دراسة IMPACT-se تتهم المنهاج الفلسطيني 2025-2026 بالتحريض | مسبار
شهدت السنوات الأخيرة تزايدًا في الاعتماد الدولي على تقارير مؤسسات متعددة لتقييم محتوى المناهج الفلسطينية، خصوصًا في سياق النقاش المتعلّق بتمويل الجهات المانحة. وتقدّم هذه المؤسسات نفسها كجهات بحثية متخصصة، إلا أن مراجعة منهجياتها تشير إلى اعتمادها على اقتطاع نصوص من سياقها، وتعميم أمثلة جزئية بوصفها تُمثل المنهاج بأكمله، إضافة إلى تفسير مفاهيم مرتبطة بالواقع السياسي الفلسطيني باعتبارها مؤشرات على التحريض.
يتتبع "مسبار" في هذا المقال كيفية تشكّل خطاب "التحريض" حول المناهج الفلسطينية، عبر تحليل منهجيات الانتقاء واقتطاع النصوص وتفسير المفاهيم الوطنية خارج سياقها التربوي، إلى جانب إبراز الدور الذي تلعبه هذه التقارير في صياغة صورة دولية عن التعليم الفلسطيني، وتأثيرها على مواقف الجهات المانحة، ولا سيما الاتحاد الأوروبي.
معهد IMPACT-se: أداة إسرائيلية لتشكيل الخطاب الدولي حول المناهج الفلسطينية
تأسس معهد IMPACT-se في القدس المحتلة عام 1998، ويعرّف نفسه كمؤسسة دولية متخصصة في مراقبة وتحليل المناهج المدرسية حول العالم، ملتزمًا بـ"المعايير الدولية للسلام والتسامح ونبذ العنف".
يعرف معهد IMPACT-se نفسه كمؤسسة دولية متخصصة في مراقبة وتحليل المناهج المدرسية حول العالم
ومع ذلك، فإن المعهد ليس جهة دولية محايدة، بل مؤسسة إسرائيلية، ويعتمد على منهجية محددة تقوم بمراجعة شاملة للكتب المدرسية من الصف الأول وحتى الصف الثاني عشر، في جميع المواد الدراسية، بما في ذلك العلوم والرياضيات واللغة والتربية الإسلامية والتاريخ.
وتشمل أدواته بحسب رصد مسبار اقتطاع نصوص محددة، واختيار أمثلة بعينها، وتفسيرها خارج سياقها الأصلي بهدف تقديم صورة كلية عن المناهج.
وتُستخدم هذه الطريقة لتشكيل رواية تحريضية تُظهر المناهج الفلسطينية على أنها تهدف إلى "تعزيز الكراهية أو العنف أو رفض الآخر"، بغض النظر عن التوزيع الفعلي للمضامين داخل الكتب.
وتنبع أهمية المعهد من عدة ركائز رئيسية تتمثّل في حجم إصداراته المتجددة مع كل دورة من المناهج، ما يمنحه القدرة على متابعة التغييرات باستمرار، إضافة إلى ارتباطه بالعمل السياسي، حيث تُستخدم تقاريره أساسًا لقرارات في الاتحاد الأوروبي والكونغرس الأميركي.
كما يظهر تأثيره في الإعلام الغربي من خلال إبراز مزاعم التحريض المرتبطة بالمناهج، فضلًا عن مساهمته المباشرة أو غير المباشرة في تعديل بعض المناهج، كما حدث في السلطة الفلسطينية أو في الإمارات بعد توقيع الاتفاقيات الإبراهيمية.
وبذلك يتحول عمل المعهد من مجرد مراقبة أكاديمية إلى أداة ضغط سياسي ودولي، تمتلك قدرة واضحة على تشكيل الرأي العام العالمي تجاه المناهج الفلسطينية، عبر الجمع بين التأثير البحثي والإعلامي والسياسي في آن واحد.
دراسة IMPACT-se تتهم المنهاج الفلسطيني 2025-2026 بالتحريض
في نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، أصدر معهد IMPACT-se دراسة اتهم فيها المنهج الفلسطيني للعام 2025-2026 باحتواء محتوى تحريضي ضد إسرائيل وتعزيز صور نمطية معادية لليهود.
اعتمدت الدراسة على مراجعة 290 كتابًا و71 دليل معلم تُدرّس في مدارس الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، بما في ذلك مدارس الأونروا، وهي مواد تعليمية يستفيد منها أكثر من 1.3 مليون طالب.
دراسة IMPACT-se تتهم المنهج الفلسطيني 2025-2026 بالتحريض ضد إسرائيل ومعاداة اليهود
وأشارت الدراسة إلى أمثلة تقول إنها تُظهر محو إسرائيل من الخرائط، والتحريض على معاداة السامية والعنف، إضافة إلى تقديم شخصيات مصنّفة إسرائيليًّا على أنها "إرهابية" بوصفها نماذج للبطولة. كما يتهم التقرير بعض الكتب بتضمين مشاهد عنف وتوظيف مفاهيم الجهاد داخل المواد بشكل يراه مخالفًا للمعايير الدولية المعتمدة لدى اليونسكو، رغم التزامات سابقة بين السلطة الفلسطينية والاتحاد الأوروبي بإجراء إصلاحات في هذا المجال.
