سياسة

ادعاءات بأن السوريين يمثلون عبئًا اجتماعيًا واقتصاديًا في ألمانيا: ما حقيقتها؟

صفاء شرباصفاء شربا
date
١٣ جمادى الآخرة ١٤٤٧ هـ
آخر تعديل
date
٥:١٠ ص
١٦ جمادى الآخرة ١٤٤٧ هـ
ادعاءات بأن السوريين يمثلون عبئًا اجتماعيًا واقتصاديًا في ألمانيا: ما حقيقتها؟
بلغت نسبة السوريين العاملين ألمانيا نحو 42% في سبتمبر 2024 | مسبار

يشكل السوريون، باعتبارهم من أكبر المجموعات المهاجرة إلى ألمانيا مُنذ عام 2015، محورًا رئيسًا للادعاءات والصور النمطية السلبية عن المهاجرين في البلاد. ويتصدرون عناوين الصحف التي تصف المهاجر أو اللاجئ السوري بـ "الكسول" أو "العالة على الدولة"، وكثيرًا ما تسعى وسائل الإعلام إلى استخدام الإحصائيات المتعلّقة بالإعانات الاجتماعية والقصص الفردية لتعزيز تلك الصورة السلبية عنهم، متجاهلةً في كثير من الأحيان البيانات التي تُظهر مساهماتهم الحقيقية في الاقتصاد وسدّ النقص في اليد العاملة الذي تعاني منه العديد من القطاعات الحيوية في سوق العمل الألماني.

عنوان عريض في صحيفة فيلت الألمانية (WELT)، يقول: ثلثا السوريين لا يعملون وكثير منهم يجب أن يعود
عنوان في صحيفة فيلت الألمانية (WELT)، يقول: ثلثا السوريين لا يعملون وكثير منهم يجب أن يعود

يتناول "مسبار" في هذا المقال محدودية هذه السردية الإعلامية، التي تبالغ في تصوير السوريين على أنهم غير مندمجين اقتصاديًّا في المجتمع الألماني ويشكلون عبئًا على المجتمع، ويركز على دور هذا الخطاب في ترسيخ صورة مضللة عن السوريين لدى جزء كبير من الرأي العام الألماني وتقديم رؤية غير دقيقة لدورهم في الاقتصاد والمجتمع.

على وسائل التواصل الاجتماعي: سرديّة اللاجئ/المهاجر الذي يعيش على حساب دافعي الضرائب

تنتشر هذه السردية بكثافة على مواقع التواصل الاجتماعي في ألمانيا، حيث يُعيد مستخدموها مشاركة الأخبار والتصريحات السياسية المتعلقة باللجوء بكثافة، غالبًا من دون التأكد من صحتها أو وضعها في سياقها الصحيح. ويزداد انتشار هذا الخطاب مع تصاعد الجدل والنقاش حول مستقبل اللاجئين السوريين في ألمانيا والحديث عن ضرورة ترحيل قسم منهم، لاسيما بعد سقوط نظام الأسد

في هذا السياق، يجري الترويج على نطاق واسع لفكرة أن غالبية السوريين يعيشون على إعانات النظام الاجتماعي ويشكّلون عبئًا ثقيلًا على الخزينة العامة وأن الحكومة الألمانية أخفقت في إدماجهم في سوق العمل. 

منشور على منصة إكس ينتقد الحكومة الألمانية ويزعم أن غالبية السوريين يحصلون على إعانات من أموال دافعي الضرائب وأن الحكومة الألمانية فشلت في إدارة ملف اللجوء
منشور على منصة إكس ينتقد الحكومة الألمانية ويزعم أن غالبية السوريين يحصلون على إعانات من أموال دافعي الضرائب وأن الحكومة الألمانية فشلت في إدارة ملف اللجوء

كذلك يدّعي بعض المنتقدين أن السوريين لا يقدّمون أي مساهمات تُذكر في مختلف القطاعات، بما فيها القطاع الطبي الذي يُعد من أبرز القطاعات التي تعاني من نقص حاد في الكوادر في ألمانيا.

