عام على سقوط الأسد: التحول في أهداف التضليل الرقمي في سوريا
قبل سقوط نظام الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، شكّل التضليل الإعلامي في سوريا نظامًا أحاديًا مغلقًا، حيث كانت السلطة تمارس احتكارًا كاملًا للرواية وتوظف أدواتها الرسمية لضمان السيطرة السياسية. كان هذا التضليل بطيئًا وهرميًا، يهدف إلى إقناع الجمهور برواية واحدة ثابتة.
إلا أن المعلومة المضللة في المشهد الإعلامي الذي أعقب انهيار نظام الأسد، شهدت تحولًا هيكليًا عميقًا. فالتغيير لم يقتصر على استبدال أداة بأخرى، بل شمل بنية الإنتاج، وآلية التوزيع، والغاية الوظيفية وراء التضليل نفسه.
يحلل هذا المقال 518 مادة تحقق، نشرها "مسبار" بين ديسمبر/كانون الأول 2024 ونوفمبر/تشرين الثاني 2025، لرصد انتقال التضليل من نظام مركزي مغلق إلى ظاهرة لامركزية ومتعددة المصادر، عاجلة وسريعة الانتشار، تعتمد على الفراغ المعرفي الناتج عن انهيار المرجعية الإعلامية الرسمية، وتستثمر مخاوف الجمهور لتحقيق انتشار واسع وأثر اجتماعي عام.
لقد أبرز هذا الرصد أنّ التضليل لم يعد مجرد أداة للتحكم السياسي المباشر، بل أصبح نظامًا متشابكًا يعمل على تفتيت أي محاولة لتشكيل رواية مشتركة وتوسيع دائرة الشك والريبة. التحول التدريجي من الهيكلية القديمة إلى البنية الجديدة يظهر بوضوح في ثلاثة محاور رئيسية: أولها الوظيفة الجديدة للمحتوى المضلل، ثانيها الشكل الزمني والبصري للمواد، وثالثها الأبعاد التقنية والاجتماعية التي حولت كل فرد من جمهور متلقي إلى عنصر فاعل في دورة إنتاج التضليل.
التحول في وظيفة المحتوى
كان الدافع الأساسي للتضليل سابقًا يتركز في تثبيت الحكم وتبرير سياساته. لكن بعد الانهيار، تفككت وظيفة التضليل من السيطرة السياسية الموحدة، ليصبح موجهًا نحو تحقيق الانتشار والتفاعل، وفي الوقت ذاته، تأجيج النزاعات بين الفاعلين المحليين.
في الأسابيع الأولى بعد السقوط، هيمن التضليل المرتبط بالرموز القديمة وتصفية الحسابات على المشهد، كمحاولة لإنهاء مرحلة وبدء مرحلة جديدة عبر شائعات مكثفة وذات وقع كبير. ظهر ذلك في سرعة تداول أخبار كاذبة حول مصير الشخصيات البارزة، مثل تكذيب فيديو يزعم "ظهور بشار الأسد وعائلته في روسيا بعد فراره إليها"، أو تضليل تقني مثل "التسجيل الصوتي الذي يعتذر فيه بشار الأسد من الشعب السوري مفبرك".
مع مرور الوقت، تحول التركيز إلى ما يمكن وصفه بـ"توليد المحتوى القائم على استغلال القلق العام". إذ بدأ التضليل يستثمر التوتر الاجتماعي المرتبط بالقضايا الاقتصادية والأمنية لتحقيق أقصى درجات الانتشار والتفاعل، ما يضمن تزايد الوصول للمنصات الناشرة. مثال ذلك تداول صور مولدة بالذكاء الاصطناعي تزعم طباعة عملة ورقية سورية جديدة، أو شائعات غير موثوقة حول تغييرات في سعر الدولار أو استبدال الليرة. هذا النوع من التضليل، الذي يركز على الإثارة الاقتصادية، يصبح مستقلًا بذاته، أي أنه يُنتج لأجل تحقيق التفاعل السريع وليس لخدمة أجندة سياسية محددة، ما يضمن استمراريته في سوق الروايات المفتوح.
كما تحول التضليل إلى سلاح صراع مجتمعي بين الفاعلين المحليين. ففي ظل غياب المرجعية الواحدة، استُغلت الشائعات لتأجيج التوترات الطائفية أو المناطقية. يتجلى هذا في مواد تم تداولها لتشويه سمعة الخصوم أو إثارة النعرات، مثل فيديو مزيف يزعم "قطع رأس سوري علوي خلال أحداث الساحل الأخيرة".
