عام على سقوط الأسد: الصورة تتقدّم على الكلمة والتضليل يفرض سرديته بصريًا
على امتداد عام كامل من التحولات السياسية بعد سقوط نظام الأسد، عمل "مسبار" على تفنيد الادعاءات المضللة والزائفة التي رافقت السياق السوري الجديد.
وخلال الفترة بين ديسمبر/كانون الأول 2024 ونوفمبر/تشرين الثاني 2025، نشر 518 مادة تحقق صُنفت منهجيًا إلى محتوى بصري: صور وفيديو، ومحتوى نصي: أخبار وتصريحات.
نتيجة التحليل أظهرت أنّ الصورة هي العمود الفقري لعمليات التضليل، إذ إن ما يقارب 89% من المواد المضللة كانت صورًا ومقاطع فيديو، توزعت بين منزوعة من سياقها، ومعدلة، أو مولدة بالكامل.
تفوق التضليل البصري في بيئة الاضطراب
تكشف بيانات مسبار أن بنية التضليل في سوريا خلال العام الأخير لم تكن مجرد تفضيل عابر للصورة على النص، بل كانت توجهًا نحو السرد البصري. فمن بين 518 مادة تحقق، كانت 460 مادة مرئية تمثل 88.8% مقابل 58 مادة نصية فقط (11.2%)، وهو تفاوت يعكس أولوية الصورة كأداة أساسية في تشكيل الرأي العام في لحظات الأزمة.
هذا التفوق المرئي يصبح أكثر وضوحًا عند ربطه بمبادئ علم النفس المعرفي، وتحديدًا "نظرية الترميز الثنائي"، التي تشير إلى أن الدماغ يعالج المعلومة عبر قناتين: قناة لفظية للنصوص وقناة بصرية للصور والفيديو. في هذا الصراع، تتفوق الصورة على النص لأن المعلومات البصرية تُشفّر مرتين: بصريًا ولفظيًا، ما يجعلها أكثر ثباتًا في الذاكرة وأسرع تصديقًا وأبطأ تكذيبًا، مقارنة بالنص الذي يُعالج مرة واحدة فقط.
شهد شهر ديسمبر 2024 ذروة التضليل وفقًا لبيانات مسبار، إذ رُصدت 109 ادعاءات. ولم تكن غالبية المواد البصرية مفبركة، بل اندرجت تحت تصنيف مضلل، أي أنه تم توظيف مشاهد قديمة من سوريا أو دولأخرى ونسبها إلى وقائع حديثة ضمن سياقات واضطرابات متعددة في البلاد.
التضليل المرئي: التلاعب بالذاكرة التاريخية عبر الصور والفيديو
كان السياق الأكثر بروزًا في التضليل البصري هو إعادة تدوير مشاهد قديمة وتقديمها خارج سياقها الزماني والمكاني، على سبيل المثال، فيديو يُظهر شابًا جزائريًا يلتقي عائلته بعد عودته من السفر، يُقدم على أنه لمعتقل محرر من سجن صيدنايا، أو فيديو انفجار في حي المزة يعود لعام 2024 يُستخدم لتضخيم حادثة جارية.
هذه الادعاءات تستغل القوة العاطفية للصورة لتثبيت إحساس بالحدث الفوري، وتستفيد من فراغ سردي هائل بعد سقوط النظام. يقول الباحث دانيال سيلفرمان في كتابه "Seeing Is Disbelieving: Why People Believe Misinformation in War, and When They Know Better" إن الناس يصدقون الكذب أكثر في الحروب كلما كانوا بعيدين عن مكان الأحداث؛ أما القريبون من الحدث ويستمرون برؤيته مع مرور الوقت، فالرؤية المباشرة (أو القرب من الواقع) هي التي تُمكّنهم من كشف الكذب ورفضه. باختصار: الكذب منتشر في النزاع، لكنه يُمكن تجاوزه عندما يكون الناس قريبين من الحدث مع الوقت والرؤية هي مفتاح عدم التصديق في الحرب.
وهذا بالضبط ما يحدث في سوريا اليوم: ملايين السوريين البعيدين عن بؤرة الصراع يتلقون مقاطع فيديو وصورًا منزوعة من سياقها، فتُصبح عندهم "الحقيقة الوحيدة المتاحة"، بينما من هم في قلب الحدث يكتشفون الكذب بسرعة أكبر.
على الجانب الآخر، انتشر المحتوى البصري المفبرك بالكامل والذي اعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدية أو التصميم الغرافيكي، على سبيل المثال انتشرت صورة زُعم أنها لمعتقل سوري عقب تحريره من سجن صيدنايا بينما هو محتوى مولد بالذكاء الاصطناعي. كما انتشر مقطع فيديو يصور دخول أول رتل نفط سعودي إلى سوريا بينما في الحقيقة هو تصميم رقمي.
يشكل هذا النوع من التزييف العميق (deepfake) تحديًا أكبر من المشاهد المنزوعة من سياقها، فوفقًا لدراسة حديثة أُجريت على نحو ألف مشارك، فإن عرض فيديو سياسي مصطنع يزيد من الشك في الأخبار الحقيقية، ويرفع مستوى عدم اليقين، ويُصعب مهمة مؤسسات التحقق، لأن الناس يميلون إلى تصديق المحتوى البصري الجذاب بصريًا أكثر من النصوص، حتى لو كان مزيفًا، مما يُعزّز الخداع العاطفي ويُضعف الثقة العامة في وسائل الإعلام. وهذا بالضبط ما يجعل التزييف العميق في السياق السوري سلاحًا خطيرًا يتطلب أدوات كشف تقنية متقدمة بشكل عاجل.

