سياسة

عام على سقوط الأسد: التضليل عبر استغلال الطائفية والقومية في المشهد السوري الجديد

فاطمة عمرانيفاطمة عمراني
date
١٨ جمادى الآخرة ١٤٤٧ هـ
عام على سقوط الأسد: التضليل عبر استغلال الطائفية والقومية في المشهد السوري الجديد
بعض التضليل ركز على الرمزية الدينية أكثر من الاشتباكات المباشرة | مسبار

استُخدمت الانتماءات الطائفية والقومية في المشهد السوري بعد سقوط نظام الأسد، بوصفها أدوات مركزية في تشكيل الرأي العام. خلال عام كامل، رصد "مسبار" مجموعة واسعة من المواد الإعلامية المضللة التي وظفت هذه الانتماءات بشكل متعمد، سواء عبر الصور والمشاهد، أو الأرقام والإحصاءات، أو النصوص المصممة لإيصال رسائل استقطابية دقيقة.

التحليل المنهجي لهذه المواد أظهر أن التضليل الطائفي كان شديد الانتشار، مستفيدًا من المخاوف الجماعية المتجذرة وسرديات الانقسام الاجتماعي. تظهر المواد أن جزءًا من الخطاب الإعلامي لم يقتصر على نشر معلومات مضللة، بل صمم بعضها لتحفيز القلق، وترسيخ الانقسام، وإضفاء مبررات لوجود نفوذ محلي أو مسلح في بعض المناطق، مع إعادة تشكيل تصور الجمهور لما يُعدّ تهديدًا أو خطرًا على كل مكوّن اجتماعي.

يقدم هذا المقال قراءة تحليلية للمواد المضللة التي جمعها "مسبار"، مصنفة حسب نوع التضليل (طائفي، قومي)، كما يبحث في أهداف هذا التضليل وآلياته، ويستعرض أثره على الثقة المجتمعية والتماسك الاجتماعي، موضحًا كيف يمكن للهوية أن تتحول إلى أداة للتحريض والصراع ما يعكس تحديات مستمرة أمام الاستقرار الاجتماعي والإعلامي في سوريا.

فك شيفرة التضليل: تحليل الأهداف السردية للحملات

اعتمد هذا التحليل على منهجية الرصد الكمي لمواد التحقق التي نشرها "مسبار" خلال عام كامل تلا سقوط النظام. من أصل نحو 518 مادة تحقق، تناولت الشأن السوري، تم فرز 46 مادة تضمنت ذكر الهوية الطائفية أو القومية بصريح العبارة في عناوينها.

أظهرت الأرقام أن التضليل المذهبي/الطائفي (43 مادة) يسيطر بشكل كاسح، مشكلًا ما نسبته 93.5%. من مجموع المواد الهوياتية المرصودة، بينما شكّل التضليل القومي/العرقي (3 مواد) ما نسبته 6.5%. تشير هذه الأرقام إلى أن جزءًا واسعًا من المحتوى في مرحلة ما بعد السقوط ركّز على المخاوف المذهبية، ما ساهم في تشتيت الجمهور وتعبئته.

منهجيًا، جرى ترميز المواد وفق قواعد تصنيف محددة (تصنيف الموضوع: طائفي/قومي؛ آلية التضليل: بصري/نصي/إحصائي، وهدف الرسالة)، وتمت دراسة وتحليل المواد المنشورة في موقع "مسبار" بين ديسمبر/كانون الأول 2024، ونوفمبر/تشرين الثاني 2025.

يمكن تصنيف الأهداف السردية الكامنة وراء هذا التضليل ضمن ثلاثة مسارات وظيفية رئيسية:

صناعة الخوف: سردية الانتقام والاستهداف المباشر

إن النمط الأكثف في التضليل المرصود (أشار 21 ادعاء للطائفة العلوية بشكل مباشر)، يركز على ترسيخ قناعة مفادها أن المجزرة حتمية وأن ساعة الخطر باتت وشيكة، ما يؤدي في كثير من الحالات إلى تعقيد مسارات الاستقرار السياسي والاجتماعي. تتكرر في العناوين موضوعات الإعدام والتهديد الجماعي، بما يعزز وقع الخطر لدى المتلقي.

