سياسة

ترامب يعلن استئناف التجارب النووية.. هل أجرت الصين تجارب سرية؟

محمد العترمحمد العتر
date
١٠ ديسمبر ٢٠٢٥
آخر تعديل
date
٤:٥٧ ص
١١ ديسمبر ٢٠٢٥
ترامب يعلن استئناف التجارب النووية.. هل أجرت الصين تجارب سرية؟
جاء إعلان ترامب بعد شكوك تخص إجراء الصين تجارب نووية سرية | مسبار

في 30 أكتوبر/تشرين الأول 2025، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، عبر منشور على منصة تروث سوشيال، أنه وجّه وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون)، لبدء تجارب الأسلحة النووية "فورًا"، و"على قدم المساواة مع قوى نووية مثل الصين وروسيا".

مثّل هذا الإعلان تحولًا مفاجئًا، بعد أكثر من ثلاثة عقود من من التجميد شبه الكامل لأنشطة التجارب النووية المفتوحة غربيًا، وفي الولايات المتحدة الأميركية خاصة، إذ كان آخر تفجير نووي أميركي أواخر عام 1992.

وحتى الآن لم يصدر عن الإدارة الأميركية إعلان رسمي بشأن مواعيد وأماكن التجارب النووية، لكن وزير الحرب بيتر هيغسيث، قال إن وزارته تتحرك بوتيرة سريعة لتنفيذ توجيهات ترامب، فيما صرّح وزير الطاقة كريس رايت بأنّ "الناس لن تشهد انفجارات أو شيئًا يُشبه التجارب النووية السابقة"، مُضيفًا "أعتقد أن الاختبارات التي نتحدث عنها الآن هي اختبارات للأنظمة.. لكنها لا تتضمن أي تفجيرات ذرية فعلية".

وفي حين يكتنف الغموض حقيقة التجارب النووية الأميركية المرتقبة، يبقى مجرد الإعلان عن الأمر من قبل ترامب، مثارًا للجدل الدولي حول التوازن النووي، والردع، ونزع السلاح النووي، وخطر سباق تسلح نووي مفتوح.

لماذا قررت الولايات المتحدة فتح ملف التجارب النووية الآن؟

أوقفت الولايات المتحدة الأميركية تجارب التفجير النووي منذ عام 1992، بعد أن أجرت أكثر من 1050 تجربة، بينها تجارب جوية وتحت الماء. لكن انهيار الاتحاد السوفييتي، مصحوبًا بضغوط الكونغرس لفرض تجميد مؤقت، أدى إلى إنهاء مشاريع التجارب النووية الفعلية، ما مهّد بدوره إلى صياغة معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية التي وقعت عليها الولايات المتحدة في عهد كلينتون، عام 1996، دون أن تصادق عليها رسميًا حتى الآن إلى جانب دول نووية أخرى مثل الصين وإسرائيل، فيما لم توقع أو تصادر عليها دول نووية مثل باكستان، كوريا الشمالية، والهند.

ومنذ ذلك الحين، اعتمدت الولايات المتحدة الأميركية على اختبارات المحاكاة، بعد أن أطلق البنتاغون برنامج "Stockpile Stewardship" (إدارة المخزون)، لتقييم سلامة وكفاءة مخزون الأسلحة النووية، وحتى تحديثه، وذلك نظريًا، باستخدام البيانات العلمية والمحاكاة، ليكون ذلك البرنامج بديلًا عن النهج السابق الذي اعتمد ثلاث مراحل أساسية لإنتاج وتطوير السلاح النووي: التصميم، ثم الاختبار ثم التصديق.