التحول الزمني والشكلي
كان التضليل سابقًا محصورًا بزمن بث محدد وشكل رسمي تقليدي، مع بقاء المساحة الأكبر محتكرة من الجهاز الإعلامي الرسمي. ورغم وجود محاولات تضليل من أطراف متفرعة تُحسب على السلطة أو تعمل في هوامشها، إلّا أنّ تأثيرها كان هامشيًا ومحدودًا، لأن البنية القديمة كانت تُعيد كل السرديات إلى مركز واحد يبتلع الأصوات الجانبية ولا يسمح لها بتشكيل أثر مستقل. في المقابل، يتميّز المشهد الجديد بـ"انكماش الزمن السياسي" وهيمنة الشكل البصري الفوري الذي لا يمنح الجمهور وقتًا للمراجعة أو التحقق، ما يجعل أي محتوى مهما كان مصدره قادرًا على توليد أثر واسع خلال لحظات.
إن التحول من التقارير النصية الطويلة إلى ما يُعرف بالمحتوى البصري القصير عالي التأثير (Short-form, High-Impact)، يمثل جوهر هذا التغيير. فقد أثبتت المواد المرصودة أن التضليل يعتمد بشكل متزايد على لقطات الفيديو القصيرة، الصور المجتزأة، ولقطات الشاشة المُعدّلة، ما يضمن انتشارًا أسرع بكثير من النص ويحقق تأثيراً آنيًا على الجمهور، في حين يصبح عامل الموثوقية ثانويًا مقارنة بعامل السرعة والتفاعل. هذا التغير في البنية الشكلية أكدته دراسة تحليلية سابقة لـ"مسبار" بعنوان "عام على سقوط الأسد: الصورة تتقدّم على الكلمة والتضليل يفرض سرديته بصريًا"، ما يؤكد أن البعد البصري أصبح الأداة الرئيسية لإدارة الانتباه العام.
ويُلاحظ أن هذا التضليل البصري يعتمد على الاقتطاع من السياق، حيث تم تداول مواد قديمة وتقديمها كـ"دليل آني" على أحداث جارية، مثل فيديوهات مزيفة عن مظاهرات في ريف دمشق أو انفجارات في حي المزة 86، ولوحظ استخدام مقاطع من أعوام سابقة لإثارة القلق الفوري في الأشهر التالية للسقوط.
كما استُخدم المحتوى البصري القصير في القضايا المحلية الحساسة، مثل أزمة حرائق الغابات، إذ وُجّه الاتهام بسرعة إلى خصوم محليين عبر مقاطع قصيرة ومجتزأة، كما في الفيديو المزيف الذي يزعم أنه لعناصر من فصيل العمشات يشعلون حرائق الساحل السوري.
التحول التقني والاجتماعي
شكل ظهور التقنيات المتقدمة، إلى جانب تغير الجمهور إلى مُنتِج للتضليل، العامل الأخير الذي فكك البنية القديمة، ناقلًا التضليل إلى مرحلة التصنيع المتقدم.
القفزة التقنية والاعتماد على الذكاء الاصطناعي
في البنية الجديدة، لم يعد التضليل مقتصرًا على الإخفاء أو التحريف الجزئي للحقيقة، بل صار يعتمد على إنشاء أدلة مزيفة بالكامل بواسطة تقنيات الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق (Deepfakes). هذا يمثل أكبر قفزة نوعية في تاريخ التضليل السوري، إذ انتقلت الأدوات التقنية من أداة دعم إلى أداة تصنيع.
فبينما كانت التكنولوجيا تستخدم في البداية لتعزيز الشائعات المتعلقة بالرموز المنهارة، سرعان ما تحولت إلى أداة لـ تزييف القرارات السيادية أو لصناعة الأجواء المصطنعة. هذا ما يتضح في تداول مواد مثل "الفيديو لتصميم رقمي وليس لدخول أول رتل نفط سعودي إلى سوريا"، وكذلك تداول صور مولدة بالذكاء الاصطناعي تزعم طباعة عملة ورقية سورية جديدة. هذه الأمثلة تظهر كيف أن التضليل لم يعد يكتفي بشائعة، بل يضيف إليها "دليلًا تقنيًا مصنعًا" لرفع صدقيتها.