تتضح هذه الاستراتيجية في عناوين صادمة تم تداولها بكثافة، مثل فيديو لجنود النظام السابق المحتشدين على الحدود العراقية نشر على أنه لعلويين ينتظرون إعدامهم من قبل إدارة العمليات السورية الجديدة، أو فيديو قديم تم تداوله على أنه لعشائر سورية تُهدد الطائفة العلوية بعد سقوط النظام.

فيديو قديم تم تداوله على أنه لعشائر عربية تهدد الطائفة العلوية

إثارة الشقاق الداخلي

على النقيض، يظهر التضليل الذي طاول أحداث السويداء، نموذجًا يركز على بث الفتنة وتفتيت النفوذ المحلي. هذا النوع من التضليل ركّز في معظمه على مناطق الاحتكاك المباشر والمناطق التي شهدت حراكًا شعبيًا.

الآلية هنا هي تشويه سمعة مكون اجتماعي وإظهاره كتهديد أمني أو سياسي عبر ترويج أخبار عن الصراعات العشائرية أو التهم الدينية. من الأمثلة البارزة على هذه الاستراتيجية: عنوان "الفيديو ليس لإلقاء الدروز رجلًا من بدو السويداء بعد عودتهم للمدينة"، أو تضخيم فكرة استهدافهم كما في عنوان "الفيديو لمظاهرة مساندة لغزة في دمشق وليس لمطالبات بإعلان الجهاد ضد الدروز". ينتج عن هذا النوع من التضليل غالبًا حالة من التوتر الداخلي المستمر ومنع توحيد الجبهات الداخلية في وجه القوى الإقليمية المتنافسة.

فيديو تمثيلي أعيد نشره على أنه من السويداء

التعبئة بالرموز والمقدسات

بعض التضليل ركز على الرمزية الدينية أكثر من الاشتباكات المباشرة. هذا التكتيك مصمم للتعبئة خارج الحدود المحلية. تضمنت العناوين تضخيم صور هدم المقامات أو الترويج لقصص عن استهداف الكنائس والرهبان. الرسائل التي تحدثت عن "هدم مرقد شيعي في سوريا" أو "إعلان إيران عن تجهيز مقاتلين لحماية المقدسات الشيعية"، تساهم هذه الرسائل في تغذية سرديات "الحماية والتدخل" لدى جهات إقليمية.

فيديو من العراق أعيد استخدامه في السياق السوري

وبالمثل، تروج الادعاءات المتعلقة بالمسيحيين، مثل الذي فنده مسبار في مادة "الفيديو ليس لاعتراف خلية عراقية بالتخطيط لاستهداف كنيسة مار إلياس في سوريا"، لقصص رعب تهدف إلى استدراج الرأي العام الغربي.

فيديو مضلل يستهدف إثارة الذعر بين المسيحيين في سوريا

التضليل القومي في سوريا ما بعد الأسد

على الرغم من الكثافة المنخفضة للتضليل القومي الحرفي (3 مواد)، إلا أنه يركز وظيفيًا على قضايا المآلات السياسية للأراضي السورية ووحدتها. هذا التضليل يدفع نحو تعقيد أي مسارات تفاوض مستقبلية في مناطق التماس بين المكونات العرقية.

تمثلت العناوين في نشر أخبار عن "حق الأكراد في إنشاء دولة مستقلة"، أو تضخيم صور الصراع العرقي كما في تصريح مفبرك منسوب لمحمد بن سلمان عن حق الأكراد في إنشاء دولة مستقلة في سوريا، أو فيديو قديم منشور على أنه لتحطيم عناصر الإدارة السورية الجديدة قبور الأكراد في منبج حديثًا. يهدف هذا النمط إلى إثارة قلق إقليمي ودولي حول وحدة الأراضي السورية، ويعمل على تأجيج الخلافات بين المكونين العربي والكردي في مناطق شمال شرقي البلاد.