وثيقة رسمية عن برنامج Stockpile Stewardship صادرة عن مكتب مراقبة الأسلحة بوزارة الخارجية الأميركية عام 1999

لكن بالنسبة إلى دونالد ترامب "فلم يكن لديه خيار آخر"، بحسب ما قال في منشوره على تروث سوشيال، مشيرًا إلى روسيا والصين بوصفهما منافسين قويين على وشك أن يعادلا القوة النووية الأميركية، وقد أحال قراره بإعادة تجارب الأسلحة النووية إلى أن تكون الولايات المتحدة "على قدم المساواة مع برامج الاختبار التي تجريها دول أخرى".

من جانبها، ترى الإدارة الأميركية ممثلة في تصريحات مسؤولين مثل وزيري الدفاع والطاقة ونائب الرئيس جيه دي فانس، أن قرار إعادة تجارب الأسلحة النووية هو بمثابة ضمان لـ"صلاحية الترسانة" و"ردع موثوق" في ضوء ما تعدّ تحديات نووية عالمية.

مع ذلك، وفي حال اقتصرت التجارب على اختبارات عير تفجيرية، كما قال وزير الطاقة في تصريحه الذي وُصف بالغامض، إلا أنّ القرار يطرح تساؤلات حول مدى إمكانية الثقة في النظام الدولي الذي تشكّل بعد الحرب الباردة، وعلى رأسه مبدأ الحد من انتشار الأسلحة النووية.

ردود فعل دولية.. توتر واستنفار

أعقب إعلان واشنطن إعادة تجارب الأسلحة النووية، ردود فعل عالمية سريعة، خاصة من الدول المعنية بشكل مباشر في منشور ترامب: روسيا والصين. ووصفت موسكو إعلان ترامب بالتحول الخطير الذي قد يُعيد العالم إلى أجواء الحرب الباردة. وحذر الكرملين من أن عدم التزام أي دولة بوقف تجارب الأسلحة النووية، يعني أن موسكو ستتصرف وفقًا لذلك.

وكانت روسيا قد سحبت تصديقها على معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية في 2023، مع إبقاء توقيعها على المعاهدة، والتزامها حتى الآن، علنًا على الأقل، بعدم إجراء تجارب نووية فعلية. لكن بعد إعلان ترامب، وتحديدًا في الخامس من نوفمبر الفائت، وجّه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، كبار مسؤوليه بصياغة اقتراحات خاصة بتجارب نووية محتملة للمضي بها في حال أقدمت الولايات المتحدة على إجراء تجارب نووية فعلية.

من جهتها، اكتفت الصين حتى الآن، ببيان رسمي دعت فيه الولايات المتحدة إلى جدية الالتزام بمعاهدة حظر التجارب النووية، مؤكدًا أنها، حتى الآن، ما تزال متمسكة بمبدأ "لا أول استخدام"، والذي يعني التعهد بعدم استخدام السلاح النووي بشكل استباقي.

ورغم توقيعها على اتفاقية الحظر الشامل للتجارب النووية في 1996، لم تُصادق الصين عليها حتى الآن، أسوة بالولايات المتحدة. وتقول الصين إنها مع ذلك، ملتزمة منذ ذلك الحين بوقف أي تجارب فعلية لأسلحة نووية، فهل هذا صحيح؟

المصادر المفتوحة تشكك.. هل تجري الصين تجارب نووية سرية؟

رغم التأكيدات الصينية الرسمية على الالتزام بوقف التجارب النووية، تظهر المصادر المفتوحة وتحليلات صور الأقمار الصناعية، فجوة بين التصريحات والوقائع، ما يولّد شكوكًا جادة حول مدى التزام بكين بالشفافية النووية، ويطرح احتمالات حول إجرائها اختبارات نووية سرية.

في عام 2021، وفي أرضٍ خلاء قربة مدينة أوردوس بإقليم منغوليا الداخلية في الصين، كشفت صور أقمار صناعية قباب اعتُقد على نطاق واسع أنها صوامع لإطلاق صواريخ باليستية عابرة للقارات، حاملة لرؤوس نووية.