التضليل النصي: التلاعب بالمصدر والمصداقية المؤسسية
على عكس الصورة، يركز التضليل النصي على استهداف المصداقية المؤسسية واستغلال ثقة الجمهور بالمصادر الرسمية. فعقب تحليل 58 مادة تحقق تضمنت ادعاءات نصية، يظهر أنها لم تسعَ إلى إثارة العاطفة بقدر ما سعت إلى زعزعة الثقة بالقرارات والسياسات، سواء على المستوى الداخلي أو العلاقات الإقليمية.
على سبيل المثال، انتشر خبر مفبرك حول "تعيين يوسف الهجر نائبًا للرئيس أحمد الشرع"، كما تداول مستخدمون خبر"تعيين عبد الحكيم قطيفان نقيبًا للفنانين في سوريا". وبالنظر إلى نوع الادعاءات النصية يمكن الاستنتاج إلى أنها قد تلعب دورًا في خلق فوضى داخل الهياكل المؤسساتية الجديدة.
من جهة أخرى، قد تؤدي تصريحات زائفة منسوبة إلى دبلوماسيين كبار مثل "تصريح بن سلمان عن حق الأكراد في إنشاء دولة مستقلة في سوريا" أو خبر مفبرك بعنوان "رويترز: الحكومة السورية تدرس استبدال الليرة بالدينار الأموي" إلى تأجيج النزاعات الإقليمية والتشكيك في القرارات السياسية والاقتصادية.
تكشف دراسة حديثة نُشرت في مجلة نيتشر، أن المعلومات النصية الزائفة التي تستهدف السلطة أو العلاقات الدولية تبقى فعالة رغم وعي الجمهور بأنها غير حقيقية، لأنها تزرع الشك المستمر في مصداقية المصادر من خلال آليات نفسية مثل "التأثير المستمر"، إذ يُحتفظ بالمعلومات الكاذبة في الذاكرة حتى بعد التصحيح، مما يُقلل الثقة في المؤسسات بشكل ملحوظ في السياقات السياسية.
من منظور ثنائي، يمكن رؤية الصورة والنص على محورين متوازيين: الصورة تتحرك بسرعة، تستحوذ على الانتباه وتعيد كتابة المشهد العاطفي والمرئي، بينما النص يتحرك ببطء نسبي، لكنه يؤثر على القرار والمصداقية المؤسسية. الصورة تُصدق بسرعة وتُكذب بصعوبة لأنها تُخزن بصريًا ولفظيًا في الذاكرة، في حين أن النص يتطلب فحصًا لعقلانيته ولمصداقية للمصدر، ما يضعه في موقع أكثر تعقيدًا للتأثير العاطفي الفوري، لكنه يبني تأثيرًا طويل المدى على الثقة بالمؤسسات والهياكل الرسمية.
هذا التباين مدعوم بمراجعة منهجية شملت 39 دراسة نفسية حول العلاقة بين العاطفة والاستعداد للتضليل. أظهرت النتائج أن تأثير العاطفة يختلف بحسب نوعها وشدتها: الغضب أو الضغط الشديد يزيدان الاستعداد لقبول المعلومات الكاذبة، في حين أن الضيق القصير الأمد أو الضغط المعتدل قد يقللانه.
وهذا يُفسّر لماذا يبقى التضليل البصري العاطفي القوي – كالصور والفيديوهات المرعبة أو المثيرة للغضب – أكثر خطورة وانتشارًا في النزاعات، بينما التضليل النصي، الذي غالبًا ما يكون أقل عاطفية، يواجه مقاومة أكبر من الجمهور.
بعد سقوط الأسد: الصورة أصبحت عملة يومية
هذا التدفق البصري لم تنتجه الجهات السياسية وحدها، بل شارك فيه أفراد، وصفحات محلية، ونشطاء، ومستخدمون يبحثون عن دور في لحظة مضطربة. الجميع قدم صورًا ومقاطع فيديو؛ بعضها حقيقي، وبعضها مفبرك، وبعضها من سياقات مختلفة تمامًا. والنتيجة كانت موجة انتشار جعلت الصورة تتحول من وسيلة عرض إلى مادة تحظى بقيمة بقدر ما تُحدثه من تأثير وتفاعل.
ومع انهيار البنية التي كانت تضبط انتشار الشائعة، صار الجمهور نفسه هو من يمنح الصورة قوتها. كلما انتشرت أكثر، ازدادت قيمتها، وكلما اشتد القلق، ارتفع تأثيرها. بهذه الديناميكية، لم تعد الصورة تعكس الحدث فقط، بل بدأت تشكل فهم الناس له. بعض الأحداث اكتسبت حجمًا أكبر مما تستحق، وبعضها اختفى خلف ضباب بصري كثيف من مواد مُضللة.
عامٌ كامل على سقوط نظام الأسد أظهر أن التضليل في سوريا لم يعد مجرد أداة دعائية، بل أصبح جزءًا من بنية التواصل الاجتماعي نفسه في مرحلة انتقالية هشة.
اقرأ/ي أيضًا
الفيديو ليس لاحتفالات في السويداء بمناسبة ذكرى سقوط الأسد
الفيديو ليس لتخريب الحفل الموسيقي للفنان السوري مالك الجندلي في حمص






















