط فيشبرغر على موقع إكس، محللًا عددًا من الحملات الرقمية التي قادها عبر منشورات ومقالات قدمها بوصفها "تحقيقات OSINT"، بينما هي في الواقع قائمة على انتقاء مصادر جزئية وتوظيفها خارج سياقها لتوليد اتهامات جاهزة. وأظهر التحليل اعتماده هذا الأسلوب في حالة أبو صفية، حيث عمد إلى استغلال لقب إداري مدني واستخدامه كدليل مزعوم على انتماء عسكري.

كما بين التحقيق أن فيشبرغر يركز في حملاته على استهداف فئات بعينها، كالصحفيين، والعاملين في القطاع الطبي والإنساني، والمؤسسات الدولية، عبر أدوات تضليلية تشمل الانتقائية، وإعادة تأطير المعلومات، والمبالغة في استخدام المصطلحات العسكرية، بهدف خلق انطباع زائف بوجود أدلة دامغة.

ولا يكتفي فيشبرغر بإنتاج هذه المزاعم، بل يعمل على تحويلها إلى روايات قابلة للتداول عبر شبكة تضخيم رقمية منظمة، تضم حسابات موثقة وشخصيات سياسية وإعلامية. وتتولى هذه الشبكات مشاركة منشوراته أو الاستشهاد بها في تصريحات إعلامية، بما يمنح المحتوى الذي ينتجه مظهرًا من الموثوقية، رغم افتقاره لأي أساس مهني أو توثيقي مستقل.

منهجية إيتان فيشبرغر في صناعة وترويج السرديات المضللة

اقرأ/ي أيضًا

كيف تعامل إسرائيل الأطباء الفلسطينيين بعيدًا عن عدسات الكاميرا؟

عامان من الإبادة على غزة: مزاعم إسرائيلية بوجود مقرات وأنفاق أسفل المستشفيات

المصادر

اقرأ/ي أيضًا

الأكثر قراءة

مؤشر مسبار
سلّم قياس مستوى الصدقيّة للمواقع وترتيبها
مواقع تم ضبطها مؤخرًا
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
عرض المواقع
bannar