منشور على منصة إكس يدّعي أن الأطباء السوريين لا يؤدّون أي دور يُذكر في النظام الصحي الألماني ولا يتركون أثرًا حقيقيًا في مواجهة نقص الكوادر الطبية في البلاد
منشور على منصة إكس يدّعي أن الأطباء السوريين لا يؤدّون أي دور يُذكر في النظام الصحي الألماني ولا يتركون أثرًا حقيقيًا في مواجهة نقص الكوادر الطبية في البلاد

وقد تصاعد الخطاب المعادي للاجئيين السوريين، منذ عام 2015، تاريخ فتح ألمانيا لحدودها أمام أعداد كبيرة من اللاجئين أبرزهم من الجنسية السورية، وترافق ذلك مع تغطية إعلامية واسعة تراوحت فيها وجهات النظر بين مؤيد لسياسة الحكومة بوصفها استجابة لأزمة إنسانية وبين معارض يرى فيها "أزمة لجوء".

استغلت هذا الخطاب، على وجه الخصوص، المجموعات اليمينية واستخدمته ذريعة لتتهم الإعلام الحكومي بالسعي إلى تقديم صورة مثالية ووردية عن اللاجئين لتشجيع المجتمع على تقبل سياساتها في هذا الملف، وروجت إلى كونهم يشكلون تهديدًا أمنيًا واجتماعيًا لتبرير الاتجاه نحو تبني سياسات أكثر تشدُّدًا فيما يخص اللجوء والهجرة.

وركزت هذه المجموعات على تعميم تجاوزات فردية قام بها مهاجرون/لاجئون، بهدف ترسيخ هذه الصورة النمطية، وتوجيه الرأي العام.

تقرير صحفي لمجلة بيلد BILD عن حادثة طعن في ألمانيا يبدو فيه تركيز المجلة بوضوح على جنسية الفاعل وحقيقة أنه من خلفية مهاجرة
تقرير صحفي لمجلة بيلد BILD عن حادثة طعن في ألمانيا مع تركيز المجلة بوضوح على جنسية الفاعل وحقيقة أنه من خلفية مهاجرة 

المهاجرون واللاجئون "شمّاعة" لأزمات أعمق

في السنوات الأخيرة، تزايد استغلال اللاجئين والمهاجرين في الإعلام الألماني، وإظهار أنهم السبب الرئيسي للأزمات التي تعاني منها البلاد كارتفاع نسبة البطالة وأزمة السكن وتراجع الدعم الاجتماعي الحكومي.

وانتشرت في وسائل الإعلام التقليدية ووسائل التواصل الاجتماعي، الأخبار المضللة والمبالغات الإعلامية التي تُحمّلهم مسؤولية ارتفاع الأسعار وصعوبة العثور على سكن وتراجع جودة الخدمات في المجتمع الألماني، وتزعم أنهم عبء على الدولة أو سبب في ارتفاع معدلات الجريمة. وتستثمر الأحزاب الشعبوية والحركات اليمينية هذا المناخ السياسي عن طريق التركيز على الاختلافات الثقافية والدينية والقومية بين "الألمان الأصليين" واللاجئين أو المهاجرين عمومًا، معتبرة إياهم رمزًا للهجرة الجماعية غير المنضبطة وما يُفترض أن يرافقها من تهديد مزعوم لرفاهية "الأمة" وهويتها.

خبير اقتصادي ألماني: إذا أغلقت ألمانيا حدودها أمام اللاجئين الجدد، فستستقر دولة الرفاه على المدى القصير
خبير اقتصادي ألماني: إذا أغلقت ألمانيا حدودها أمام اللاجئين الجدد، فستستقر دولة الرفاه على المدى القصير

لكن هذه السردية، تتناقض مع الإحصاءات الرسمية ونتائج الدراسات المتخصصة حول دور المهاجرين وتتجاهل الأسباب الحقيقية للأزمات القائمة، مثل سياسات الإيجار المتشددة، وتراجع الاستثمار الحكومي في بناء المنازل، وسوء التخطيط العمراني، والاضطرابات التي يتعرض لها سوق العمل، إضافةً إلى تأثير الأزمات الاقتصادية العالمية. وهكذا يتحوّل اللاجئون إلى "شمّاعة" تُعلَّق عليها إخفاقات متراكمة، بينما يُهمَّش النقاش الجدي حول جذور هذه المشكلات وسياسات الدولة التي أدّت إلى تفاقمها.