إن هذا الارتفاع في التضليل المُصنّع يزيد بشكل حاد من الجهد التقني والزمني المطلوب للتحقق، ويجعل مهمة مدققي الحقائق أكثر تعقيدًا، إذ يصعب على العين المجردة التمييز بين الحقيقة والمحتوى الذي تم "تصنيعه" بواسطة الذكاء الاصطناعي، كما في تكذيب فيديو يزعم "انهيار جزء من الجدار الحدودي بين العراق وسوريا"، الذي تبين أنه ذكاء اصطناعي. هذا التطور يرسخ حقيقة أن التضليل الآن هو صناعة قائمة على التكنولوجيا المتاحة للجميع.
"ديمقراطية الكذب".. الجمهور في ظل الفراغ المعرفي
أدى الانهيار السياسي إلى انهيار مرجعية الثقة، مما خلق "فراغًا معرفيًا" دفع الجمهور للبحث عن تفسير للواقع. وفي ظل سيطرة أدوات التواصل، تحوّل الجمهور نفسه إلى مُنتج ومُضخّم للتضليل.
هذا ما يسمى "ديمقراطية الكذب"، إذ إنّ الإشاعة لا تنبع من مركز واحد بل تنتشر عضويًا من خلال الأفراد الذين يشاركونها بحسن نية أو بقصد الإثارة. وتظهر الأمثلة المرصودة كيف يتم تضخيم شائعات قديمة أو كاذبة عبر التداول الجماهيري المكثف، مثل مواد تتحدث عن "انشقاق مقاتلين من العشائر عن قسد". إن هذا التداول الجماهيري المكثف يكرس حالة الشلل المعرفي ويمنح التضليل قوة استمرارية لا تتوقف على تمويل مركزي، بل تتغذى على بنية المجتمع الضعيفة نفسها.
تداعيات التضليل الهيكلي العميق على المستقبل السوري
يؤكد التحليل التدريجي للمواد المرصودة أن التضليل الإعلامي في سوريا تحول تحولًا حاسمًا من أداة حكم بيروقراطية بطيئة إلى نظام بيئي لامركزي ومعقد. هذا التحول لم يكن سطحيًا، بل مسّ البنية العميقة لإنتاج المعلومة، مؤسسًا لواقع إعلامي جديد شديد الخطورة.
تتضح خطورة هذا النظام الجديد في ثلاث خصائص تتجلى في تحول وظيفة المحتوى، إذ انتقل التركيز من دعم شرعية نظام واحد إلى تحقيق أقصى درجات الانتشار والتفاعل، عبر استغلال القلق العام والقضايا الاقتصادية الحساسة. هذا السلوك يضمن استمرارية التضليل وتغذّيه الذاتية، ويجعل منه أداة فعالة لتأجيج الصراعات المجتمعية الأفقية بين الفاعلين المحليين. ثانًيا، سيطرة الشكل البصري القصير الذي يضمن السرعة الفيروسية وانكماش زمن النشر، مما يشتت جهود التحقق ويحقق تأثيرًا آنيًا قبل أن تتمكن الحقيقة من اللحاق بالإشاعة. ثالثًا، الاعتماد النظامي على التقنية العالية، فاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي والتزييف أصبح جزءًا من عملية الإنتاج، ما يرفع من قدرة التضليل على صناعة الأدلة الزائفة بالكامل ويقوض بشكل جذري موثوقية المحتوى البصري.
إن هذا التضافر في التحولات الهيكلية قد غير العلاقة بين المجتمع والحقيقة. فالتضليل لم يعد مشكلة خارجية يمكن السيطرة عليها، بل أصبح خاصية بنيوية تعمل على تفتيت الرواية الموحدة وتكريس الشك المنهجي داخل النسيج الاجتماعي. يمثل هذا التطور التحدي الأكبر أمام أي جهود مستقبلية تهدف إلى بناء ثقة مجتمعية أو إجماع وطني، حيث تحول جزئيًا منه إلى صراع على تعريف الحقيقة.
اقرأ/ي أيضًا
عام على سقوط الأسد: الصورة تتقدّم على الكلمة والتضليل يفرض سرديته بصريًا
عام على سقوط الأسد: التضليل عبر استغلال الطائفية والقومية في المشهد السوري الجديد


