وقدمت الدراسة تحليلًا تفصيليًا لـ181 مثالًا صنّفتها ضمن تسعة محاور رئيسية هي: معاداة السامية، تشجيع الجهاد والاستشهاد، تسييس العلوم والرياضيات، تبرير وتمجيد العنف، التشهير والمؤامرات، الكراهية ورفض "الآخر"، عدم الاعتراف بإسرائيل، وعدم المساواة بين الجنسين.
ويضم كذلك فصلًا يستعرض 29 مثالًا لمحتوى من مناهج السلطة الفلسطينية لما قبل عام 2016، والتي حُذفت دون أي بديل من الكتب المدرسية المستخدمة حاليًا. ويرفق التقرير بكل مثال تحليلًا وصورًا من الكتب المدرسية مع ترجمة للنصوص الواردة فيها.
حللت الدراسة 181 مثالًا في 9 محاور رئيسية مع استعراض 29 مثالًا من المناهج السابقة المحذوفة
الدراسة تتهم المناهج الفلسطينية بـ"تسييس العلوم والرياضيات وتشجيع الجهاد"
ركزت الدراسة على ما وصفته بـ"تسييس العلوم والرياضيات" من خلال أمثلة دُمجت فيها مفاهيم وطنية ودينية في سياقات تعليمية. تضمنت هذه الأمثلة مسائل رياضية حول عدد "الشهداء"، واستخدام صور شخصيات أو رموز وطنية في كتب العلوم لتوضيح مفاهيم علمية، بالإضافة إلى إشارات إلى أحداث تاريخية فلسطينية مثل الانتفاضات أو ملف الأسرى.
وفي محور ما وصفته الدراسة بـ"التشجيع على الاستشهاد والجهاد العنيف"، أوردت 41 مثالًا تربطها بتعزيز العنف، استنادًا إلى دروس في التربية الإسلامية والنصوص الأدبية. واستُخدمت مفاهيم الجهاد والشهادة في السياق الديني والتاريخي لتقديمها كمؤشرات تحريضية، دون التمييز بين السياق الديني الواسع والسياق السياسي المعاصر.
مزاعم معاداة السامية وخطاب المؤامرة
استندت الدراسة إلى أمثلة من الكتب المدرسية لتقديم صورة عن خطاب معادٍ للسامية، مثل الرسوم الكاريكاتيرية أو النصوص التاريخية. كما اعتبرت بعض الأنشطة التعليمية، مثل الإشارة إلى أحداث إسرائيلية تاريخية، مؤشرًا على وجود خطاب مؤامرة.
مزاعم خطاب الكراهية وعدم الاعتراف بإسرائيل
وضعت الدراسة محتوى المناهج في سياق عدم الاعتراف بإسرائيل من خلال خرائط ومراجع تاريخية تُظهر فلسطين بحدودها التاريخية. كما أوردت الدراسة أمثلة عن محتوى يُفسّر على أنه يكرّس خطاب كراهية تجاه "الطرف الآخر"، بما في ذلك نصوصًا أدبية وقصصية.
الجندر في المناهج الفلسطينية
اعتبرت الدراسة محتوى يتعلق بالأدوار الجندرية في كتب التربية الإسلامية والدينية مؤشرًا على تحيز أو خطاب تمييزي، متضمنًا نصوصًا حول مسؤولية المرأة أو تفسير الحجاب كوسيلة حماية اجتماعية، دون تحليل السياق الفقهي أو التفسيرات المتعددة في الفكر الإسلامي.
من مراكز الأبحاث إلى الإعلام الإسرائيلي: إعادة تدوير سردية التحريض
تصدّرت دراسة IMPACT-se عن المناهج الفلسطينية اهتمام وسائل الإعلام الإسرائيلي، إذ ركّزت على محتوى الكتب المدرسية والمناهج في المدارس الفلسطينية، من بينها تايمز أوف إسرائيل ويديعوت أحرونوت، التي أبرزت الدراسة ضمن تقاريرها، مركّزة على جوانب مثل تقديم شهداء فلسطينيين كنماذج للأطفال، واستخدام الخرائط التي لا تُظهر إسرائيل، ومواضيع تتعلق بالمقاومة والصراع.
وأشارت هذه التقارير إلى أمثلة محددة ذكرتها الدراسة، بما في ذلك بعض العمليات مثل عملية ميونيخ 1972 وعملية كمال عدوان عام 1978، بالإضافة إلى دمج بعض مفاهيم المقاومة في مواد تعليمية متعددة، بما في ذلك العلوم والرياضيات. كما ركّزت وسائل الإعلام على النقاش حول الرسائل التي قد تُنقل للأطفال بشأن الموت والشهادة والقيم المرتبطة بها.