الواقع بالأرقام: ماذا تقول البيانات الرسمية؟

تُظهر البيانات الرسمية أن العمال السوريين باتوا يشكّلون جزءًا أساسيًا من قوة العمل في ألمانيا، ويسهمون بصورة ملموسة في سدّ نقص اليد العاملة، سواء في المهن التي تتطلب خبرة أو تدريبًا مهنيًا. 

إذ يعمل كثير من السوريين في قطاعات حيوية مثل الرعاية الصحية، ودور المسنين، والبناء، والخدمات اللوجستية، وتوصيل الطلبات، وغيرها. فمثلًا تشير الإحصاءات الرسمية إلى وجود نحو 6121 طبيبًا سوريًا مسجّلين في ألمانيا من غير الحاصلين بعدُ على الجنسية الألمانية، يضاف إليهم آلاف الأطباء من أصل سوري ممن يحملون الجنسية الألمانية ويعملون بدوام كامل ضمن قطاع الصحة.

وفقًا لوكالة العمل الاتحادية ومعهد أبحاث سوق العمل، يواصل معدل التوظيف بين المواطنين السوريين ارتفاعه في السنوات الأخيرة، إذ بلغت نسبة السوريين العاملين نحو 42% في سبتمبر/أيلول 2024، أي ما يعادل حوالي 287 ألف موظفًا وموظفة، من بينهم 236 ألف موظف في وظائف بدوام كامل خاضعة للتأمينات الاجتماعية. بينما لم يتجاوز عدد العاملين السوريين في هذا النوع من الوظائف نحو 8 آلاف شخص فقط في عام 2014، وتعد هذه زيادة ضخمة في مدة قصيرة نسبيًا، وهي وإن كانت تعكس الارتفاع الحاصل في أعداد السوريين في ألمانيا نتيجة ظروف الحرب في سوريا إلا أنها تبرهن كذلك على تحولهم التدريجي من فئة "قيد اللجوء" إلى فاعلين حقيقين في سوق العمل.

رسم بياني يبيّن أن نسبة السوريين العاملين(الرجال والنساء) في ألمانيا ترتفع تدريجيًا مع ازدياد عدد سنوات الإقامة، مع بقاء فجوة بين الرجال والنساء وإن كانت تتقلّص مع الوقت
رسم بياني يبيّن أن نسبة السوريين العاملين (الرجال والنساء) في ألمانيا ترتفع تدريجيًا، مع فجوة بين الرجال والنساء رغم تقلّصها /وكالة العمل الاتحادية

وبحسب بيانات الوكالة وحسب الرسم البياني أعلاه، ترتبط الزيادة في معدلات التوظيف مباشرةً بطول مدة الإقامة في ألمانيا، إذ تتحسن فرص دخول سوق العمل كلما طالت إقامة الفرد واستكمل متطلبات الاندماج. 

فمن الأسباب التي تحول دون حصول المهاجرين على العمل فور وصولهم إلى ألمانيا، عدم الاعتراف بالشهادات المهنية أو الجامعية، وافتقارهم للخبرة العملية داخل ألمانيا، فضلًا عن العقبات البيروقراطية ونقص فرص التدريب. ويضاف إلى ذلك الوقت الذي تستغرقه إجراءات اللجوء الطويلة، إضافة إلى الحاجة لتعلّم اللغة الألمانية، وهي عملية تتطلب غالبًا سنوات من الدراسة والتطور التدريجي قبل أن تسمح بالوصول إلى فرص عمل مستقرة.

أي أن هناك مسافة زمنية بين وصول اللاجئ وانخراطه في آليات الاندماج التعليمي والمهني، داخل المجتمع الألماني وصولًا إلى مساهماته في المجتمع الألماني، تستغلها بعض المجموعات المعادية للمهاجرين، في تشكيل صورة مجتزأة وغير دقيقة حول السوريين، ما يخلق انطباعات مضلّلة لدى الجمهور.

اقرأ/ي أيضًا

ترحيل اللاجئين السوريين في ألمانيا.. بين الواقع والشائعات المضللة

بعد أدائه في كأس العرب 2025.. هل اعتمدت سوريا نشيد "في سبيل المجد والأوطان" نشيدًا وطنيًا؟

المصادر

اقرأ/ي أيضًا

الأكثر قراءة

مؤشر مسبار
سلّم قياس مستوى الصدقيّة للمواقع وترتيبها
مواقع تم ضبطها مؤخرًا
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
عرض المواقع
bannar