تصريح مفبرك منسوب لمحمد بن سلمان عن حق الأكراد في إنشاء دولة مستقلة بسوريا

الأثر المترتب: التعميم الهوياتي وتآكل الثقة المجتمعية

النتيجة الأبرز الناشئة عن هذا الاستهداف للهوية في فراغ ما بعد النظام، هي تفكك النسيج الاجتماعي وتآكل الثقة، وهو ما يمكن تحليله منهجيًا عبر تتبع ظاهرة التعميم ونتيجتها الاجتماعية المعروفة بـ"الاستقطاب الوجداني".

إن الأثر الأعمق للتضليل الهوياتي يكمن في تحويل الفعل الفردي أو الإجرامي المعزول إلى "جريمة جماعية وعقائدية". هذه هي الآلية التي وصفها "مسبار" سابقًا في تحليل التعميم كأداة للتضليل السياسي: نماذج من النقاش الرقمي السوري. ففي بيئة ما بعد التحول، حيث يسعى الجميع لإعادة بناء الأمن، يُضعف التضليل فرص المصالحة عبر تقويض الثقة المتبادلة وتعميم الخيانة أو العنف على طائفة أو قومية بأكملها.

لتوضيح ذلك، يتم رصد ترويج أخبار العنف في مناطق مثل الساحل السوري، كأخبار عن "مقتل شاب علوي على يد الجيش السوري حديثًا" أو "قطع رأس سوري علوي"، ليتم بعدها تعميم هذه الحوادث فورًا واعتبارها "مجزرة جديدة بحق علويين".

وبالمثل، في مناطق التماس، يتم تداول أخبار عن خلافات محلية أو أمنية وتحويلها إلى مؤشر على أن الطائفة بأكملها قد تكون مصدرًا للتوتر، كما في عناوين تروج لقصص "اشتباكات بين قوات الأمن العام ومسلحين دروز". إن الهدف الاستراتيجي من هذا التعميم هو إزاحة تصنيف العنف من كونه عملًا إجراميًا فرديًا يمكن معالجته قضائيًا، وتثبيته بدلًا من ذلك في سياق "الصراع المذهبي المحتوم". هذا يدفع الجمهور إلى التعبئة الجماعية، ويوجه الأفراد للتمسك بالهوية كإطار دفاعي وحيد.

النتيجة النهائية لهذا التضليل الهوياتي هي انهيار الثقة المتبادلة بين المكونات الاجتماعية، وهو ما يُعرف بـ الاستقطاب الوجداني، أي تحويل الخلافات السياسية إلى كراهية عاطفية ثابتة تجاه الآخر المذهبي أو القومي. وفي المشهد السوري الجديد، أدت هذه الحملات الموجهة إلى تقويض العودة الآمنة للنازحين عبر زرع الخوف من الانتقام، وعزل القوميات المستهدفة عبر ترويج أخبار الانفصال.

البيئة البنيوية لانتشار التضليل الهوياتي

من المهم الإشارة إلى أن انتشار هذا النمط من التضليل لم يكن وليد الرسائل بحد ذاتها، بقدر ما كان نتاجًا لبيئة إعلامية واجتماعية مضطربة. فمرحلة ما بعد السقوط اتسمت بغياب المؤسسات الرسمية، وانفلات مصادر المعلومات، وتضارب السرديات المحلية والإقليمية، ما جعل الجمهور يعتمد على المحتوى المتداول بصفته المصدر الأسرع وليس الأكثر دقة.

في هذه البيئة، أصبحت الهوية الطائفية والقومية مادة جاهزة لإعادة التدوير الإعلامي، إذ يتلقاها الجمهور في سياق مشحون مسبقًا، ما يزيد من قابلية انتشار الرسائل التي تحمل إيحاءات تهديد أو إقصاء. هذا العامل البنيوي أسهم في تضخيم أثر حملات التضليل، وأعطى للسرديات المضلِّلة وزنًا أكبر مما تملكه في الظروف العادية.

اقرأ/ي أيضًا

كيف ساهمت المعلومات المضللة في تأجيج أحداث الساحل السوري؟

مسبار يكشف عن حملة تحريض وكراهية ساهمت في تأجيج أحداث السويداء

المصادر

كلمات مفتاحية

اقرأ/ي أيضًا

الأكثر قراءة

مؤشر مسبار
سلّم قياس مستوى الصدقيّة للمواقع وترتيبها
مواقع تم ضبطها مؤخرًا
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
عرض المواقع
bannar