دراسة IMPACT-se عن المناهج الفلسطينية تجذب اهتمام الإعلام الإسرائيلي
تقرير FDD يروج لسردية التحريض استنادًا إلى دراسة IMPACT‑se
اعتمدت مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات (FDD) في تقرير نشرته، في مارس/آذار الفائت، بشكل أساسي على دراسة سابقة أعدها معهد IMPACT‑se عن مناهج المدارس في غزة، لتوثيق استمرار محتوى تحريضي ضد اليهود وإسرائيل، وفقًا للدراسة، رغم التعهدات السابقة للسلطة الفلسطينية بإصلاح المناهج.
وذكر التقرير أن الدراسة كشفت أن الكتب المدرسية تصوّر اليهود بأنهم "كاذبون ومخادعون"، وتصف إسرائيل بأنها "كيان استعماري غير شرعي"، وتمجّد الجهاد والشهادة، بينما تُمحى الدولة الإسرائيلية من الخرائط والمواد التعليمية.
وأضاف التقرير أن الدراسة سجلت ممارسات تعليمية تحتفي بأحداث العنف، مثل هتافات ورقصات طلابية تمجّد يوم السابع من أكتوبر. واستند تقرير FDD إلى هذه الملاحظات ليؤكد أن المناهج تمثل دمجًا بين معاداة السامية الدينية ومعاداة الصهيونية الحديثة، وتكرّس ثقافة العنف، فيما تظهر الجهود الدولية لإصلاح المناهج غير فعّالة عمليًا.
تقرير FDD يروج لسردية التحريض استنادًا إلى دراسة IMPACT‑se
البرلمان الأوروبي يجمّد تمويل السلطة الفلسطينية بسبب المناهج الدراسية
في مايو/أيار الفائت، صوّت البرلمان الأوروبي على قرار يقضي بتجميد المساعدات المالية المقدمة للسلطة الفلسطينية، بسبب استمرار ما وصفه النواب بـ"التحريض في المناهج الدراسية".
وجاء القرار ضمن مراجعة الميزانية السنوية للاتحاد الأوروبي، حيث أعرب النواب للعام السادس على التوالي عن إدانتهم لمحتوى المناهج التعليمية المعتمدة من قبل السلطة الفلسطينية والأونروا، واعتبروا أنها تتضمن "معاداة السامية، تحريضًا على العنف، خطاب كراهية، وتمجيد الإرهاب".
وكان البرلمان قد حدد موعدًا نهائيًا لإصلاح المناهج، في سبتمبر/أيلول الفائت، مؤكدًا أن استمرار المساعدات الأوروبية سيكون مرتبطًا بتنفيذ هذه التعديلات بشكل فعلي وإزالة أي "محتوى تحريضي أو معادٍ للسامية".
وقد حظي القرار بدعم واسع من مختلف الكتل السياسية في البرلمان الأوروبي، وصوّت لصالحه 443 نائبًا، مقابل 202 نائبًا صوتوا ضده، بينما امتنع 21 نائبًا عن التصويت.
اليونسكو تدعم جهود فلسطين لمواءمة المناهج مع معايير السلام وحقوق الإنسان
أعربت المديرة العامة لليونسكو، أودري أزولاي، عن ترحيبها بالتزام السلطة الفلسطينية بمواءمة مناهجها الدراسية مع توصية اليونسكو لعام 2023 حول التربية من أجل السلام وحقوق الإنسان والتنمية المستدامة.
وأكدت دعم المنظمة لإجراء حوار وطني شامل لوضع إطار للمناهج واستراتيجية تدريب المعلمين، بالتعاون مع مكتب التربية الدولي.
تظهر قضية المناهج الفلسطينية أن الجدل حول محتواها لم يعد مجرد نقاش تربوي، بل أصبح ساحة صراع سياسي ودولي. فالمسألة ليست في النصوص التعليمية بحد ذاتها، بل في من يمتلك الحق في تفسيرها وتوظيفها سياسيًا.
وتُستخدم تقارير ودراسات عديدة حول هذه المناهج لتشكيل صورة عالمية عن التعليم الفلسطيني وتوجيه مواقف الجهات المانحة، بما يربط التمويل بشروط محددة. وتتداخل في هذا السياق السياسة، والأمن، والتمويل الدولي، ما يحوّل المناهج من أداة تعليمية إلى أداة نفوذ واستقطاب سياسي. وتشير هذه الديناميكية إلى أن أي إصلاح أو تعديل في المناهج يواجه تحديات تتجاوز البعد التربوي، لتصبح عملية التعليم جزءًا من صراع أوسع على الرأي العام والقرار الدولي.