وفقًا لمراجعة مسبار لصور الأقمار الصناعية، لم تكن تلك الصوامع موجودة قبل النصف الثاني من يونيو/تموز 2021، حيث ظهرت قُبة واحدة على شبكة طرق ستضم بحلول الثامن من سبتمبر/أيلول، 12 قبة على مساحة قرابة 76 كيلومتر مربع.

وإلى الجنوب من هذا الموقع، على بعد نحو ثماني كيلومترات، يظهر حقل آخر يضم 11 قبة، اعتقد أنها صوامع صواريخ أيضًا، أُنشئت أيضًا بعد يونيو/تموز 2021، ووزعت على مساحة تتجاوز 118 كيلومتر مربع.

سرعان ما توسع الحقلان، وزادت القباب/الصوامع عددًا، فخلال أشهر قليلة أضيفت عشرات القباب حتى اتصل الحقلان ببعضهما البعض. لكنها أيضًا سُرعان ما اختفت، فيما يبدو أنه قد جرى تفكيكها بداية من مارس/آذار 2022، ليتقلص عدد الصوامع حتى الاختفاء بحلول أغسطس/آب 2022.

تُستخدم هذه الصوامع القببية كخيام بناء، لذا فالجزء الهام في الموقع ليست الخيام، ولكن ما يُبنى تحتها، وهي الأجزاء الأكثر حساسية في مشاريع تلك الحقول: منصات إطلاق الصواريخ، والتي يُمكن رؤية أثرها بعد إزالة الصوامع، متمثلة فيما يمكن رؤيته عبر صور الأقمار الصناعية كمساحات ممهدة وسط الصحراء.

من غير الثابت ما إذا كانت جميع تلك المنصات تحمل بداخلها صواريخ بالفعل أم لا. إذ يُعتقد أنّ الصين تعتمد ما يعرف بلعبة تبديل الأكواب، حيث تخفي المنصات الفعلية بين عدد كبير من المنصات الوهمية لحمايتها من أي استهداف أو عمليات تخريب محتملة.

ما الذي يعنيه توسع حقول الصواريخ النووية الصينية؟

هذا الحقل، الذي تمت الإشارة إليه أعلاه، واحد من بين عدة حقول توسعت الصين في إنشائها على مدار السنوات الأخيرة على طول البلاد. 

تتمسك الصين بنفي إجرائها أي اختبارات نووية فعلية. وفي الواقع، لم تُسجل الوكالة الدولية للطاقة الذرية أي نشاط نووي مثير للريبة، بل على العكس، تعزز التعاون بين الصين ووكالة الطاقة الذرية خلال السنوات الأخيرة.

مع ذلك، رصدت وكالة المخابرات المركزية الأميركية (CIA)، منذ 2002 توجه الصين نحو توسيع ترسانتها الصاروخية النووية، وفقًا لما جاء في ورقة تقدير صادرة عن CIA إلى الكونغرس الأميركي.

وجاء في وثيقة CIA "رغم أنه من المرجح انخفاض عدد الصواريخ الروسية، إلا أن أجهزة الاستخبارات تتوقع أن تتضاعف قوة الصواريخ الباليستية الصينية عدة مرات بحلول 2015". 

وما بين ما يبدو تعاونًا نشطًا بين الصين والوكالة الدولية للطاقة الذرية، وبين توسع الصين المرصود في تطوير الترسانة النووية، أو على الأقل الترسانة القادرة على حمل أسلحة نووية، يبرز السؤال عما يجمع هذين النقيضين.

في عام 1960 وخلال المحاولات الأولى لتطوير أول قنبلة نووية صينية، أعلن الزعيم الصيني ماو تسي تونغ، أن بلاده "ستنتج بعض القنابل النووية، لكنها لا تنوي استخدامها بأي حال من الأحوال". وفي عام 1964 أنتجت الصين أول قنبلة نووية بالفعل، دون تطوير يُذكر لترسانة الصواريخ الباليستية، وبقي الحال على ما هو عليه حتى الثمانينيات. 

في الثمانينيات، ورغم المساعي الحذرة لتطوير الترسانة الصاروخية، أعلن الرئيس دنغ شياو بينغ، أن بلاده "لا تحتاج إلى أعداد كبيرة من الأسلحة، لكنها بحاجة فقط إلى ما يكفي لخلق قوة ترهيب"، وعلى هذا المبدأ استمرت السياسة الصينية المعلنة بشأن برنامجيها النووي والصاروخي. ففي عام 2002، أكد الرئيس الصيني غيانغ زيمين مجددًا أن بلاده تسعى إلى الحفاظ على امتلاك قوة نووية استراتيجية محدودة ورادعة، مُجدِدًا تمسك بلاده بالمبدأ الذي تبنّته منذ 1964 وهو "لا أوّل استخدام"، الذي أعادت بكين التأكيد عليه مرة أخرى في ردها على إعلان ترامب إعادة تجارب الأسلحة النووية.

ورغم أن التوسع الصيني بعشرات حقول وصوامع الصواريخ لا يعني بالضرورة إجراء اختبارات نووية سرية، الأمر الذي لم يُسجّل أو توثقه مصادر مفتوحة أو غير ذلك؛ لكنه قد يعني مساعي الصين للتحول من قوة ردع محدودة ومتحركة (تعتمد على الغواصات ومنصات الصواريخ المتحركة)، إلى "قوة ترهيب" بتعبير الرئيس الأسبق شياو بينغ، لكنها أكبر وأكثر توسعًا وتنوعًا.

هل نشهد حربًا باردة على الأقل؟

تمتلك الولايات المتحدة 3748 رأسًا نوويًا على الأقل، وفقًا لأحدث تقارير شفافية مخزون الأسلحة النووية الأميركية الصادر عن الإدارة الوطنية للأمن النووي (NNSA) في 2024. وبحسب تقديرات مركز اتحاد العلماء الأميركيين (FAS)، فإنّ 1770 رأسًا نووية من هذه الترسانة منشورة وجاهزة للإطلاق.

في المقابل، تقدر الترسانة النووية الروسية بـ4309 رأس نووية، بينها 1718 رأس منشورة وجاهزة للاستخدام، وفقًا لتقديرات FAS وورقة نشرتها مجلة نشرة علماء الذرة في مايو/أيار 2025. 

هذا مع الوضع في الاعتبار أنّ التقديرات بالنسبة إلى الولايات المتحدة وروسيا، تُشير إلى زيادة في المخزون الاحتياطي من الرؤوس النووية.

من جهتها، تذهب المؤشرات إلى زيادة الصين في ترسانتها النووية. وتقدر الترسانة النووية الصينية الآن بنحو 600 رأس نووية، فيما تذهب تقديرات البنتاغون الأميركي إلى امتلاك بكين ألف رأس نووية بحلول 2030، وذلك على خلاف ما ادعاه ترامب من أن الصين ستعادل القوة النووية الأميركية خلال خمس سنوات.

وما بين تصريحات ترامب وتوسعات بكين وتعزيزات موسكو، تتفاقم المخاوف من مؤشرات إحياء سباق التسلح النووي عالميًا، ما قد يُنذر باستعادة تاريخية لحقبة الحرب الباردة، ويضع، بطبيعة الحال، معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية تحت ضغط وجودي.

اقرأ/ي أيضًا

التضليل كمناورة سياسية.. تصريحات ترامب قبيل ضرب المنشآت النووية الإيرانية

الحقيقة من الأعلى.. استخدام صور الأقمار الصناعية في تغطية الحروب

 

المصادر

اقرأ/ي أيضًا

الأكثر قراءة

مؤشر مسبار
سلّم قياس مستوى الصدقيّة للمواقع وترتيبها
مواقع تم ضبطها مؤخرًا
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
عرض المواقع
bannar